الشيخ صفوت الشوادفى

… أما بعـد:-
فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع لنا دينا يشتمل على منهج حياة كامل ندرك به سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وكل إنسان على وجه الأرض له غاية وهدف يسعى إلى تحقيقه، فالكافر غايته أن يدرك سعادة الدنيا والمؤمن غايته أيضاً أن يدرك سعادة الدنيا ولكن المؤمن له هدف آخر هو أن يدرك نعيم الآخرة فالكافر يسعى إلى هدف واحد والمؤمن يسعى إلى هدفين …ولأن المؤمن يسعى إلى سعادة الدنيا ونعيم الآخرة فهو لا يسلك مسلكاً دنيوياً إلا بعد أن يتأكد أنه لا يتعارض مع هدفه الثانى وهو نعيم الآخرة من أجل ذلك فإن المؤمن محكوم فى حياته بمنهج الله فهو مقيد بمنهج الله فى عبادته وفى معاملاته، فى زواجه ، فى بيعه وشرائه فى تعامله مع غيره يحكمة منهج الله حتى يحقق سعادة الدنيا ونعيم الآخرة .

ومنهج الله الذى يحكم حياتنا يبين لنا أن الله عز وجل يختار لنا فى كل أمر وشأن أحسن مما نختار لأنفسنا، فإختيار الله لنا خير من اختيارنا لأنفسنا وتشريع الله لنا خير من تشريعنا لأنفسنا والقرآن عندما يعمق هذه الحقيقة فى نفوسنا فإنه يبرزها من خلال إبراز قصور الإنسان فى معرفة مصلحة نفسه ومنفعتها فيقول لنا (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) النساء (11) يعنى أنتم لا تعلمون من هو أنفع لكم الأب أم الابن ، أنتم لا تعلمون لكن الله وحده يعلم .ولأنه الذى يعلم فهو واحد الذى يشرع وهو وحده الذى يجب أن يطاع فلا يعصى

ونحن فى معاملاتنا اليومية فى بيعنا وشراءنا وفى تعاملنا نحتاج إلى المال الذى تستقيم به أمور الحياة وهذا المال إما أن نكتسبه من الحلال وإما أن نكتسبه من الحرام، وبعد أن نكتسب المال من حلال أو حرام أما أن تنفقه فيما أحل الله وإما أن تنفقه فيما حرم الله من أجل ذلك كانت ـ محاضرة اليوم. عن موضوع مهم وبالغ الأهمية والخطورة فى حياتنا بعنوان( الربا وخراب البيوت)، وهما أمران متلازمان فإن الربا لا يدخل بيتاً إلا خربه وهدمه على أهله، وينبغى أن يكون مستقراً فى قلوبنا أن الربا لا يعمر بيتا ولا يقيم مصنعاً ولا ينشأ منفعة وليس وسيلة من وسائل الربح وإنما هو وسيلة من وسائل الدمار والخراب والهلاك .

ولأجل هذا فإن الله عز وجل عندما حرم الربا توعد المصرين عليه بحرب من الله ورسوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(278)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) البقرة

والعاقل يتساءل : لماذا يحاربنا الله عندما نأكل الربا ، وهل نحن إذا أكلنا الربا نضر الله شيئاً وإذا امتنعنا عن الربا، فهل الله ينتفع بامتناعنا عن أكل الحرام، والله عز وجل لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصيين، ومع هذا فإنه يحاربنا إذا أكلنا الربا من أجل مصلحتنا ومنفعتنا، يحارب الذين يتعاملون بالربا لأنهم لا يعرفون مصلحتهم ولا منفعتهم .

(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ(279)
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعمق هذه العقوبة تعميقاً تقشعر منه الجلود ويقول : " أتانى الليلة آتيان ( يعنى فى النوم ورؤيا الأنبياء وحى فإن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) "فانطلقا بى إلى أرض مقدسة فرأيت نهراً من الدم فيه رجل يسبح وعلى شاطئ النهر ربجل فى يديه حجارة فكلما أتى هذا الرجل الذى يسبح فأراد أن يخرج من النهر ألقمه ذلك الرجل الواقف على الشاطئ حجراً فى فيه (أى فى فمه) فيعود يسبح فى نهر الدم ـ فلا يزال يفعل به كذلك ـ فقلت من هذا ـ قيل لى :( هذا آكل الربا) يسبح فى نهر من الدم ويلقم بحجراً حتى لا يخرج مما هو فيه. "( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ)البقرة(275)

ونحن لسنا فى حاجة إلى مزيد، من البيان عن تحريم الربا فى الكتاب والسنة، وإنما قد نكون بحاجة إلى معرفة حكم الله فى هذه المعاملات التى قد أحاطت بنا من كل جانب .وقد نبأنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بهذا المصير الذى انتهينا إليه اليوم: " يوشك أن يأتى على الناس زمان (وقد أدركنا هذا الزمان الذى أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ) لا يبالى المرء فيه من أين أخذ المال أمن الحلال أم من الحرام "0وهو زمانناهذا نرى ذلك بأعيننا فإن كثيراً من المسلمين يأكل كل ما يقابله من المال سواء كان حلالاً أو حراماً مع فارق جديد هو أن كثيراً من الناس يسمى الحرام بغير اسمه وتسميته الحرام بغير اسمه لا يجعله حلالاً وإنما الحرام حرام إلى يوم القيامة ، والحلال ما أحله الله وهو حلال إلى يوم القيامة ولا ينفعنا أن نسمى الحرام بغير اسمه كما لا ينفعنا أن نسمى الحلال بغير اسمه فإن تغير الأسماء لا يغير الأحكام الشرعية المتعلقة لنفس الشئ، فلو سمينا الخمر لبناً لما جعله ذلك حلالاً، ولو سمينا اللبن خمراً ما جعله ذلك فى دائرة الحرام،

أما الربا الذى نعيشه والذى حرمه الله فإن أعداء الإسلام عندما أدخلوا الربا فى حياتنا قد سموه بغير اسمه ما و الله قد مقته وحرمه تحريماً شديداً، ومع هذا فإن الذين يتعاملون به يوهمون للمسلمين بأن يسموا الربا بأنه (فوائد) أو (عوائد) وسواء سميناه فوائد أو سميناه عوائد فهو حرام ومع هذا فأنت تلاحظ فى تغيير الاسم معنى فاسداً موهما، وأنت عندما تستمع إلى كلمة (فائدة) ترى فيها منفعة ومصلحة لأنها فائدة ومع ذلك فإنهم يسمون الحرام الذى يخرب بيوتنا فائدة، فإذا سألناهم أى فائدة فى هذا الحرام، فإنما يقولون إنما سموه فائدة حتى يزيلوا عنا خوفنا من الحرام ورهبتنا للحرام وكراهتنا للحرام فإننا نكره ما حرمه الله، فإذا سموه فوائد فإننا نحبه لأنه فوائد وإذا سموه لنا عوائد فإننا نحبه لأن اسمه قد تغير، وهذا من وحى الشيطان .

(وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(121))الأنعام

ورباالبنوك الموجودة فى زماننا لا يختلف فى قليل أو كثير عن ربا الجاهلية الأولى الذى جاء الإسلام بتحريمه، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا وكانوا يتعاملون بالمضاربة وكانوا يتعاملون بالفوائد، وكانوا يتعاملون بالقروض الحسنه، فلما جاء الإسلام أبقى المضاربة على أنها حلال والوديعة على أنها قربة إلى الله من القربات التى يتقرب بها المسلم إلى ربه وحرم الربا وترك بقية البيوع الأخرى.

يعنى عندما نزل الوحى كان الربا موجوداً وكانت القروض الحسنه موجودة وكانت الوديعة موجودة وكانت المضاربة موجودة وكانت البيوع الأخرى موجودة وكان البيع بالأجل أو بالتقسيط موجود فلما نزل الوحى حرم الربا وترك القرض والمضاربة، وحث عليها وترك البيوع الأخرى وأنواع المعاملات الأخرى التى هى حلال، وحرم الربا وبيع العينة ونحوه.

هذا أن معناه أن الله قد اختار لنا ما هو نافع ومفيد فأحله وأتى على ماهو حرام وضار ويخرب اقتصادنا وحياتنا فحرمه.
ومع هذا فإن الناس عندما تقرض البنك أو تقترض منه، فإذا وضع مالاً قال هذا وديعه، هذا مضاربه، أو سماه اسماً آخر غير ما ينبغى أن يسميه به من أجل ذلك فإن معرفة المسلم مثل هذه المسميات مسألة مهمة .