بسم الله الرحمن الرحيم



أرسل الله موسى وأخاه هارون إلي فرعون وقومه كما هو معلوم ، وقال الله عز وجل لموسى وهارون عندما أرسلهما{ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى .. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ..قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى }لأنه ظالم وجاحد ..{ قَالَ لَا تَخَافَا } لماذا ؟ {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، ومن كان الله معه يسمعه ويراه فإنه لا يخاف أحداً إلا الله ، فلما ذهبا إليه كما قال الله لهما {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى …إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى.. قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى }، والعجيب هنا أن القرآن يصور لنا صورة من ظلم الظالمين في كل زمان ومكان .

إن موسى عليه السلام يدعوا إلي الله كما أمره الله ، يدعو فرعون إلي عبادة الله ، ويدعوه إلي توحيد الله ، لا يطالبه أن ينزل عن حكمه و ملكه ، وإنما يطالبه فقط أن يؤمن بالله الواحد القهار ،


ومع ذلك فإن فرعون يتهم موسى عليه السلام ، بمحاولة قلب نظام الحكم ، يقول له:{ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى } وهل الذي يدعو إلى الله وينصح ويرشد ، يريد أن يخرج الناس من أرضهم أو أن يخرج الحاكم من حكمة ؟ أو يخرج الإنسان من ملكه ، وإنما اتهمه بتهمه باطلة { قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى .. فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ } ويستمر حديث القران ، إلى أن يصل بنا إلى هذا الحوار الذي يغير أثر الإيمان في حياة العبد المؤمن ، وكيف أنه يثبت المؤمن وأنه يغير واقعه إذا كان خاطئًا، ويغير عقيدته إذا كانت باطلة ، إن فرعون يطلب من موسى عليه السلام أن يحدد موعداً لكي يأتي له بالسحرة ، بعد أن يجمعهم من كافة أنحاء بلده وملكه ، قال { فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى . قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى }

ويوم الزينة الذي ذكره الله في القران الكريم ، هو يوم عيد من أعياد الفراعنة كانوا يحتفلون به في مصر القديمة ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن يوم الزينة هدا هو يوم شم النسيم ، الذي يخرج له الناس اليوم ؛ فهو عيد من أعياد الفراعنة القدامى ..وقد نهانا الله أن نتشبه بغير المؤمنين ، وقال ( من تشبه بقوم فهو منهم ) فمن شارك قومًا في أعيادهم التي لم يشرعها الله ، فهو متشبه بهم ..فمن تشبه بالفراعنة في أعيادهم فهو منهم ، ومن تشبه بالمؤمنين الصالحين المتقين فهو منهم ، ومن تشبه بالنساء من الرجال فهو منهم ، ومن تشبهت بالرجال من النساء فهي منهم ..وهكذا ، فإن كل من تشبه بقوم كما قال رسول الله فهو منهم وذلك اليوم هو اليوم الدى اختاره موسى عليه السلام ، لماذا ؟ ليكون الناس جميعًا مجتمعين ، وليرى الناس جميعًا آية الله الكبرى .. { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } يعنى في وقت الضحى ، يجتمع كل الناس في يوم العيد ؛ ليروا ذلك التحدي بين سحرة فرعون ، لعنه الله ، وبين موسى عليه السلام ومعه أخاه هارون ،

ويجتمع الناس ويجتهد فرعون في جمعهم.. لكن العجيب هنا أنك ترى صوره غير متكافئة ، ما الذي يدفع فرعون ، وهو الذي يقول لقومه { أنا ربكم الأعلى }فهو ملك معظم عند قومه ، ويعبدونه من دون الله ..ما الذي يدفعه إلى أن يجمع قومه جميعًا ، ويجمع السحرة من جميع أنحاء ملكة ، وكانوا آلافًا مؤلفة ليقفوا وعلى رأسهم فرعون في مقابلة رجلين فقط هما موسى وهارون عليهما السلام ، إنهم لن يقابلوا جيشًا ولا آلافاً ، ولم يتحدوا أمة أخرى، ولا شعبًا آخر، وإنما هي صورة عجيبة .

.رجلان مؤمنان صادقان من أنبياء الله يقفان أمام دوله بحاكمها ، وأمام آلاف من السحرة .. فالصورة غير متكافئة ، وهما من بنى إسرائيل وكانوا في زمن فرعون مستضعفين مستذلين مستعبدين وكان يمكن لفرعون أن يقتلهما مباشرة ، أو أن يسجنهما ، أو أن يطردهما ، دون حاجة إلي أن يقيم هذه الحجة ، أو أن يقيم هذا الجمع العظيم من البشر ليقف به أمام رجلين فقط .. فما الذي دفعه إلى ذلك ، انظروا إلى حكمة الله ، وإلى قدرة الله وإلى تدبير الله ، أن يجعل أمة بكاملها ؛ حاكمها وملكها الذي يقول لقومه { مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ويقول لهم { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } ومع ذلك فهو يقف أمام رجلين من بني إسرائيل ، من قوم كان يستعبدهم ويستذلهم.. إن حكمة الله، وقدرة الله وإرادة الله ، وتقدير الله وتدبيره في كونه وخلقه يتضح جليًا وواضحًا في هذا الموقف العجيب الغريب..

أولاً ..أن الله عز وجل وعد عبادة المؤمنين أن يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فلما ألقي الله الرعب في قلب فرعون ، أراد أن يفضح أمره ، وأن يزيل ملكه ، جعله يخاف من رجلين من بني إسرائيل الذين يستعبدهم ويذلهم ومع ذلك فهو يزعم لقوم أنه ربهم الأعلى .. ألقى الله في قلبه الرعب والخوف من هذين الرجلين ، فلم يجد أمامه حلاً إلا أن يطالب بالتحدي وجمع السحرة { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى }

وثانيًا.. أن الله عز وجل جعل من سنته في خلقه وكونه ، أنه لا يؤيد الدين بالرجل المؤمن فقط وإنما يؤيد هدا الذين أيضا بالرجل الفاجر والكافر ، فيسخر الكافرين ويسخر الفاجرين لخدمة ونصرة هذا الدين الحق ، من حيث لا يشعرون ، وتلك معجزة لهذا الدين أن ينصره الله بغير اتباعه ، وأن ينصر بمن يحاربونه ويعادونه ، فيقيم عليهم الحجة .. كما فعل بعد ذلك عندما جعل اليهود في المدينة يبشرون ببعثة رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل أن ُيبعث ، فكان اليهود في المدينة المنورة قبل الإسلام يحدثون أهل الشرك والضلال ، أن رسولاً سيبعث في هذا الزمان فإذا بعثه الله فإننا سنؤمن به ونتبعه ، فجعل اليهود وهم أشد الناس عداوة للحق ولدين الله عز وجل يُسخرون في خدمة هذا الدين قبل أن يظهره الله ، وفي خدمة رسوله صلي الله عليه وسلم قبل أن يبعثه الله ، فيحدثون المشركين عن هذا الرسول ، حتى إذا بعثه الله وأوحي إليه ، قال المشركون بعضهم لبعض تعلمون والله أن هذا هو النبي الذي حدثتكم عنه يهود قبل ذلك ، فلا يسبقوننا إليه اليوم ، فنحن نسبقهم إليه ،ونؤمن به حتى لا ينتصر به اليهود علينا .. أرأيتم كيف يؤيد الله دينه بأعدائه ، كما يؤيده وينصره باتباعه وأوليائه فأراد الله أن يؤيد دعوة موسى علية السلام إلي الحق ، بأن يسخر فرعون وقومه لخدمة هذا الدين ولجمع الناس حتى يروا أية الله ومعجزة الله عز وجل .

وثالثًا.. أن الله قد وعد موسى وهارون ، ووعده الحق وقوله الصدق ، قال لهما { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } فلما سمعا ذلك من الله لم يتمكن في قلبهم خوف من هدا الجمع ، ولا من هذا الملك الظالم ، ولا من أعوانه وبطانته ورعيته ، ولا من السحرة الذين قال العلماء ،أنهم قد اجتمعوا آلافًا مؤلفة ،لأن الله قال لهما{ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } كما قال لرسوله صلي الله عليه وسلم بعد دلك وقالها الرسول لأبى بكر في الغار{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } هنا { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } فكل من كان الله معه فإنه لا يخاف غير الله ، وكل من كان الله معه فإنه لا يحزن بل يفرح ؛ لأن الله معه ..ويجتمع الناس ويصل السحرة ، وهؤلاء السحرة كانوا قد بلغوا في الكفر مبلغًا كبيرًا فعندما اجتمعوا سألوا فرعون أولاً..قال تعالي {فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } كم ستدفع حتى نغلب لك موسى ،

ونُظهر لك أنه ساحر ؟ {فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين } إذا لابد أن يكون هناك اتفاق علي مبلغ ضخم حتى يقوم السحرة بواجبهم ، ويظهروا لفرعون ولمن حوله وللناس جميعا أن فرعون هو الأعلى والأقوى { فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين.. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } إذا غلبتم موسى اليوم فستأخذون أموالاً ضخمة طائلة ، وستأخذون مع ذلك منزلة عالية في هذا القصر ، وفى البلاط الملكي عند فرعون { إنكم إذن المقربين } وأهل الباطل لا يشغلهم في الدنيا شئ أكثر من هذا ؛ جمع الأموال ،من حلالها وحرامها، والمنزلة العالية عند الحكام والسلاطين ،{ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ.. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } وهذا أعظم شئ عند أهل الدنيا ؛ أن يكون مقربًا وأن يحصل من خلال قربه ، على أموال طائلة ، لذلك وهم يلقون عصيهم وحبالهم {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ }حلفوا بغير الله لأنهم مشركون وحلفوا بعزة فرعون ، وهى أعلى يمين يحلف به السحرة في ذلك الوقت ..تأكيدٌ وقسم بعزة فرعون { إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } وموسى عليه السلام يدعوهم إلى الله ، وقد اجتمع الناس { قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } يقول لهم لا تكذبوا على الله فإن من كذب على الله ، فإن الله قادر على أن يسحته بعذاب أي يستأصله ويهلكه بعذاب لا قبل له به ، وقد خاب من افترى ..

ومع دلك لم يصغوا إلي هذا القول ،{ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى }كأنهم يستهزئون به ويسخرون منه ، ويقولون وهل يستطيع ساحر أو اثنان أن يغلبا آلافا من السحرة، { إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى }الأمر يستوي عندنا ، تحب أن تلقى عصاك أولاً أو أن نلقى نحن أولاً فأنت مهزوم في الحالتين ، قال بل ألقوا ، فألقوا حبالهم وعصيهم وخيل إلي موسى من سحرهم أنها تسعى ، بل إن القرآن يذهب في وصفها في هذا المشهد إلى أبعد من ذلك يقول { فقَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } سحروا أعين الناس ، والسحر شئ واقع له حقيقة ، ويمكن أن تسحر عقول البشر بالكلام ، لا بالسحر المعروف ، كما قال صلي الله عليه وسلم ( إن من البيان لسحرا ) سحروا أعين الناس وهم على الباطل واسترهبوهم فخاف الناس ، أفزعوهم لأنهم ألقوا عددًا كبيرًا جدًا من العصي والحبال ، كأنها ثعابين وحيات تسعى ..سحروا أعين الناس ،واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم .

إن العلماء يقولون إن الباطل يمكن أن يسحر أعين الناس ، ويمكن أن يتأثر الناس بالباطل في وقت من الأوقات ويمكن أن يستجيبوا له ..كما سحرت وسائل الإعلام عيون الناس في كثير من الأحيان بالباطل الذي تنشره ، وكما تسحرهم بأفكار مسممه، وقد قال الله لهما قبل ذلك { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }من أين جاءه هذا الخوف الذي في نفسه إنه لم يكن خائفًا على نفسه ، فهو واثق من نصر الله ، ولو كان خائفًا ما دخل هذا التحدي أمام أمة بملكها الذي يزعم لهم أنه آله ، وهو لا يملك شيئًا ينتصر به سوى أن الله معه ، لكنه خائف على فتنة الناس ، وهكذا الداعية إلى الله يخاف على الناس أن يُفتنوا في دينهم ، وأن يتأثروا بما يسمعون أو يقرءون من الباطل أو يشاهدون ، خاف على هدا العدد الوافد من البشر إن يُفتن في أمره وألا يتبع الحق وهو لا يستطيع أن يلقى عصاه إلا بوحي من الله ، ولذلك جاءه الأمر من الله { قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى.. وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ }

ولك أن تتصور هذا المشهد ، ألقي موسى عصاه فتحولت إلي حية حقيقية ضخمة ،وكان من ضخامتها أنها في لحظات معدودة ابتلعت جميع العصي والحبال التي كانت بالآلاف المؤلفة ، وتركت الأرض الواسعة التي وقع عليها التحدي فضاءًا ، ليس فيها شئ يتحرك سوى حيه موسى التي ألقي بها عصاه ، ونظر إلى هذا الموقف وكان أسرع الناس إيماناً وتصديقًا هم الذين كانوا أسرع الناس كفرًا وعنادًا ، وهم السحرة فإنهم في لحظة واحدة وبغير تردد وبدون اختلاف ، كما كانوا مجتمعين على الباطل اجتمعوا في لحظة على الحق { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ.. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } إن هذا هو أثر الإيمان ألقى السحرة ساجدين .. قال العلماء عن هؤلاء السحرة أنهم كانوا أسرع الناس إيمانًا ، مع أنهم كانوا قبلها من لحظات قليلة كأنهم أشد الناس كفرًا وضلالاً ، وأنت ترى اليوم لك صاحبًا ضالاً ، فتقول لقد كلمته كثيرًا ولكنة لا يصلى وتيأس من دعوته ونصحه ..إن هذا المقام يبين لك ، أن الله مقلب القلوب الذي بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء ، قادر على أن يحول قلب أشد الناس كفرًا وضلالاً ، إلى قلب عامر بالإيمان، لو أراد ذلك وقدره ، السحرة أشد الناس كفرًا وضلالاً وجحودًا وعنادًا.. الذين كانوا منذ لحظات يقولون { أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ.. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } وكانوا يقولون{ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } بعدها بلحظات قليلة{ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ.. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ }

ما الذي غيرهم ؟ وأين الأموال التي اتفقوا عليها مع فرعون ، وأين المنصب الرفيع الذي كانوا سيصلون إليه في ذلك اليوم { وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } لقد ضاع ذلك كله أمام الإيمان بالله الذي لا يعدله شئ ، فإن القلب إذا اتصل بالله لا يزن أمام ذلك شئ من الدنيا بأثرها ، ولذلك فإن أبا سفيان قبل أن يسلم ، لما حاوره هرقل ملك الروم ، وكان يسأله عن الصحابة الذين آمنوا برسول الله صلي الله عليه وسلم فجاء في سؤال من أسئلة هرقل ملك الروم يسأل أبا سفيان يقول له ( هل يرتد أحد منهم سخطًا لدينه ) هل يخرج أحد من هؤلاء الذين أسلموا ونطقوا بالشهادتين من الإسلام بعد أن يُسلم ويدخل فيه ؟ هل يخرج من الدين بعد أن آمن بالله ؟ هل يرتد أحد منهم ويصبح مرتدًا عن الإسلام سخطاً لدينه ..يسخط على هدا الدين الذي آمن به ..قال لا أي لا يرتد أحد سخطاً لدينه ، فلما أراد ملك الروم أن يفسر ذلك وأن يذكر السبب من وراء ذلك ، قال لقد سألتك هل يرتد أحد منهم سخطاً لدينه ..وذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب يقول أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإنه لا يخرج منها مادام إيمانًا حقًا ، مادام صاحبه صادقًا في إيمانه فإن الإيمان لا يفارق قلبه ، ولو خير بين الدنيا والإيمان فإنه يختار الإيمان علي الدنيا بأسرها ،فذلك الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب ، وهنا يقول هؤلاء السحرة { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ }…

وهؤلاء آمنوا جميعًا دون أن يتخلف واحد منهم ، لأنهم أدركوا الحق وأدركوا أنهم على الباطل ، ونسوا الأموال الطائلة التي كانوا قد وعدوا بها ، ونسوا أنهم قد يكونون من المقربين إذا نجحوا في ذلك اليوم وانتصروا ، ونسوا أن فرعون ملك ظالم مستبد قاهر يمكن أن يقتلهم أو يهلكهم ، وأعلنوا جميعًا في لحظة واحدة أنهم آمنوا بالله رب العالمين ، وكانت علامة إيمانهم أنهم ألقوا ساجدين ..إشارة إلى أن سجودهم هذا إعلانًا عن قربهم من الله وتعلق قلوبهم بالله ، وعدم التفاتهم إلي غير الله وإن كان هدا الذي يلتفتون إليه هو ملك ظالم مستبد يمكن أن يقتلهم أو أن يسجنهم أو أن يطردهم ..لقد تحولوا بإيمانهم إلى شئ أخر غير الذي كانوا عليه لقد حرموا الأموال الطائلة والمناصب الرفيعة ، والدرجة العالية عند فرعون وعند قومه ، ومع ذلك فإنهم بدءوا عهدًا جديداً من الإيمان بالله ..لم يصبحوا مند تلك اللحظة سحرة كما كانوا قبل ذلك وإنما أصبحوا من أهل الحق {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .


فإن المسلم عندما ينظر في واقعه ومجتمعه ، فقد يزين له الشيطان أنه ليس معه على الحق أعوان إلا قليل من الناس ، لكن القرآن الكريم يصحح هدا الفهم الخاطئ ، ويبين أن اتباع الحق في كل زمان ومكان هم القلة ، وأن أنصار الباطل هم الكثرة، وأن موسى وهارون عليهما السلام كانا رجلين اثنين والله عز وجل هو ثالثهما ، فما ظنك باثنين الله ثالثهما ، ومع دلك كان اليقين الذي ملأ قلبيهما كافيًا لنصرة الحق والدعوة إليه ..ولو قسنا هدا الموقف علي قياس هذا الفهم الخاطئ اليوم، لقال بعضنا أن من الحكمة أن يتوقف موسى وهارون عن الدعوة إلى الله ؛ لأنهما قلة قليلة ، ولقال بعض آخر وماذا يفعل رجلان في أمة كافرة ..إنهما يدعوان في أمة .. في شعب ليس فيه أحد على الإيمان

، لكن القرآن يريد أن يصحح هذا الفهم ، وأن يبين بهذا الموقف أن الدعوة إلى الله ، وأن نصيحة الناس لا تتأثر بالعدد وإنما ينبغي على المسلم أن يعبد الله ..ولو كان لا يوجد على وجه الأرض مؤمن غيره ، وأن يدعوا إلى الله، ولو كان أهل الأرض جميعًا على الباطل ، وهو على الحق وهذا مفهوم ينبغي أن يكون واضحًا ، من خلال هذا الموقف القرآني { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } فرعون يريد أن يتدارك الموقف قبل أن يفلت الزمام من يده { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر } آمنتم به قبل أن آذن لكم ..إنه يعتقد أن الإيمان بالله يحتاج إلى استئذان ، كما يعتقد البعض اليوم أن تأدية الصلاة في وقتها تحتاج إلى استئذان ، وأن صاحب العمل لو منع العاملين من الصلاة فانهم يمتنعون ، آمنتم به قبل أن آذن لكم إن طاعة الله لا تحتاج إلى أذن أحد من خلقه ، وإن العبودية لله لا ترتبط في قليل أو كثير بالاستئذان من البشر ؛ لأن هذه العبودية حق الله الذي لا يتوقف على أذن أحد ..إلا إذا قال الله ذلك ؛ كاستئذان الأبوين في الخروج للجهاد في سبيل الله ، إذا كان من فروض الكفاية..

آمنتم به قبل أن آذن لكم ..هو يريد أن يصور أنه ينبغي على هؤلاء، إذا أرادوا الإيمان أن يستأذنوا منه أولاً ، فإن أذن لهم آمنوا ، وإلا فلا يؤمنوا ..والإيمان من خصائص القلب، والقلب لا سلطان لأحد عليه سوى الله الذي خلقه ، فلا يستطيع العبد أن يستأذن في شيء وقع في قلبه ، لأن هدا القلب لا سلطان لأحد عليه سوى الله .

يتبع