بسم الله الرحمن الرحيم



أما بعد ........
ففي مثل هذه الأيام الطيبة المباركة يتوجه المسلمون بأفئدتهم وقلوبهم إلى بيت الله الحرام وقلوب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها مشدودة إلى هذا البيت الذي عظمة الله وكرمه استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فزرع الله محبة بيته الحرام في قلوب عبادة المؤمنين ، فلا تجد مسلمًا صادقًا في إسلامه ، ولا مؤمنًا صادقًا في إيمانه إلا وهو يحب بيت الله ويتمني أن يسافر إليه وأن يصلي فيه وأن يطوف حوله وأن يتقرب إلى الله عز وجل بكل هذه الأعمال .

.ذلك أن إبراهيم عليه السلام وهو خليل الله وأبو الأنبياء قد جعله الله عز وجل ووصفة بأنه أمة فقال { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } جعل الله من هذا الرسول صل أمة بكل ما تعني هذه الكلمة من معان وتفصيل ،لأن الله عز وجل قد جعل إبراهيم عليه السلام قدوة للأبناء وقدوة للأباء وقدوه للدعاة إلى الله وقدوة للعلماء وقدوة لكل مؤمن صادق في أيمانة فيقتدي به في ذلك وأكثر من ذلك، أرسله الله عز وجل إلى قوم بعضهم يعبد الكواكب وبعضهم يعبد الأصنام ويقلدون من سبقهم في كل ذلك تقليدا أعمي وأكرمه الله عز وجل بان أتاه رشده وأتاه الحجة { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }

أمره الله عز وجل أن يبلغ رسالة الله وأن يدعو قومه إلى الله، فنظر في قومه فإذا بأقرب الناس إليه وهو أبوه وجده مقيمًا علي الشرك بالله ،يصنع الأصنام ثم يعبدها من دون الله عز وجل وعلم إبراهيم بما علمه الله أن الواجب علي المسلم وعلي الداعي إلى الله أن يبدأ بأقرب الناس إليه{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } فأراد إبراهيم أن يُعلم المسلمين من بعده أن يبدأ المسلم بأقرب الناس إليه ، أن يعلم أباه وأمه قبل غيرهم وأن يبدأ بأسرته ومن يعول وأن يحقق منهج الله في دعوة الأقارب قبل غيرهم فتوجه إبراهيم عليه السلام إلى أبيه أولاً قبل موته كما ذكر الله عز وجل في قوله تعالي { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا.. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا } وهل من لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يستحق أن يكون إلهًا..{ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا.. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا.. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا.. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا }

هذه دعوة الابن لأبيه، هذه هي النصيحة وهذا هو أسلوبها الذي ينبغي أن يكون من الأبناء للأباء ،إن إبراهيم عليه السلام يتلطف ويتأدب مع أبيه ويحترمه ويوقره ويحسن إليه في القول والفعل؛ لأنه يعلم أن ذلك من حقوق الآباء علي الأبناء ،ولأن الله قد جعله قدوة لكل مؤمن ومسلم يأتي من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو يتلطف ويتأدب ويحس ويحترم ويوقر ويتوجه بهذه الدعوة .

.لكننا نلاحظ أن إبراهيم عليه السلام يعلمنا دروس عظيمة جليلة نافعة ذلك أنه يقول لأبيه{ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي } كأنه يقول ينبغي علي من أراد أن ينصح غيره أن يُعلّم نفسه أولاً وأن يتعلم ،وينبغي علي من أراد أن يدعو إلى الله أن يتعلم أولا {جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي } ينبغي أن يتعلم وأن يفقه كما أمر الله عبادة المؤمنين في ذلك ،قال تعالي { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ثم يقول لأبيه {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } وهل كان أبوه يعبد الشيطان إن أباه كان يعبد الأصنام ومع ذلك لم يقل لأبيه يا أبت لا تعبد الأصنام وانما قال لا تعبد الشيطان ..يريد أن ينبه البشرية وأن ينبه الدعاة إلى الله وأن ينبه كل مسلم ومؤمن بالله إلى أن عبادة الشيطان ليست قاصرة علي صورة معينه فكل من عبد الأصنام فيكون قد عبد الشيطان ،وكل من عبد الكواكب فقد عبد الشيطان ،وكل من عبد المال فقد عبد الشيطان ،وكل من عبد الهوا فقد عبد الشيطان وكل من عبد منصبًا أو جاهًا عبد الأصنام ..إن كل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان ولذلك قال { لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } ولم يقل لا تعبد الأصنام وفي مثل هذا يقول الله عز وجل لبني أدم{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } وهل كل بني آدم الذين يشركون بالله يعبدون الشيطان؟ وإنما أراد الله أن يقول لهم أنكم إذا عبدتم غير الله فقد عبدتم الشيطان {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .. وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } ثم أن إبراهيم عليه السلام بعد هذه النصائح وهذه التوجيهات وهذا الأدب وهذا الإحساس وهذا التلطف وهذا التواضع والتوقير لأبيه يأتيه الجواب الذي لا يود أن يسمعه والذي يتمني أن يسمع غيره قال له أبوه { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ } أنت لا تريد أن تعبد الآلة التي أعبدها ، أنت تريد أن تعق أباك في عبادته للأصنام أتريد أن تكون عاقا لأبيك فلا تعبد الأصنام التي نعبدها والإله التي يصنعها قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } عليك إن تختار واحد من ثلاث..إما أن تتوقف عن الدعوة إلى الله الذي تزعم أنه آله وأنه الذي خلق ورزق ..وإما أن ترجم حتى تموت.. وإما أن تهجرني وأن تترك البيت، وأن تبحث لك عن بيت أخر، إلا أنه من المستحيل علي رجل مؤمن خالط الأيمان حشاشة قلبه أن يتوقف عن الدعوة إلى الله …فلا يستطيع المسلم الصادق في إسلامه ولا المؤمن الصادق في إيمانه أن يتوقف عن دعوته إلى الله بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة ،

كمالا يستطيع المسلم أن يتوقف عن دعوة أبنائه وزوجته ولا عن دعوة أقاربه وأرحامه وجيرانه ولا عن دعوة غيره من الناس لأنه يعلم أن ذلك حق لله عليه وأنه ينبغي عليه أن يدعو إلى الله بقدر ما يستطيع .. وأبوه يقول له عليك أن تتوقف عن الدعوة إلى الله وهذا اختيار صعب بل مستحيل علي مثل إبراهيم عليه السلام أن يقبله أو يرفض به فرفض هذا ..{ لأرجمنك }تُرجم حتى تموت وهذا ينبغي للمسلم أن يجتنبه بقدر ما يستطيع لأن الله قد نهانا أن نُلقي بأيدينا إلى التهلكة وأن نجتنب الفتن وأن نبتعد عنها بقدر ما نستطيع بما لا يضر ديننا ولا دينانا.. فإبراهيم عليه السلام رأي أن هذه أيضا لا يستطيعها لأنه يريد أن يستمر في الدعوة إلى الله فأختار الثالثة {واهجرني مليًا} فقال له إبراهيم عليه السلام { قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا .. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا } سلام عليك ..بعد سبه وشتمه وتهديده ووعيده، يقول لأبيه سلام عليك أنه يريد آن يعلم الأبناء أن يقولوا لآبائهم سلام عليك،

وهذا هو منهج الله { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لا تطع الأبوين في معصية الله ،ولا في الشرك ؛لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ومع ذلك قال{ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }فأمر بالمصاحبة بالمعروف وهي التي قالها إبراهيم{ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } وبدأ يستغفر لأبيه علي هذا الوعد الذي بينه وبين أبيه ،لكن بعد فترة من الزمن تبين له أن أباه مصر علي الشرك وعلي الانحراف وعدم الأيمان، فتبرأ من أبيه وتوقف عن الاستغفار له كما قال الله عز وجل { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } أي تبرأ من أبيه وتوقف عن الاستغفار له لأنه علم أن عداوته لله قائمه وأن شركه بالله عز وجل قائم ، وأنه مصر علي ذلك كله ، فاعتز له واجتنبه وابتعد عنه ،

وتوجه بدعوته إلى قومه وأبيه مرة أخري ..اتجه إلي من يعبدون الكواكب وأراد أن يقيم الحجة عليهم بطريقة سهله ميسورة،نتعلم منها دروسًا نافعة في دعوتنا إلى الله ودروسًا نافعة في نصيحتنا لغيرنا ودروسًا نافعةً في نصرتنا للحق الذي أنزله الله ،ودروسًا في أقامتنا للحجة علي الباطل وأهله ..فتوجه إبراهيم إلى هؤلاء وجلس بينهم ثم نظر في السماء{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فلما جنّ عليه الليل }دخل عليه الليل وأخفي بطلاسمه كل شئ رأي كوكبًا نظر في السماء فرأي كوكبا منيرًا فقال وهو يُسمع قومه من حوله { رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي }.. يعني علي طريقتكم ينبغي أن يكون هذا الكوكب هو الله..{ قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ }أي لما أفل.. لما غاب هذا الكوكب ،أراد أن ينبه قومه قائلاً لهم :أتعبدون آلها يظهر ويختفي ،يظهر بعض الوقت ويختفي في وقت أخر وهل يليق للإله أن يظهر لكونه ثم يختفي عن كونه وخلقه؟، فالإله لا يوصف بهذا النقص،ولذلك قال {َ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ }لا أرضي أن يكون هذا الكوكب هو ربي ،ولا أن يكون هذا الكوكب آلها لأنني أبحث عن إله لا يختفي عن خلقه وكونه ولا يخفي عليه شئ في الأرض ولا في السماء ..ثم انتظر ونظر..{ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ..ما هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله ؟ ألا تبحثون لكم عن إله قوي لا يختفي عن خلقه وكونه ، ولا يخفي عليه شئ في خلقه وكونه، { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً }يعني في النهار { قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ..إن هذه الآلة التي تعبدونها من دون الله لا يصلح شئ منها أن يكون آلها { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ.. وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } إلى أخر الآيات التي يتحدث فيها القرآن عن كيفية إقامة الحجة علي أهل الباطل ،و

لما أسكت هؤلاء توجه إلى من يعبدون الأوثان ومنهم أبوه كما ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم إبراهيم عليه السلام قال الله عنه { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } هو الذي يسألهم ما الذي تعبدونه ، ما هي ألهتكم ؟ { قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } نعتكف ونعبد هذه الأصنام التي تراها قال لهم إبراهيم { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ..أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } لماذا تعبدون الأصنام ؟ هل تنفع ..هل تضر ؟ هل تسمع ؟ وكان ينبغي أن يكون الجواب نعم إنها تسمع أو إنها تنفع أو إنها تضر بيان الأسباب التي من أجلها عبدوا الكواكب فلم يكن لهم جواب إلا هذا القول الذي ذكره القرآن الكريم { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } نحن لا نعبدها لا لأنها تسمع ولا لأنها تنفع ، ولا لأنها تضر ، وإنما نعبدها لأننا وجدنا آبائنا يعبدونها ، فنحن نفعل ما يفعلون ونعبد ما يعبدون.. وكم من بدع قد انتشرت في مجتمعاتنا لأننا وجدنا آبائنا كذلك يفعلون ، وكم من منكرات قد تحولت إلى عادات ؟ بحجة أننا وجدنا آبائنا كذلك يفعلون ، وكم من باطل قد استشري في المجتمع ؟ لأننا نقلد غيرنا تقليدًا أعمي ، وهذا منهج أهل الباطل { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } إن ما نراه اليوم من بدع وضلالات وإن لم يكن كلها بل معظمها مبني علي هذا التقليد الأعمى الباطل الذي ذكره القرآن عن غير المسلمين وغير المسلمين { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فإذا ُسئلوا عن دليل من الشرع علي الموالد ،قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ..علي الأضرحة ،..قالوا وجدنا آبائنا كذلك يفعلون ،علي النذر لغير الله..،وجدنا آبائنا كذلك يفعلون ، علي أعياد الميلاد..، وجدنا آبائنا كذلك يفعلون ، علي كثير من البدع والمنكرات والمعاصي والضلالات والعادات السيئة الباطلة القبيحة..، وجدنا آبائنا كذلك يفعلون…. مواريث من الضلال والبدع ومن الخرافات ومن المعاصي ومن المنكرات ومن العادات الباطلة السيئة التي جاء الإسلام ليبطلها { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فأراد إبراهيم عليه السلام أن يقيم الحجة الدافعة القاطعة { قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ .. أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ .. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } يقول أنه عدو لي ، يعني إن كانوا ينفعون أو يضرون أو يسمعون فأنا أعلن أنهم أعداء لي ولو كان فيهم نفع أو ضرر وغيره لفعلوا إلا رب العالمين.. لماذا إلا رب العالمين ؟لأن رب العالمين سبحانه له صفات لا تقوم في غيره أبدً، أولها{ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ.. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين }هذه الثانية{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ .. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ.. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. }

هذه خصائص هذه صفات الألوهية أراد إبراهيم بأسلوب سهل ميسور أن يبين العلاقة بين الخالق والمخلوق ،فقال إن المخلوق يحتاج في حياته إلى من يخلقه، والي الهداية والي الطعام والشراب ،والي الشفاء والدواء ،والي الإماتة والإحياء ،والي مغفرة ذنوبه وخطاياه ،ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟{ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. }فقال إن الله هو الذي خلقه وأنه وحده الذي هدي،وأنه وحده الذي أطعم وسقي ،وأنه وحده الذي أمات وأحيا، وأنه وحده الذي أمرض وشفي، وأنه وحده الذي يغفر الذنوب ولا يغفر الذنوب إلا الله فقال أنا أعبد هذا الإله الذي ينبغي علي كل مخلوق أن يعبده وحده لا شريك له فأقام الحجة، وعلم كل داعٍ إلى الله وكل معلمٍ ومربي وكل ناصحٍ ومرشدٍ لغيره كيف يقيم الحجة علي الباطل ،وكيف يبين بطلان الضلال والبدع والمنكر بهذا الأسلوب الذي أقامه إبراهيم عليه السلام علي قومه ..وكعادة أهل الباطل عندما لا يجدون وسيلة لمحاربة الحق،وعندما لا يجدون مبررًا ولا أسبابًا يقيمون بها الحجة علي أهل الحق، يلجئون إلى القوة ويلجئون إلى العنف ويلجئون إلى البطش لم يكن عند قومه أمام هذه الأدلة القاطعة الساطعة والحجج القوية إلا أن يقول بعضهم لبعض{ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } إن إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت جاءه التهديد والوعيد بالقتل والحرب لم يكن معه علي وجه الأرض مؤمن سوي زوجته وابن أخيه فهو المؤمن الوحيد علي ظهر الأرض، وفي بعض الأقوال انه كان وقت التهديد والوعيد ليس معه علي وجه الأرض مؤمن غيره، ولك أن تتصور مؤمنًا يعبد الله وحدة ويصلي لله وحده ،ويذكر الله وحده، ليس معه علي وجه الأرض بشر أخر يصلي لله أو يعبد الله ،أو يذكر الله ويجتمع عليه أهل الباطل جميعًا يهددونه بالقتل والحرق فماذا يصنع أمامهم ؟ ماذا يصنع أمام هذا الباطل و ليس معه قوة ،لا يستطيع أن يُعد لهم قوة والله عز وجل يقول { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } لكن ماذا يفعل وهو رجل واحد ولكنه كما قال الله عنه { كَانَ أُمَّة } عندما قالوا { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }

توجه إلى الله وقوّي نفسه بالله،وانتصر بالله قال { وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } وعندما قالها قال الله عز وجل {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } أرأيتم كيف ينصر الله عبده المؤمن { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ }إنه يقول كلمه قال { حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } لا يملك غيرها، ولا يستطيع سواها وقد أحاط به الباطل وأحاط به الظلم والعدوان ،وجبروت أهل الباطل وبطشهم قد ألم به ،فلا يملك إلا أن يتوجه إلى الله قال { حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ }.. ثم أراد أن يعلم المؤمنين في نهاية هذه المرحلة في دعوته أن المؤمن الصادق ينبغي عليه أن يهاجر إلى الله بقلبه أو ببدنه إذا كان محتاجا إلى ذلك قال ابر أهيم كما قال الله علي لسانه { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي } ثم أراد أن يوضح الدافع والسبب لهذه الهجرة وأن يفصل ذلك { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } من أراد الهداية فعليه أن يذهب إلى الله { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ }ذاهب إلى ربي أي سأعلق قلبي بالله ، لا ألتفت إلى أحد سوي الله ..ذاهب إلى ربي ، سأستقيم علي شريعته ومنهجه فإذا فعلت ذلك فإن الله سيهدني صراطه المستقيم وسيجعل من كل ضيق فرجًا ومخرجًا ومن كل هم وغم وكرب فرجًا ومخرجًا ،لأن هذا هو وعد الله الذي لا يتخلف ولا يتأخر والله عز وجل لا يخلف الميعاد.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

يتبع