** التعريف بالإمام ناصر بن مرشد :-
المؤيد ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب ، من ولد نصر بن زهران ، وقد اجتمع المسلمون على توليته إماما عليهم ؛ وذلك بعد فرقتهم وما وقع عليهم من أمراء الظلم وملوك العشم من تراكم الفتن وشدة المحن، واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق وسلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب وهو جد الإمام ناصر بن مرشد ، فاستشاروا العلماء المسلمين أهل الاستقامة في الدين أن ينصبوا لهم إماماً يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فأمضوا نظرهم وأعملوا فكرهم من يكون أهلا بذلك. والقدوة يومئذ خميس بن سعيد الشقصي فاجتمعت آراؤهم أن ينصبوا السيد الأجل ناصر بن مرشد فمضوا إليه وطلبوا منه ذلك ورغبوه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأجابهم إلى ذلك فعقدوا عليه الإمام في عام أربع وعشرين بعد الألف .
** فتوحاته وأعماله ( رضي الله عنه ):-
وكان الإمام يسكن قصري من بلد الرستاق ، فأظهر العدل ودمر الجهل وعضده رجال اليحمد بأنفسهم وأيدوه بأموالهم وذخائرهم وأجمع رأيهم أن يهجموا على القلعة ليلاً وكان فيها بنو عمه بعد موت جده مالك فاستفتحها الإمام .
ثم توجه إلى قرية نخل وكان فيها عمه سلطان بن أبي العرب فحاصره أياماً ثم افتتحها ، وكانت فرقة من أهلها غير تابعي للإمام فظاهرت عليه الأعداء فحصروه أياماً في الحصن، ثم أتاه رجال اليحمد فنصروه وبدد الله شمل أعدائه .
وقد أستطاع أن يخضع بلدة نزوى إلى سلطته بعد أن أخرج أهلها منها أهلها الذين أضمروا له الشر ، ولقد جاء إليه أهل منح يدعونه إلى إقامة العدل فيهم وظاهره أهلها بأموالهم وأنفسهم . وكذلك أتاه أهل سمد الشأن وكان المالك لها علي بن قطن الهلالي ، فوجه الإمام لها الشيخ الفقيه مسعود بن رمضان فافتتحها ، ثم أتاه أهل إبرا وكان المالك لها محمد بن جيفر بن جبر فجيّش عليها الإمام وافتتحها ودانت له سائر الشرقية ما خلا صور وقريات ، فقد كانتا في أيدي النصارى.
وقد جهز الإمام جيشا وسار إلى بهلا وكان مالكها الهنائي ، فلما وصل إلى هناك خانه بعض جيشه ، فرأى الرجوع أصلح ، فرجع إلى نزوى وجعل يجمع الجيوش والعساكر، فاجتمع له خلق كثير فسار بهم قاصداً الظاهرة، وافتتح وادي فدا وأمر ببناء حصنها ونصره أهل العلاية من ضنك، وكان مقدمهم الشيخ العالم خميس بن رويشد ورجال الغياليين واستقام أمره بها على رغم القالين .
ولقد تمكن الإمام ناصر بن مرشد من فتح حصن الغبي وولى فيه خميس بن رويشد ،بعد أن قامت وقعة عظيمة بينه وبين آل هلال ومن معهم من البدو والحضر ، وقد قتل فيها أخوه جاعد بن مرشد ، بعدها توجه الإمام إلى عبري فافتتحها وجعل بقرية بات واليا من أهل الرستاق، وجعل معه محمد بن سيف الحوقاني. وقد جيّش جيشا وسار به إلى مقنيات، فلما وصلها وقعت بينه وبين الجبور ، فنصره الله عليهم فما لبثوا في حصنهم إلا دون ثلاثة أشهر وافتتح الإمام الحصن وجعل فيه محمد بن علي بن محمد والياً. ثم وجه الإمام الجيش إلى بلاد سيت ، وذلك أن سيفاً الهنائي لما خرج من بهلا بنى حصناً ببلاد سيت ، وكان قائد الجيش الشيخ عبد الله بن محمد بن غسان ( مؤلف كتاب الأخيار في بيع الخيار ) فلما نزل الجيش ببلاد سيت ، خرج الهنائي من الحصن هارباً فأمر الوالي بهدم حصنه فهدم، ثم أتى الهنائي إلى الإمام يطلب منه العفو والغفران ودانت له جميع قبائل عُمان.
ثم جهز الإمام ناصر بن مرشد جيشاً عظيما سار فيه بنفسه وقاضيه خميس ، وقصد به ينقل، وفيها يومئذ ناصر بن قطن، فحاصروها أياماً وافتتحها وجعل فيها واليا.
ولقد أرسل الإمام ناصر جيشاً بقيادة مسعود بن رمضان متوجها إلى مسد (مسقط) ، فسار بهم مسعود حتى نزلوا بطوي الرولة في مطرح ، فخرج إليهم النصارى ، فتعاطوا كؤوس الحمام وعظم بينهم الالتحام، فنصر الله المسلمين وهزم المشركين ، وقتل منهم خلق كثير لا يحصون عددا ، وهدم المسلمون من مسد (مسقط) بروجا شامخة وأبنية منيعة ، بعد ذلك طلب النصارى الصلح فصالحهم القائد على فك ما في أيدهم من أموال المعمور وأموال الشيعة من صحار ، فأذعنوا لذلك وأخذ منهم العهود وأعطاهم الأمان ورجع إلى الإمام منصورا.
** الإمام ناصر القدوة في الزهد والعفو :
ويروى عن ورعه وعفته الشيء الكثير ، إذ يروى أنه كان يُعطى له ولعياله نفقة من بيت مال المسلمين، ولم يكن لديهم قدر يطبخون فيها طعامهم ، فحاولت زوجته أن تقتصد من النفقة نزراً يسيراً ، حتى توفر لديها ما يمكنها من شراء آنية صغيرة لتطبخ فيها، فلما رآها الإمام سألها عنها، فأخبرته بما صنعت. فقال لها: أتستعملينها وهي من مال بيت المسلمين؟ فأمر وكيل عمله أن ينقص من نفقتهم قدر ما كانت زوجته تقتصد فيها.
ودخل عليه القاضي محمد بن عمر ذات يوم ، فوجده متغير الوجه ، فسأله عن السبب ، فلم يجبه الإمام ، فألح عليه القاضي ، فأخبره أنه لم يكن معه شيء ينفقه على عياله سنة العيد .
ويروى أن أمه كان لها زوج بعد أبيه ، وكان الإمام رحمه الله ، وكان الإمام يطلب منها أن تصنع له طعامه قبل طعامهم لئلا تبقى بقية من طعام زوجها فيدخل في طعامه . فخالفت أمره مرة ، فعجنت طحين زوجها ، ثم خبزته ، ولم تغسل الوعاء، فعجنت فيه طحين الإمام . وقيل إن يدها التصقت ( بالطوبج ) وحميت الحديدة التي تخبز عليها ، ولم تستطع نزعها حتى رضي عنها الإمام.
** فضائله وكراماته رحمه الله :-
ومن فضائله رحمه الله أن بدويا ضلت ناقته ، فمضى في طلبها. فبينما هو سائر إذ رأى أثر قدم إنسان فاستعظمها ، فجعل يتبعها حتى انتهت به إلى غابة كثيفة الشجر، فسمع صوتاً من داخل إحدى الأشجار يقول له: مطيتك في موضع كذا ، فامض إليها ، وقل للإمام ناصر بن مرشد يلزم هذه السيرة ، فإنها سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم). فمضى البدوي مرعوبا، وقصد الموضع الذي وصفه له الصوت ، فوجد فيه مطيته، ثم مضى بعدها إلى الإمام، وكان الإمام قد رأى في نومه أن بدويا أتاه يبشره أنه سائر على منهج الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرته الشريفة ، فلما وصل إليه البدوي رآه في يقظته كما رآه في منامه، فقص عليه البدوي ما جرى وما سمع ، فحمد الإمام الله على ذلك ، وكافأ البدوي على بشارته.
ومن كراماته رضي الله عنه وغفر له ، أن رجلا بينما كان نائما في مسجد قصرى من الرشا ، رأى كأن سراجا مضيئا في زاوية المسجد، فلما انتبه رأى في تلك الزاوية الإمام مضطجعا ، وذلك قبل أن يعقد له بالإمامة.
وذات مرة كان رضي الله عنه نائما على سطح المنزل من شدة الحر أيام الصيف، فجاء إليه رجل ليقتله، فوقف على رأس الإمام والخنجر في يده مشحوذ مسنون ، والإمام نائم ، فأمسك الله على يد الرجل ، ولم يمكنه من قتل الإمام حتى انتبه من نومه ورآه واقفا والخنجر في يده، فسأله : ما تريد ؟؟
فقال الرجل: لا يسعني سوى عفوك !
فعفا عنه الإمام ولم يعاقبه.
ومن كراماته رضي الله عنه أنه اجتمع أناس من السفهاء في منزل أحدهم يشتمون الإمام ، فنهتهم ربة المنزل ، فلم ينتهوا ، فخرجت من فورها من البيت غاضبة ، فخرّ السقف فوق رؤوسهم ، فماتوا جميعا إلى حيث ألقت، وذلك تصديقا لقول الله عز وجل: (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور )) [ سورة الحج ].
وقيل إن بغلة أكلت من طعام بيت المال من غير حق ، فتحرشت ، فلم تزل كذلك حتى رأت الإمام ، فأقبلت عليه ووضعت رأسها على منكبه حتى أتى صاحبها فسأله الإمام عن السبب ، فأخبره بما فعلت. فرضي الإمام وسامحها ، ومسح بيده الكريمة على رأسها فبرئت.
ويروى بالتواتر الجازم عن كثرة البركة التي أسبغت على رعيته بسبب صلاحه ونزاهته ، وفي نور الله وبركته وهديه ، روي أن جراب تمر قد أشبع جمعاً مؤلفاً من أربع مائة رجل . ومثل ذلك في جراب أرز وذلك في غزوة نخل.
وهذا قليل من كثير ، وكما يقول الشيخ السالمي رحمة الله عليه، إنهم ما كانوا يهتمون كثيراً بتدوين تلك الأخبار ، وأقول : ربما كان ذلك لكثرتها ولكثرة الصالحين في ذلك الزمان، فقد كان الصلاح القاعدة العامة والشذوذ والانحراف نادرين، بعكس زماننا هذا. فمن يدون هذه الأيام سيجد كثرة الفساد ، وحشداً هائلا من أخبار المفسدين في الأرض.