حين يصل كل شريك الى درجة من النضج تؤهله لتقدير محاولة شريكه في التعبير عن نفسه والاهتمام بما يقوله حتى لو كان على شكل إنفعالات بركانية فإنه سيمسك بطرف الخيط الذي يقوده الى أعماق شريكه في العلاقة والفهم والتفهم يؤديان كما هو معروف الى الود والإستقرار، وأولى الخطوات التي يجب أن يتبعها أي شريك بعد نشوب الخلاف الإصغاء الى ما يقال والتمعن في المواقف والكلمات، لأنه بهذه الطريقة يشعر شريكه بأنه لايستخف بكلامه ولايستهين بآرائه ويحترم وجهة نظره حتى لم تكن صحيحة، والملاحظ دائما أن الازواج حين يختلفون وتعلو اصواتهم ويتحول النقاش الى صراخ لا يصغي بعضهم الى بعض.


فهم يتكلمون أو يصرخون في وقت واحد، وعندما ينهكهم التعب يصمتون أو ينسحب أحدهم معلقا الموقف دون حل، أو يتوصلون الى ترضية مؤقتة لاتحل المشكلة، وهناك زوج أراد أن يختبر صحة ما يقال من أن الازواج لايصيغون لمشاعر شركائهم التي تترجم الى كلمات عند المشاجرة ويكونون منهمكين في ترتيب أفكارهم للرد والدفاع عن أنفسهم بعد أن يلتقطوا شذرات قليلة من أفواه محدثيهم، هذا الزوج سأل زوجته بعد أن هدأت العاصفة وعاد الصفاء نفسيهما إثر شجار حاد: هل سمعتيني عندما اختلفنا قلت لك: ومع ذلك أحبك! ثلاث مرات كررت هذه الجملة على فترات متباعدة فكيف لم تنتبهي؟!
وهذه الحادثة تذكرنا بحكاية السيدة التي قدمت لضيوفها الكعك وقالت لهم: هذا الكعك صنعته أمس بيدي، إشتريت كل مكوناته بنفسي، عجنت الطحين والسكر والبيض وتركته لفترة ثم خبزته مع الزرنيخ(*) وتركته لفترة قبل أن أضيف له المواد الأخرى وكانت الردود تثير الدهشة: رائع ... طيب... لذيذ... شكرا ...الخ... لقد ألتقط الضيوف الجملة الأولى فقط ليردوا عليها ولم ينصتوا لبقية الحديث وإلا لما تناولوا الكعك الذي ادعت صاحبته "للتجربة فقط" أنه مسموم. وفي الستينيات قامت جامعة "مينيسوتا" بإجراء نفس هذا الاختبار على آلاف الطلبة وإستغرق عدة سنوات، ثم اجروا إختبارا مماثلا لعدد كبير من رجال الأعمال واصحاب المهن والحرف، وكانت النتائج العامة هي أن الشخص العادي "نصف المستمع" حتى لو حاول لإنصات بكل كيانه يستوعب فقط 50% من الحديث الذي انصت اليه بعد الأنصات مباشرة.

والمستمع الجيد يستغل سرعة التفكير في عملية الإنصات وذلك بأن يكرس الوقت الزائد من تفكيره في استيعاب ما يقال له وغربلته وأيضا الانتباه لتغيير نبرة الصوت وتعبيرات الوجه وحركات اليد واهتزاز الجسم فكلها كلمات صامتة بالإضافة الى الكلام المنطوق، ومهما كان شعورك نحو المتحدث فلابد أنك ستعرف شيئا جديدا او مفيدا على نحو ما، إن التركيز هو أكثر من نصف المعركة كما يقال.

ولهذا نجد ضعاف الإنصات يميلون الى الشرور ويقترب من المتحدث ولايقاطعه إلا مضطرا لكي يفهم نقطة ما قبل أن ينتقل الى نقطة أخرى، ومن بين الأسباب التي تستدعي حسن الإستماع الى ما يقال لك أن تكون ببساطة حسن الذوق، مجاملا، وسوف تظفر بكثير من المعلومات، بالأضافة الى أن الناس سينصتون إليك عندما تتحدث لأنك لابد ستكون قد تعلمت الكثير، وأصبحت بحسن اصغائك متحدثا لبقا يحب الناس الإنصات إليه!.
إن التركيز على ما يقوله الطرف الآخر "شريك في الحياة" مهم ويساعدك على فهمه أكثر، وعندما تصغي إليه بكل جوارحك بدلا من الإنسحاب الى الداخل للإستعداد للهجوم عليه بكلمات وحجج قوية لكسب نصف المعركة وربما كلها!! فقد يكون مخطئا دون أن تدري وقد تكون له وجهة نظر لم يحسن الحديث عنها، وبتركه يسهب في الحديث عنها ستتضح لك الصورة وقد يوقعه اندماجه في الكلام دون مقاطعة في كشف ضعف حججه إذا كان مخطئا فتستطيع بعد ذلك أن توضح له الخطأ الذي اعترف به للتو!!

في مقتبل العمر يظن كثيرون أن النجاح في الحياة الاجتماعية يتوقف على المقدرة على الحديث المتواصل والإعتراض على ما يقال والإختلاف حوله، ويعتقدون بصورة لاتقبل الجدل أن الشخص الإجتماعي هو الذي لا يكف عن الثرثرة والتعليق والتباهي بمعلوماته وذكرياته ونوادره وأنه بذلك يترك انطباعا حسنا ويحوز على الرضا والقبول.. الجميع بأستثناء قلة نادرة يتوهمون أنهم يصغون جيدا، في حين أن معظمهم يتكلمون بمعدل (120) الى (180) كلمة في الدقيقة، ومعظم الناس يستمعون الى الجزء الأول من حديثك ولا ينتبهون للباقي وهذا التصرف يتنافى مع الذوق العام.


يقول مستشار مشهور وناجح في الشؤون العائلية: إنني في الواقع لاأعمل كثيرا لإعادة الأمور الى مجاريها بين أفراد العائلة وجل ما أفعله هو أن أهيئ الفرصة لكل منهم لكي يتكلم بدوره، بينما اشترط على الاخرين عدم مقاطعته، وغالبا ما تكون المرة الاولى خلال السنوات التي امكنهم الإصغاء فيها لبعضهم البعض، والأصغاء الجيد دليل اهتمام ومحبة، وهو عمل لايكلف كثيرا ومردوده رائع، إذ يكفي أنه يبعد العزلة، ويجرد المرء من الأنانية، ويحيط من يطبقه في حياته بدفء المحبة والصداقة الخالصة ويجعله محبوبا ومرغوبا في كل زمان ومكان. لماذا يتحرج الأزواج من الإعتراف بمشاعر الود لشركائهم في حين يكون أكثر سخاء في ترديد عبارات الحب قبل الزواج؟ ما الذي يجعل الكلمات العذبة تتوقف عند طرف اللسان في حين تندفع الكلمات الحارجة أو الجافة دون ترو؟


ويقول "دايل كارنجي" لو يدري الأزواج الى أي مدى قد تؤثر كلمات الحب في حياتهم الزوجية لرددوا هذه الكلمات صباحا ومساء إن للكلمة اللطيفة وقع السحر في النفوس فهي تذهب البغضاء وتذيب حواجز الكره والنفور وتقرب المسافات البعيدة وهي مع ذلك لا تكلف شيئا ولاتنقص رصيد العواطف، إن الطبيعة لا تخجل من إعلان حبها للبشرية جمعاء بتفتح الورود واخضرار العشب ولمعان الرمال حين تنسكب فوقها، اشعة الشمس الذهبية و يشدو في الصباحات الباكرة وقطرات الندى تلمع فوق أوراق الشجر إنك لا تملك أمام آلاف الأشياء الجميلة التي تغدقها علينا الطبيعة الأم إلا أن تهتف:
يا للروعة والجمال وتفتح ذراعيك وقلبك لتحتضن هذا الجمال ولاتملك أمام هذا العطاء إلا أن تحب.

كاوة شيَخ عمر