ما أجمل أن تكون صديقاً لابنتك أو لابنك، إنه شيء رائع أن تشعر أن أسلوبك في التفاهم و الحوار قد أثمر رقابة عند أولادك فأصبحوا يفكرون بعقلية الكبار الأسوياء، فإن كان المثل يقول: من شب على شيء شاب عليه. فإن الواقع يؤكده بكل معانيه، فالتفاهم والحوار المتزن أفضل مئات المرات من الأوامر الصارمة والرقابة التي تؤدي إلى ازدواجية الشخصية، حيث يلتزم ابنك أو ابنتك أمامك بكل الأوامر ثم تفعل أو يفعل ما يريد من وراء ظهرك، ورضي الله عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ عندما قال: (لا تجبروا أبناءكم على حياتكم، إنهم مخلوقون لزمن غير زمانكم) فلو تفهمنا نفسية الأبناء وأنهم ربما يعلمون أكثر من الكبار لأدركنا حجم المسئولية الواقعة على عاتقنا وأصبحنا أصدقاء لأبنائنا، بدلاً من أن تتجه البنت لمدرسها أو لوالد صديقها أو لمن يهتم بها ويعطيها أذنه ثم يأخذ قلبها،


وبدلاً من أن يتجه الولد إلى (شلة) السوء التي تغريه (بالتزويغ) من الحصص والمدرسة والجلوس على المقاهي، والتسكع لمعاكسة البنات أو اللجوء للتدخين الذي سرعان ما يتحول إلى المخدرات ولو حتى على سبيل التجربة.


تقول هناء سعيد ـ 16 سنة: في طفولتي لم تكن والدتي تشكو مني بل كثيراً ما كنت اسمعها تمتدح أدبي ومعاملتي للآخرين ولكن عندما أصبحت على أعتاب مرحلة جديدة ظهر الخلاف بيني وبينهما، فعندما أرغب في أن يكون شعري بشكل معين ترفضه يحجة أنه غير لائق، مع أنها موضة شائعة بين زميلاتي، وعندما أختار ملابسي تكون معركة هي الفائزة فيها في الأغلب الأعم، وإذا وافقتني في أحيان قليلة ونادرة، وطوال اليوم تصرخ الأم، لا تضعي ساقاً على ساق، لا تجلسي هكذا، لا تتحدثي هكذا، حتى أصبحت سلسلة الأوامر وأللاءات كثيرة جداً، ورغم أن والدتي سيدة أنيقة وأشهد لها بذوقها الجميل. إلا أنها لا تتفهم طبيعة سني، ومشاعري، ورغم إني أحاول الوصول معها لحل وسط إلا أن الأمر دائماً ينتهي بعقابي بمنعي من الخروج أو الحديث في التليفون، فأصبحت أسكت في معظم الأحيان، وفي بعضها أطلب وساطة والدي أو جدتي، اللذين يسمعانني، وقد يتحدثان معها ولكنها لا تخضع لهما، لذلك أشعر غالباً أن من حولي لا يفهموني!!


ويقول محمد فتحي (17 سنة): نحب آباءنا وأمهاتنا بشدة ومتأكدين من أنهم للأسف الشديد كل طرف يحب الآخر بأسلوبه. فوالدي ووالدتي دائما لا يملان طوال العام مع بداية الدراسة..ذاكر دروسك، لا تتحدث في التليفون كثيراً، الكمبيوتر له وقته، وهما لا يدركان أننا لطبيعة المرحلة السنية نستطيع تحمل مسئولية المذاكرة والتوفيق بينهما وبين الهوايات المختلفة، كما أن اليوم غير الأمس، فلم يكن بالأمس يوجد كمبيوتر وإنترنت، كما أن أسلوب المذاكرة والامتحانات يختلف عن جيلهما، وهما يشكّان أحياناً فيَّ وإن كانا لا يقولان صراحة رائحة ملابسك سجائر! كنت مع مين؟ ورغم أني أقول لهما دائما إن الرياضة الهوايات تبعد صاحبها عن التدخين أو الإدمان، ولكن من يصدق؟! لذا فأنا في انتظار الامتحان الذي سينقلني إن شاء الله إلى مرحلة الجامعة حتى أتحرر جزائياً من هذه المشاحنات.أما المهندس شريف الحسيني فهو أب لشاب وفتاة، ويقول : من الطبيعي أن نظر في الحياة، ونحن نختلف مع زوجاتنا وزملائنا وحتى رؤسائنا في العمل، فما بالنا بالأبناء،



وكثيراً ما يحدث خلاف وأحياناً مشاحنات شديدة، ولكن المهم ألا تصل الأمور إلى حد الصراع الشديد والمتحجر من الطرفين، فيجب على الأب أن يطبق المثل القائل: (إن كبر ابنك خاويه) وأن يتفهم دوافعه النفسية في هذه المرحلة العمرية، وأن الولد يختلف عن البنت، والمجتمع لم يعد كما هو، فينبغي أن نساير الزمن حتى لا نفقد أبناءنا ونندم حيث لا يفيد الندم. الحب والخوف


يقول د.عبد المنعم محمود ـ أستاذ علم النفس التعليمي : يجب أن يكون الحب والخوف مفتاحين لسلوك واع، وعلاقة إيجابية بين الآباء والأبناء، إن الفتاة تحديداً في جميع مراحل حياتها تتأثر بوالدتها إذ أنها تحاكيها في كل شيء وتعتبرها مرجعيتها في جميع شئونها وخصوصياتها بصفة عامة, أما مرحلة المراهقة بالذات فهي مرحلة حرجة تمر فيها الفتاة بمتغيرات كثيرة وبالتالي فإن علاقتها بأمها يجب أن تكون دائماً حذرة ومتوازية، أي تكون أسس التعامل فيها صحيحة، بمعنى أن تدرك الأم تحديداً خطورة المرحلة التي تمر بها ابنتها وتحاول أن ترقبها بدون أن تشعر بذلك، وإن وجدت خطأ فيمكن معالجته بطريقة الإيحاء غير المباشر، أو بضرب المثل والقدوة حتى تنجح الفتاة، وينبغي أن تعتمد الأم على منهج الصراحة والمكاشفة مع ابنتها بأن تكون لها الصديقة الحميمة والأم في نفس الوقت، وينبغي أن تحذر الأم من انشغالها عن الأبناء والطباع الحادة التي تخلو من العاطفة والتفرقة بين الأبناء، أو الغيرة المرضية بين الأم وابنتها، وكذلك العنف مع الأبناء أو كثرة الخلافات الزوجية أمامهم، لأن كل ذلك يمنع تكوين علاقة الصداقة والحب والتفاهم بينهما،ولكي تكسب الأم ابنتها يجب أن يكون هناك تقارب بينهما، وتبادل للرأي والمشورة فتقدم الأم لابنتها الخيرات التي تعدها أما للمستقبل، ويجب أن تتعرف الأم على صديقات وأصدقاء أبنائها وأسرهم، وتعطي لهم ـ أي للأبناء ـ قدراً من حرية الاختيار، وإذا حدث خلاف في وجهات النظر تتناقش معهم بود وبأسلوب مقنع ومنطقي وبعيد عن العنف.


صراع الأجيال



ويضيف : ولا يوجد في علم النفس ما يسمى (بصراع الأجيال) وهو الأمر الذي نراه في الأجيال المتباينة، في مرحلة الخمسينيات أو الستينيات ومرحلة التسعينيات، ولكن الأمر في الصراع الفكري بين الأجيال فالحراك الاجتماعي والتطور الفكري يحدث فيه الصراع، ففي داخل الأسرة لابد من سلوك طيب وحسن يترتب عليه سلوك سليم أو سلوك غير سليم أو (شاذ) وهذا الشذوذ يترتب عليه تدمير، وتفكك وخسارة للأهل وغياب متكرر من العمل، وفقدان احترام الآخرين،وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح فيجب أن نضعها في إطار خلاف في وجهات النظر عبر الأجيال ووفقاً للثقافة السائدة بين كل جيل ويتوقف عليها الحراك الاجتماعي والالتزام بالقيم والتسامح من جانب الأهل، وتمرير الكلمات الغربية أو التجارب التي لم يمر بها الأهل، ولذا فالحل أن الأهل لا يمررونها ولكن تتمسك بها الأسرة ويفاجأ بعد ذلك بأنه يجد في جاره سلوكاً مختلفاً،وهنا يصبح الضغط الاجتماعي السائد مصدر ضغط على الأسرة فيشعر الأبناء بأنهم مختلفون عن الآباء المحيطين ويبدأون في المطالبة بان يكونوا مثل الآخرين، ولذلك فالضغط الاجتماعي على الطرفين إما أن يستجيب أحد الطرفين كالأب مثلاً فنراه قد تنازل وخضع للضغط وجارى الأبناء أو أن يتناقش الآباء مع الأبناء حتى يقنعوهم،وهي شيء نادر للأسف الشديد.


وتقول د.هبة صالح ـ أستاذ علم الاجتماع: لقد طرأت على المجتمعات البشرية المعاصرة تغيرات كثيرة ومستجدات جديدة في كل المجالات كان لها تأثيرها المباشر وغير المباشر على سلوك الأفراد والجماعات سلباً وإيجاباً، وقد تغيرت النظرة إلى القيم، وبخاصة من جانب الأجيال الجديدة التي تبدي تمرداً على الكثير من عادات المجتمع وتقاليده وقيمه، وهذه الظاهرة عامة لا تقتصر على مجتمع دون آخر, وعادة فإنه غالباً ما ينظر الجيل الجديد إلى أفكار الجيل القديم وتصوراته على أنها تصورات قديمة مختلفة لم تعد تلائم العصر، ولا تتفق مع المتغيرات الجديدة، والمستجدات التي تطرأ على حياة الأفراد والجماعات، ومن هنا تنطلق الشكوى من جانب الجيل القديم من اهتزاز القيم وحاجة الإنسان المعاصر إلى الإحساس بالقيم وافتقار الأجيال الجديدة إلى العمق والجدية في نظرتهم للحياة، ولكن لا ينبغي أن تضيق لدى الأجيال الجديدة في نظرتها للقيم فهي في حاجة إلى أن ترى القيم التي يتحدث عنها الجيل الجديد تتجاوز مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل،



فالجيل الجديد بحاجة إلى نماذج يسترشد بها وقدوة يتأسى بها، وما يجعله يتمرد على دروس الأخلاق من الجيل القديم هو الانفصال بين القول والعمل فلا يجوز للأب مثلاً أن يحذر ابنه من مضار التدخين وهو يدخن، ولا يجوز أن يطلب منه أن يكون صادقاً وهو كاذب، كما أن حاول الآباء شغله عن طريق الإفراغ المادي، وانقطعت أواصر الحوار والمصارحة بينهم وبين أبنائهم، ومع تأثير وسائل الإعلام والغزو الثقافي أصبح الجيل الجديد يشعر باستقلالية، أما القيام بالأعباء المادية فهو الدور الذي اختص به الجيل القديم ولا تبالغ إن قلنا إنه الدور الذي انحصر فيه نظراً للظروف الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع ككل، حيث أصبح هم الآباء هو البحث عن مزيد من المال دون التفكير في مصير أبنائهم الذين يتعرضون للوقوع في براثن الانحرافات كالإدمان والاغتصاب والزواج العرفي وغير ذلك لافتقادهم الرقابة والحوار الصريح القائم على أسس تربوية سليمة.جيل عفريتومن جهة أخرى يقول محمد سعيد أخصائي اجتماعي : زمان كنا نسمع شكاوى الأبناء من سوء معاملة الآباء لهم وقسوتهم أو غلظتهم أو كبت شعورهم أو بينهما، وهذا نادراً ما كان يحدث، أما الآن فقد تغير الوضع تماماًَ، وصار أمراًَ طبيعياً أن نسمع شكاوي الآباء من الأبناء، وهي شكاوى حقيقية، حتى إن عبرنا عنها في عبارات بسيطة ومستهلكة مثل( جيل عفريت) أو متمرد وزمان كان يقال (إن كبر ابنك خاوية) أي اتخذه أخا لك أو صديقاً أو صاحباً، المهم أن تكون العلاقة بين الأب وابنه علاقة تقليدية، لكن في وقتنا الحالي طرأت بعض المتغيرات على تلك العلاقة لصالح الابن، حيث ينصح بأن يخاوي الآباء أبناءهم حتى قبل أن يكبروا!! وأن يتمتع الآباء بقدر من الديمقراطية في التعامل معهم، وبصراحة أكبر وبدون حساسية أن يضطروا للتنازل عن بعض السلطات الأبوية لصالح أبنائهم لسبب بسيط هو أن مساحة سيطرتهم قد تراجعت قليلاً، حيث لم يعودوا مصدر التربية الوحيد لأبنائهم بعد أن شاركهم التليفزيون والقنوات الفضائية ومقاهي الإنترنت وصالات الألعاب الرياضية والكهربائية ومحلات الأكل السريع، إذن لم يعد الآباء أصحاب الكلمة العليا في توجيه وصياغية مستقبل أبنائهم كما كان، لأنهم صاروا مجرد مشاركين مع وسائط كثيرة ثقافية وإعلامية وتكنولوجية.


ويضيف سعيد : إن الأسرة وخاصة الآباء في ورطة حقيقية لأن سيطرتهم على الأبناء في موضع خطر نتيجة الانفتاح الصاروخي والعجيب الذي يصاحب ثورة التكنولوجيا في وقتنا الحالي مما يجعل الأبناء في شراهة نحو الاقتناء والرغبة في الصعود المادي والاجتماعي، ولو كان على حساب قيم أساسية وهامة في المجتمع، وللخروج من هذا التضاد بين الآباء والأبناء ينبغي عدم إشعار الأبناء بأية رقابة، لأن شعورهم بهذه الرقابة سوف يدفعهم إلى مزيد من التمرد والهروب والانفلات ولا نبالغ إن قلنا: الانحراف، وأرى أن جميع طرق وأساليب التربية القديمة في حاجة إلى إعادة نظر، فينبغي على الأب أن يتنازل عن بعض سلطانه ومكانته القديمة في الأسرة بمحض إرادته و بمزاجه الخاص نظراً التراجع دوره فعلاً لصالح الأبناء بعد أن صارت العلاقة بينه وبين أبنائه هي علاقة مادية في الأساس وأعطى الفرصة الوسائط أخرى مثل الأصدقاء والنادي والكمبيوتر أن تلعب الدور الأكبر في تشكيل الأبناء،



وأخطر هذه الوسائط مقاهي الإنترنت التي تقدم أفكاراً وقيماً ضارة بالأبناء تترسب في أعماقهم، ويتمسكون بها خاصة أنها تقدم إليهم بطريقة محببة ومشوقة، والمطلوب الآن هو إعطاء الأبناء شيئاً من الحرية والثقة، والتعامل معهم بقدر من الديمقراطية دون أن يفقد الآباء هيبتهم واحترامهم أمامهم كأسرة وآباء وهذه دعوة إلى ضرورة العودة إلى مملكة الأسرة بعد أن أعلن الأبناء التمرد على السلطات الأبوية والخروج على قوانين الأسرة، وينبغي على الآباء منح الأبناء المزيد من الحب والديمقراطية داخل الأسرة، فالديكتاتورية البغيضة التي كان يحكم بها الآباء أسرهم لم تعد صالحة لهذا الزمان، زمن الحرية على مستوى الدول والأفراد ووسائل الإعلام المختلفة.


منقول