الدكتور سمير نجيب بانوب‏ هو الخبير المصرى الذى شارك مع فريق العمل الأمريكى الذى قدم الأفكار ووضع الخطط لمشروع الضمان الصحى المعدل الذى شغل أمريكا طوال عام كامل، والذى يستفيد منه على الأخص فقراء أمريكا الذين لم يكن فى استطاعتهم الحصول على التأمين الصحى باهظ التكلفة من شركات التأمين الأمريكية الخاصة، وعلى عادة الأسلوب الإدارى الأمريكى الذى يعطى كل من شارك فى إنجاز عمل حقه من التقدير أرسل الرئيس الأمريكى أوباما رسالة صغيرة الحجم كبيرة المعنى إلى الذين شاركوا فى تحقيق هذا الإنجاز، ومنهم الدكتور المصرى، تقول: "سمير.. بسببك أنت أصبح لدى كل أمريكى غطاء للتأمين الصحى، ولك الشكر‏‏"، وهكذا يساهم خبير مصرى الأصل فى إنصاف فقراء أمريكا، فيصعد السؤال: ومن ينصف فقراء مصر؟.
فى ظهر الثلاثاء 23 مارس حقق الرئيس الأمريكى باراك أوباما إنجازاً هائلا فى تاريخ أمريكا بتوقيعه قانون التأمين الصحى الجديد لكل الأمريكيين، وبهذا يكون قد دق مسماراً جديداً فى نعش الرأسمالية المتوحشة لصالح رأسمالية معتدلة توازن بين ضرورات السوق الحر الذى جعل من أمريكا الدولة الأقوى على الأرض وبين ضرورات العدالة الإجتماعية اللازمة لاشراك الطبقات المطحونة فى التمتع بما يتمتع به الأغنياء من نعم النظام الصحى الأقدر والأكثر تقدماً تكنولوجياً فى العالم.
جاء هذا الانجاز لأوباما بعد عام كامل من الجهد والترويج والاقناع والخطب والمحاورات والردود على الاتهامات حتى كاد المشروع أن يفقد بريقه ومؤيديه وهبطت شعبية الرئيس خلال ذلك، ولكن كان لجهوده الجبارة أن تكلل بالنجاح فى النهاية، وجلس أوباما ليوقع على القانون مستخدماً 22 قلماً لكى يعطى واحداً لكل من ساهم فى إنجاح القانون فى لفتة تكريمية جميلة، وهكذا حدثت اللحظة التاريخية التى ستمنح أوباما قوة كبيرة وتعزز مكانته مما يجعله فى موقع يمكن منه أن يضغط لتحقيق بقية أحلامه ورؤيته لأمريكا جديدة أكثر عقلانية وعدلاً وأقل إندفاعاً نحو حروب غير شرعية مثل حربها المدمرة للعراق والتى كان أوباما ضدها دائماً، ونرجو أن تمنحه هذه المكانة المعززه القدرة على التصدى للعجرفة الإسرائلية الفجة واعتداءاتها المتواصلة ضد الفلسطينين شعبا ومقدسات إسلامية ومسيحية.
يكشف هذا الإنجاز التاريخى أن التاريخ لا يحدث من نفسه ولكن تصنعه قادة لديهم أحلام كبيرة وعزائم عظيمة يقودون بها شعوبهم فيصنعون معها التاريخ، وفى مصر كان جمال عبد الناصر هو الزعيم الذى انحاز إلى الفقراء - كما فعل اوباما - فقدم ناصر للفلاحين قانون الإصلاح الزراعى وللعمال قانون التأمينات الإجتماعية فى الخمسينات الذى ضمن للعاملين والمصابين فى العمل معاشاً وحقوقاً لم يكن أصحاب الأعمال يعطونها، كما انحاز للفقراء بمشاريع أخرى كثيرة منها المساكن الشعبية التى سكنها الملايين الذين كانوا يسكنون قبلها العشش، واليوم بعد نصف قرن نجد الملايين يسكنون المدن العشوائية بلا مياه ولا صرف صحى ولا نور ولا تعليم ولا عمل، فى تجاهل وإهمال من المسؤلين، وفى غياب مفجع لمشروع أو حلم قومى يقود الملايين من الشباب لكى يصنعوا التاريخ الجدير بهم وبمصر أم الدنيا.
بيان المستشار الدكتور جودت الملط، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، عن أداء الحكومة أمام البرلمان منذ أيام كشف ارتفاع نسبة الفقراء المصريين بالنسبة لإجمالى السكان إلى 23.4% عام 2008 / 2009 مقابل 20% عام 2007 أى أن فقراء مصر المطحونين يزدادون عدداً عاماً بعد ويرى البعض أن الأرقام فى الواقع معكوسة، فالفقراء يشكلون أغلبية الشعب المصرى وليس ربعه فقط، هؤلاء الفقراء ليس لهم صوت فى الحكومات المتتابعة ولا فى مجالس الشعب ولجان السياسات المكتظة برجال الأعمال فى زواج غير شرعى بين السلطة والمال، ومن يسير فى أى شارع فى أى مدينة مصرية يرى كيف يرتسم التعب والضياع واليأس على وجوه أفواج البشر المنهكين الضائعين بين المستشفيات والمؤسسات والمصالح الحكومية التى فقدت القدرة منذ أجيال على الاستجابة لاحتياجات المواطنين الأساسية من إسكان وصحة وتعليم ومواصلات وغذاء وتوظيف ونظافة بل ومياه فى بلد النيل الأمين!
وفى مصر اليوم مشروع لتعديل قانون التأمين الصحى، وعلى ضوء ما حدث فى الولايات المتحدة من تطوير للضمان الصحى الذى ساهم فيه الدكتور المصرى سمير نجيب بانوب تتصاعد فى ذهنى الاسئلة التالية:
- هل سينصف القانون الجديد فقراء مصر كما أنصف القانون الأمريكى الجديد فقراء أمريكا؟
- خاض أوباما بنفسه المعركة الشرسة ضد القوى المعادية لحقوق الفقراء ووضع شعبيته ومستقبل إدارته كله فى آتون المعركة التى كان يمكن أن تطيح بهيبته وسلطانه، فمن سيفعل هذا فى مصر؟
- هل يمكن أن يصدر قانون ينصف الفقراء فى نظام نعرف أن ولاء الأغلبية من السياسيين فيه هو "للكبار" الذين عينوهم فى مواقعهم وليس للصغار من المواطنين الكادحين الذين لا حول ولا قوة لهم؟
- هل سنجد فى مصر رجالا مثل الدكتور سمير بانوب يقدمون أفضل ما لديهم من فكر وجهد فى تجرد لا يبغى سوى مصلحة مصر والمصرييين فى ظل مناخ ملوث بالفساد والشللية والمحسوبية؟
- إلى متى تظل مصر مجتمعاً طارداً للموهوبين من أبنائه الذين يخرجون فيتفوقون ويقدرهم العالم وتخسرهم بلادهم؟ وكيف لا يخجل المسؤلون عن هذا الوضع المفجع لبلد كان إلى عهد قريب هو الحاضن لكل الهاربين والطامحين للعلم وللنجاح من شباب البلاد العربية كلها؟
-كيف فى ظل كل هذا نجد فى مصر من يشكك فى ضرورة التغيير ويدافع عن الاستمرار و"الاستقرار"؟!


م/ن