عن قصة حقيقية يرويها صاحبها «شريف» قائلا: «منذ أن فتحنا عيوننا على الدنيا، ونحن - الأشقاء الثلاثة - لا نرى أمى إلا حزينة غاضبة، ولأسباب لم تكن معلومة لنا.

وكانت أمى هى المسئولة عن كل شىء فى إدارة شئون الأسرة، وطبعا شئوننا. هى التى تذهب فى اجتماعات مجلس الآباء بمدرستنا، وهى التى تستذكر معنا دروسنا، وهى التى تُشرف على ممارستنا للرياضة بالنادي، وهى التى تشترى ملابسنا، و.......كل شىء. حتى حين نمرض كانت هى التى تداوينا، رغم أن والدى كان طبيبا، لكنه كان يمضى معظم أوقاته فى المستشفى الذى يعمل به صباحا، وفى عيادته مساء، فضلا عن السفر للخارج كثيرا

ورغم أن أمنا كانت هى مصدر الحب الأساسى لنا فى كل مراحل العمر فإننا كنا نشعر أيضا بكثير من الضغط من جانبها علينا،
فقد كانت تحاصرنا بمراجعة الدروس مرات ومرات لتتأكد من استيعابنا لها، وتأسيفنا بعنف إذا كانت درجاتنا أقل من الامتياز ولو بقليل. فاعتدنا عمل الحيل الساذجة للتهرب منها، مثل ادعاء المرض وما إلى ذلك حتى نختلس بعض الوقت لنلعب أو نرفه عن أنفسنا بأى شىء. كذلك كانت تصر على أن نحكى لها كل كبيرة وصغيرة تحدث فى المدرسة، أو بيننا وبين أصدقائنا، مؤكدة أنها يجب أن تعرف كل شيء عنا حتى تحمينا من أى سوء قد لا ندركه. وتحول هذا الضغط علينا إلى رقابة مشددة فى فترة المراهقة، وكنا قد تمرسنا أكثر وأكثر فى التهرب منها بحيل أكثر مكرا لنمارس كل ما كانت تنهينا عنه مثل تدخين السجائر.. وأشياء أخرى!

أنهينا دراستنا جميعا، وعلاقتنا بأمنا تتلخص فى أنها دائما المسئولة عن كل شئوننا المادية اليومية، ولم تعتد أن تطلب منا أى شىء، فلم نشعر أبدا أنها يمكن أن تكون فى حاجة لأى شيء منا. والأمر الثانى هو أنها كانت مصدر «الضغط» لأنها لا تكل ولا تمل من «النصيحة والتحذير والوعظ»، فننظر إلى بعضنا البعض ضاحكين حتى ينتهى «الموال» دون أن نسمع حقا لأى كلمة تفوهت بها. أما الأمر الثالث فهو أننا اعتدنا، حتى وقد صرنا رجالا فى مراكز مرموقة، أن نهرب معظم الوقت من المنزل بحثا عن أجواء أكثر مرحا

فى أقل من عام واحد خلا بيتنا إلا من أمى، فقد انتقل أبى لرحمة الله، وتزوج كل من أخى الأكبر وأنا واستقل بحياته، وسافر شقيقى الأصغر للدراسة بالخارج. ووسط انشغال كل منا بحياته الأسرية وأعماله، اعتدت أن أسأل عن أمى عبر الهاتف يوميا، وأزورها بانتظام مرة فى الأسبوع. وكما كان يحدث من قبل لا أجدها إلا مكدرة، وتحاول دائما إشعارنا بأننا مقصرون تجاهها وتؤكد أننا لا نعتنى بها بما يكفى، بل كانت كثيرا ما تدعى المرض - أو هكذا كنا نظن - لتشعرنا بالذنب لأننا نتركها وحيدة. فإذا ما طلبنا منها أن تأتى لتعيش مع أحدنا ترفض بإصرار، فهى لا تريد أن تتخلى عن استقلالها

مع مرور السنوات صار إحساسى بأمى غريبا جدا، فأنا طبعا أحبها، وأتلهف لليوم الذى أزورها فيه، ولكن بمجرد دخولى منزلها لا بد أن يحدث منها ما يجمد مشاعرى، أو ما أعتبره «ابتزازا عاطفيا» مستمرا، فأتركها وأخرج غاضبا. وهكذا مضت الأيام وأنا أشعر أن ما أقوم به تجاه أمى ما هو إلا «واجب» أؤديه و«أجرى» بعيدا لأعيش حياتى بعيدا عن شكواها. وكنت فى داخلى ألومها طوال الوقت وأحمّلها كل المسئولية فى رغبتى الدائمة فى الابتعاد عنها

حدث فى يوم ما أن كانت أمى كالعادة وحيدة فى المنزل، فزلت قدمها وهى فى طريقها للحمام ليلا، فوقعت وكسر مفصل الحوض. طلبتنى بالهاتف، وأسرعت إليها بعد أن طلبت عربة الإسعاف لتلحق بى إلى منزلها لنقلها للمستشفى. قال الطبيب إنه ستجرى لها فورا عملية جراحية لتركيب مفصل جديد، لكنه صارحنى بأن حالتها حرجة نظرا لما تعانيه من هشاشة العظام إلى جانب المخاطر الأخرى المصاحبة لكبر السن

وفى اللحظات التى سحب الممرضون السرير الذى ترقد عليه أمى، ودخلوا بها غرفة العمليات، أحسست بأن الكون كله من حولى يتبدل تماما، فصار بلا اى معنى ولا قيمة ولا طعم. مجرد الاحتمال بأنى قد أفقد أمى للأبد جعلنى أشعر وكأننى كنت مستندا على «ظهر» قوى، فإذا به ينهار فجأة لأقع من فورى ضعيفا مهلهلا! أهكذا كنت أنت لى يا أمى مصدر كل القوة والحب والأمان وأنا لا أدري؟! وأنا الذى أظن أننى أرعاك بما يكفى لمجرد حديث تليفونى سريع، وزيارة أسبوعية أجرى بعدها لمشاغلى مرتاح الضمير!!

إحساسى بالضياع الكاسح جعلنى أدعو الله وأتذلل لمن بيده كل الأمر أن يمد فى عمرها ولو دقيقة واحدة لأقول لها كم أحبها، وكم أتمنى أن تطلب منى أى شيء لألبيه لها، وأنا لا أطمع إلا فى أن أرى ابتسامة تشرق على وجهها الحزين! ومع تضرعى إلى الله وجدت ذاكرتى تعرض لقطات من حياتى وأمى لم تخطر لى من قبل.. لحظة الفرحة تملأ عينيها وهى تحتضننى وأنا عائد من المدرسة وكأنها امتلكت الكون.. الكلمات التى كانت تتضرع بها إلى الله وهى ساهرة فى فراشى أياما لمرضى بالحصبة التى تطورت إلى التهاب رئوي.. جولاتها فى كل محال المدينة تبحث عن اللعبة التى طلبتها فى عيد ميلادى.. نظرات الحب تحتضننى وعروسى يوم فرحى.. لقطات ولقطات كلها تقول إن حبها ورعايتها هى الطاقة التى أمدتنى بالثقة فى النفس والقدرة على الانطلاق بنجاح فى الحياة

ووجدتنى أتذكر أيضا ما قصّته لنا بشكل عابر من أنها عاشت طفولتها متنقلة فى بيوت أقاربها، بعد أن فقدت أمها وأباها فى حادث مأساوى، وأنها لم تشعر أبدا أنها تمثل قيمة خاصة عند أى إنسان! كانت تقول: فرق كبير بين الحب وبين التصدق بالمشاعر! وحتى حين تزوجت كان أبى مشغولا عنها طوال الوقت، ولا يعطيها ما تحتاجه من اهتمام. كنت وأخوتى كل حياتها، ولم يمنعها الحرمان من الحب أن تعطينا نحن كل الحب!

لماذا لم أر عظمة هذه السيدة إلا الآن؟ لماذا كنت لا أرى أنا وأخوتى إلا لحظات ضجرها، ونتناسى كل لحظات السعادة التى كانت تحرص على أن توفرها لنا بكل طاقتها؟ وحين كبرنا وشعرت هى أننا الوحيدون الذين يمكن أن تتعشم فيهم طلب لحظات من الحب والاهتمام اعتبرنا نحن ذلك ابتزازا عاطفيا، ولم نقرأ رسالتها الحقيقية التى حاولت فيها أن تقول: «أنتم أحبائى الذين أطلب منكم الحب ثقة فيكم، وفى قلوبكم الصافية، فأنتم هدية الله لى التى عوضتنى حرمان عمرى

بينما كانت كل هذه الخطرات تتدفق داخلي، وتنهمر دموعى أنهارا، وأتذلل لربى أكثر أن يعطينى فرصة جديدة لأكون عند حسن ظن أمي، وجدتنى أيضا مذهولا من قراءة كل الأحداث بكل هذا الاختلاف! اكتشفت أننى فى غمرة مشاغلى كنت لا أفكر إلا فى نفسي، ولا أعتبر حب أمى لى إلا حقا مكتسبا دون أن أعطى لهذا الحب داخلى المساحة التى يستحقها من اهتمام وتقدير. وكنت أحاول تبرير ذلك بأنها هى السبب، وأنا فى الحقيقة أحرم نفسى بنفسى من تذوق أجمل المشاعر فى الوجود. فى تلك اللحظات التى أيقنت فيها نعمة ربى لى بوجود أمي، لا أريد شيئا فى الكون إلا فرصة أخرى

جاء الطبيب يطمئننى أن توفيق الله صاحبه، وتمت العملية بنجاح. وبعد ساعات استردت أمى وعيها ووجدتنى بجانبها. وكانت نظرة واحدة منها إلى عينى كفيلة بأن تكتشف كل ما حدث لى فى تلك اللحظات، فابتسمت ابتسامة رائعة. وبعد خروجها من المستشفى واستعادة صحتها، نظمت معها أسلوب الحياة اليومى بما يكفل لها الراحة والاطمئنان، وكذلك نظمت حياتى بحيث يمكننى أن أمضى معها أوقاتا أكبر. لكن ما هو أهم وأهم هو «نوعية العلاقة» نفسها، فالآن الساعات التى أمضيها مع أمى صارت من أجمل لحظات عمرى، وغاب الكدر عنها بشكل ملحوظ، فنظل الوقت كله نضحك ونستعيد الذكريات. أخيرا رأيت على وجه أمى علامات الراحة والسعادة والسلام

أما راحتى وسعادتى أنا فأكبر، أتذوقها فى كل لحظة أرى فى عينيها الرضا عنى والثقة فى حبى لها.. وهذا بلسمى من كل جروح الحياة. كلمات للتذكر: حين نتحرر من رؤيتنا الضيقة لمن حولنا .. ويتدفق الحب ليغمر كل كياننا .. نرى فجأة أن ما اعتبرناه «عيوبا» فى الآخرين ما هو - فى جزء منه - إلا «سوء فهمنا» نحن عنهم