اطول رسالة في العالم

تأليف: نيكول سشيني غاوس

ترجمت: وفاء شوكت؛ عن الفرنسية.

لمحة خاطفة قرر نيقولا -وهو في الحادية عشرة من عمره- أن يكتب أطول رسالة في العالم؛ ليقصّ علينا، يوماً بيوم، أفراحه وأحزانه، آماله وأمنياته، وليهدي هذه الرسالة في ليلة الزفاف إلى الفتاة التي ستصبح زوجته, والتي لم يكن قد عرفها بعد.

شوكس.. Chouk’s

( " يا حبيبتي "، إنه لمضحك، إذ أدعوكِ شوكس بفاصلة في نهاية الاسم لتحديد الملكية - كما في اللغة الإنكليزية - إضافة إلى أن اسم " شوكس " أنيق، أليس كذلك ؟ ! ).

يجب ألاّ نبدأ إطلاقاً رسالة ما بهلالين، أعرف، لكنني فعلت ذلك. من يمنعني سأكتب في هذا الدفتر كل ما أريد، مثلما أريد، ومتى أريد. وسوف أقدمه لكِ يوم زفافنا. ستكون أكبر رسالة في العالم ! إنني لا أعرفك، لكنني، على الأقل، أعلم أنك ستكونين يوماً مازوجتي. لقد قررت أن أكتب لك ابتداءً من اليوم، لكي تعرفي من أنا، الآن، وكل الذي يحدث لي، وأنا لا أزال في الحادية عشرة من عمري. إذا كانت توقعاتي صحيحة، فأنت قد ولدت، وعمرك يتراوح بين ثماني وعشر سنوات. تذهبين إلى المدرسة، تأكلين، وتنامين في مكان قريب من هنا، أو ربما في أمريكا، سأعرف ذلك في المستقبل. مازلت أتساءل، في بعض الأحيان عن وجود " إله " يطوف في الفضاء، وينظر إلى الأشياء والكائنات، أو يتأملها فقط. إذا كان الجواب " نعم "، فإنه ربما يراقب كلاً منا في مكانه، وهو يعلم تماماً أننا سنلتقي معاً في يوم من الأيام. إنني أود كثيراً أن يوجد هذا الـ " إله "، ولكن يصعب جداً علي أن أؤمن به في الوقت الحاضر. عندما تحدثت مع جدتي عن هذا الموضوع، رمتني بنظرة باردة، وجملة غريبة : " إن الذين لايؤمنون بالله لايملكون خيالاً واسعاً، إن الخيال هو دليل أكيد على وجود الله ! " لوفهمتِ شيئاً من هذا الكلام ياشوكس، اعلميني بذلك عندما نكبر. إنني، في هذه اللحظة، في غرفتي، حقيبة كتبي جاهزة للغد، وجدي يعتقد أنني نائم. يعمل جدي في مكتبه، بعد العشاء. في الصباح، نتناول فطورنا معاً، على عجل فور وصول "جوليا"، ثم استقل الباص، مع " نيللي " و " لولو " إبنا الجيران، للذهاب إلى مدرسة " كليرمون ". أنا في الصف السادس. أتناول طعامي في مقصف المدرسة، وفي الساعة الخامسة وعشر دقائق، نأخذ الباص من جديد، لنعود إلى بيوتنا. إذا كان جدي موجوداً، عند وصولي إلى البيت، يستقبلني، ويطبع قبلة على خدي، ويسألني عن سير دروسي. في المساء، نتناول طعام العشاء منفردين، ونتفرج على التلفزيون الملوّن. إنني إذ أكتب لك، فلأنني، في الحقيقة، أعاني مشكلة، منذ ثمانية أيام، إنني لا أقدر أن أحكي. لقد بدأ جدي يقلق كثيراً علي، ولكن بلا جدوى. أشعر أنني مغلوب على أمري، وقد قال الطبيب : " إنها الصدمة ! لا تعذب نفسك، سينصلح كل شيء خلال وقت قصير " وخلال هذه الوقت أناساكت. هذا أمر محيّر جداً، لأنني كنت ثرثاراً جداً، قبل ذلك، ولأن هذا يجعلني حزيناً، فقد كانت جدتي - عندما كانت لا تزال على قيد الحياة - قد أوصتني، وطلبت مني الاهتمام بجدّي، والترويح عنه - بعد ذهابها - أعرف أنها طلبت الشيء نفسه من "جوليا "، لكن " جوليا " لاتبقى معنا طوال الوقت. لقد توفيت جدتي منذ ثمانية أيام. إنها لن... تعرفك!! بالتأكيد، قبل أن نتزوج، نكون قد تعارّفنا منذ زمن طويل، وأكون قد شرحت لك لماذا جدي وجدتي هما اللذان قاما بتربيتي. لكنني حين أكتب لكِ تختلط أفكاري. أكلمك، أحياناً، كما أنت الآن، وأحياناً أخرى مثلما ستكونين فيما بعد. وإذا متّ قبل أن أعرفك، فكيف لي أن أعطيك، وأسلمك هذا الدفتر ؟ لن يعرف أحد أنك أنت التي ستصبحين زوجتي في المستقبل. هنا، أفقد صوابي. ببساطة، كنت أريد أن أقص عليك حكايتي. إن قصتي تؤثر في ّ مثل حكايات الجدات تماماً، أؤكد لك ذلك، لأني أعرفها، وعندي شعور أني قد قرأتها في كتاب، وأتمنى أن تنتهي بعبارة : " وعاشوا سعداء "، ورزقوا بعدد كبير من الأولاد "، وأن تتضح الأشياء، وتنجلي الأمور لي. أما فيما يخصّني، فلا تتوقعي سماع اعترافات خارقة، ولكنك سترين أني قد دخلت هذا العالم بقدمي اليسرى ! لقد كنت أعتقد أن والديّ متوّفيان، لأن جدتي كانت تجعلني، دائماً، أتلو صلاة صغيرة لهما. كما كنت أعتقد أن حادثاً وقع لهما في قطار، على السكة الحديد. وكنت أقول لنفسي، دائماً : كان من سوء حظ والديّ أنهما ركبا هذا القطار بالذات " وهذا فقط. ( عندما تكون صغيراً، فإنك لا تسأل نفسك أسئلة كثيرة ). وحلّ اليوم الذي جاء فيه " آرتوربون " الأبله، ليسألني: لماذا أدعى " نيقولا دولوز " أي : " دولوز "، مثل جدي وجدتي، ومثل أمي، وليس مثل أبي. لقد تطلب ذلك مني بعض الوقت لأتحقق من أن ذلك ليس شيئاً طبيعياً. أنتِ تعرفين، هنا، في " برامفان "، كل الناس يعرفون منزل " دولوز " وعائلة " دولوز " وتجرأت يوماً، وواجهت جدتي بهذا الموضوع، فاحمّر وجهها. أكثر من العادة، قليلاً، ثم أمسكت بيدي، وقالت : - تعال، سنتحدث عن هذا مع جدّك. لحسن الحظ، لم يكن عند جدي زبائن، فأمكن أن يستقبلنا فوراً، كما لو كنا على موعد مسبق، وجلسنا في مكتبه. بدأت جدتي : " نيقولا، يريد أن يعرف لماذا يدعى " دولوز " ؟ وفهمت أنهم سيعلمونني شيئاً مهماً، فللدخول إلى هذا المكتب، يجب دفع بابين مدروزين بالمسامير، الواحد بعد الآخر. إنه مكان لم يسمح لي إطلاقاً بالدخول إليه بحرّية، بسبب الزبائن. عطس جدي، ثم أوضح الأمور لي كما يلي : - " إن هذا بسيط جداً يا نيقولا : إن الطفل عموماً يحمل اسم والده، ولكنه يستطيع أن يحمل اسم أمّه، إذا لم تكن متزوجة. بفضل هذا، كما ترى، عندي حفيد يدعى باسمي، أنت تدعى " دولوز "، لأن أمك كانت تحمل هذا الإسم، وعندما ولدت أنت، لم تكن قد تزوجتْ أباك بعد. وقد حصل حادث القطار بعد ولادتك. وعندما أصير في عداد الأموات، سوف يبقى نيقولا دولوز آخر على الأرض ( إن جدي يدعى أيضاً نيقولا ). هل تريد معرفة المزيد حول هذا الأمر، مادمنا نتحدث فيه ؟ ".

- معرفة المزيد ؟ كلاّ، شكراً ! كنت أستطيع أن أسأل : لماذا والديّ لم يكونا متزوجين ؟ لكن هذا القدر من الشرح كان يكفيني ذاك اليوم. حتى إنني فكرت أنه لم يكن ضرورياً لهذا الحد، الذهاب إلى المكتب، لأسمع أقوالاً بسيطة كهذه، ولم أُعِدْ إلى فتح هذا الموضوع بتاتاً.

قد تعتقدين أن أهلي عاشوا فترة قصيرة من الزمن فقط، أو أنهم بالكاد وجدوا. لكنني، في الحقيقة، لم أكن أفكر بهم كثيراً، حين كنت صغيراً. وبعد ما بدأت أكبر، أمكن أن تتضّح لي بعض التفاصيل الغامضة، وبمحض الصدفة مثلاً، في المقبرة - حيث كنت أذهب، مع جدتي أغلب الأحيان، كان فقط اسم أمي وليس اسم أبي. في البداية ظننت أنه قد دفن في قريته، ثم شيئاً فشيئاً، فهمت ( لا أعرف كيف، صدقيني ) أن أمي أنجبت طفلاً، أي أنا، وأنها توفيت في قطار نعم هكذا، لكن أبي لم يكن عندئذ معها، لأنه لم يكن هناك أب، بكل بساطة ؟ والآن، حتى لو أنني أعرف أنه يوجد بالضرورة أبٌ في مكان ما، كيف تريدين أن أهتم به، بعد كل الذي يجري في البيت. إن جدتي قد توفيت، ياشوكس ! أبي موجود، ولكنني لا أعرف من يكون ! أنا موجود، وأبي لا يعرفني. آمل ألا يكون شخصاً سيئاً أو أحمق ! وأن يكون بصحة جيدة. هذا كل ما أستطيع أن أفعله لأجله. إنني أفضل أن أفكر بك على أن لا أفكر به. إن هذا يدخل السرور في نفسي. أستطيع أن أحلم كيف ستصبحين بعد أن تكبري !

شوكس،
انتهيت الآن، من إعادة قراءة مقدمة رسالتي، وأنا خائف من أن تشفقي علي، أو تظني أنني عشت طفولة تعيسة مثلاً، لهذا أود أن أثبت لكِ العكس !

أن ترزق امرأة غير متزوجة طفلاً أصبح أمراً مألوفاً، بالرغم من كل شيء في وقتنا الحاضر. وإن يقع حادث قطار، هذا ممكن أيضاً.

أن يفقد المرء جدته، هذا أمر عادي.

إنني لم أتألم من شيء أبداً، في حياتي . عدا هذه الأيام بالتأكيد !.

حسناً، ياشوكس، إنني إذ أكتب هذه التوضيحات، فلكي تعلمي أنني عشت دائماً مع جدي وجدتي، وهما لم يكونا أبداً عجوزين، بالرغم من كونهما جدّين، عدا هذه السنة، ربما. هذه السنة السيئة !

لقد حدث ذلك بكل هدوء، الصيف الماضي، بهدوء شديد لدرجة أني لم ألحظه، كانت جدتي تسعل، وكانت تعبة، تعبة كثيراً، وصارت تبقى في سريرها أو مقعدها فترات أطول و أطول. وبدأ الشعر الرمادي يغزو رأس جدي، ولكن، كيف أعبر عن ذلك ؟ إن جدتي كانت دائماً هي جدتي، حتى إني أشعر بالسعادة لأنني كنت أعلم أنني سأجدها في البيت، فور نزولي من الباص، لأنها قبل أن يقعدها المرض، كانت دائماً ذاهبة في اتجاه أو آخر، معها كانت الحياة عنيفة ! لقد كَرِهَت بشدة الخمول والكسل، وحتى الليونة، والميوعة. وأنامثلها، أيضاً على ما أعتقد. لا أستطيع أن أقول إني كنت متفاهماً معها، أو إني كنت أخشاها، حتى ان هذا السؤال لم يتبادر إلى ذهني. مع جدتي، كان إجبارياً - إذ صح القول أن يسلك المرء سلوكاً حسناً. إذا، كان سلوكي جيداً. حتى إذا كنت لا ترغبين في تذوق طبق من أطباقها، السبانخ مثلاً، فقد كانت تستطيع أن تقنعك بأنه رائع، بسبب الكريما التي تغطيه، أو فتات الخبز المحمصة والبيض المسلوق. بكلام آخر، كانت متحمسة طوال الوقت، وكنت أنا أفعل مثلها، إنها العدوى ! عندما مرضت جدتي، تغيرت حياتنا. كنت أجلس قرب مقعدها، وكنا نثرثر. " جوليا " كانت تحضر لنا " التوست " مع شاي، فأنا أحب الرفاهية، وأحب مشاهدة التلفزيون. كان يسرني أن تكون جدتي لطيفة معي إلى هذه الدرجة، ولم تعد تجبرني على الخروج للعب. على كل حال، ليس لدي أصدقاء هنا، تقريباً. " نيللي " و " لولو " في الصف الرابع، إنهم يصفونني " بالبليد "، والأطفال الآخرون ما زالوا يذهبون إلى المدرسة الابتدائية. أمّا أنا فإنني لا أصفهم بالبلادة، لأنني لا أجرؤ على ذلك. اليوم، لم تعد لي رغبة في الحديث عن جدتي، بالرغم من أني أفقتدها كثيراً، وسوف أشعر بأنني طبيعي جداً، لو استعدت فقط مقدرتي على الكلام. في الحقيقة، أستطيع الكلام، ولكن بصوت منخفض. إنني أتكلم بدون صوت مع أنني، يوم الدفن، كنت بحالة طبيعية جداً. لقد كنا - جدي وأنا - شجاعين جداً، الكل قال ذلك. ولكن، في اليوم التالي، تك! لا صوت لي. وعندما أردت أن أتحدث، أن أصرخ: غير ممكن. كان صوتي " لا يخرج"!

يتبع