.









ذهبت غالبية آراء الباحثين والمؤرخين على أن «كذبة أبريل (نيسان)» تقليد أوروبي قائم على


المزاح،‏ ‏يُطلق فيه البعض في اليوم الأول من أبريل الأكاذيب، ومن يصدق هذه الأخيرة يكون


«ضحية كذبة أبريل».


هكذا أول أبريل، يوم تافه مثل أيام كثيرة تستخدمها الشعوب للتسلية أو السماجة لتمضية


الوقت. إنه «عيد الكذب»، ربما علينا القول إنه اليوم «الأكثر صدقاً لأن الكاذب يُعلن أنه يكذب،


هذا إذ لم تكن كذبته سمجة. الكاذب «يركِّب مقالب» وفي النهاية يريد أن يصدق الآخرون أنه


«يكذب»، وكيف يكون الكاذب صادقاً؟ في الأيام العادية، خصوصاً في السياسة والتاريخ الحياة


زاخرة بالكذب والزيف والتلفيق، لأن السياسة «فن الممكن»، والتاريخ يكتبه المنتصر، وعلى


هذا فالكذب عمود السياسي والمؤرخ معاً. كيف لا والصورة المؤدلجة هي التي تؤرخ الحروب


والزمان والمكان؟ الصورة تكذب لأنها لا تقول كل شيء، هي تكذب لأن الصدق كثيراً ما يقتل؟


وشغل الكذب الحقيقي أقطاب الفلسفة وعلم النفس، الذين قدموا تحليلات كثيرة حوله. في


هذا الإطار، قال الباحث الإنكليزي جون شيمل الذي بحث طويلاً في الكذب وأصوله ودوافعه


‏ومسبباته: «إذا كان الكذب قد أصبح صفة يتميز بها البشر عن سائر المخلوقات‏ ‏ويستخدمونه


في شتى مرافق الحياة واتصالاتهم العامة أو الخاصة، فإن الأدلة كافة تثبت ‏‏أن المرأة أكثر


استخداماً للكذب من الرجل». أضاف شيمل أن السبب في ذلك «يرجع إلى عاملين، أولهما


نفسي عاطفي فالمرأة أكثر‏ ‏عاطفية من الرجل، ولأن الكذب حالة نفسية ترتبط بالجانب


العاطفي أكثر من ارتباطها ‏ ‏بالجانب العقلاني، فالنتيجة الطبيعية أن تكون المرأة أكثر كذبا من


الرجل». وتابع: «العامل الثاني أن الكذب عموماً هو سمة المستضعفين، والإنسان يلجأ غالباً


إلى الكذب لإحساسه بالضعف من حالة من المعاناة والاضطهاد، وللهروب من واقع‏ ‏أليم
يعيشه ,


ولأن المرأة خلقت أضعف من الرجل وعاشت على مر العصور وفي مختلف ‏المجتمعات البشرية


تعاني الاضطهاد والقهر، كان لا بد من أن تلجأ الى الكذب».



السؤال، لماذا اختار الناس أول أبريل يوماً للكذب؟ يشير تاريخ الكذب إلى أنه خلال عام 1560


كان معظم الناس غير متفقين على تقويم واحد للسنوات والأشهر والأيام. وفي أول أبريل من


كل عام كان الغربيون يحتفلون بعيد رأس السنة ويتبادلون الهدايا والتهاني، فما كان من شارل


التاسع إلا أن أصدر مرسوماُ ملكياً يقضي بنقل رأس السنة إلى الأول من يناير (كانون الثاني)،


وكان الذين أيدوا التغيير يرسلون في أول أبريل إلى معارفهم هدايا كاذبة، فيضعون لهم في علب


جميلة قطعاُ من حلوى ممزوجة بالملح والخل، أو يرسلون إليهم رسائل من أشخاص وهميين،


وكان الهدف إغاظة المتمسكين بالتقويم القديم. من هنا ولدت كذبة أول أبريل وغزت العالم،


وأطلق عليها الفرنسيون اسم «سمكة أبريل» (le poisson d'avril) ، وجاء الإسم من أن


الشمس في أول أبريل تخرج برج الحوت.


يشير آخرون إلى علاقة قوية بين الكذب في أول أبريل وبين عيد «هولي» ‏المعروف في الهند


والذي يحتفل به الهندوس سنوياً في 31 مارس (آذار)، وفيه يقوم بعض ‏البسطاء بمهمات كاذبة


لمجرد اللهو والدعاية، ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل.


تُرجع فئة أخرى من الباحثين أصل الكذب إلى القرون ‏ ‏الوسطى، إذ أن أبريل كان آنذاك وقت


الشفاعة للمجانين وضعاف العقول،‏ ‏فيطلق فيه سراحهم في أول الشهر ويصلي العقلاء


لأجلهم، وفي ذلك الحين نشأ العيد‏ ‏المعروف باسم عيد جميع المجانين أسوة بالعيد الشهير


باسم عيد جميع القديسين.


على أن للكذب في الواقع الاجتماعي الشعبي معانيه الكثيرة، ففي الأمثال «حبل الكذب


قصير»، ويقول التقليديون «الكذب ملح الرجال». الغريب أن فلاسفة كثيرين يربطون الكذب


بالنساء، وثمة أقوال مخجلة في هذا الإطار، وهي من دون شك جزء من الثقافة الذكورية التي


تحتقر المرأة.


شاعت لدى العرب عبارة «أعذب الشعر أكذبه»، والمقصود ليس الكذب بعينه، بل الشعر الذي


يبدو من قراءته للوهلة الأولى أنه كذب، لكن يتحدث عن حقيقة واقعة، واستخدم فيه بعض ألوان


البلاغة مثل الاستعارات والتشبيهات التي أبدعها خيال الشاعر، لكن مع مجيء زمن الصورة


والسينما لم يعد بمقدور خيال الشاعر أن يضيف جديداً.


رذيلة الرذائل


كذب اللسان من فضول كذب القلب، فلا تامن الكاذب على ود ولا تثق منه بعهد واهرب من


وجهه الهرب كله، وأخوف ما أخاف عليك من خلائك وسجرائك: الرجل الكاذب.


عرف الحكماء الكذب بأنه مخالفة الكلام للواقع، ولعلهم رأوا في هذا التعريف الحقيقة العرفية،


ولو شاءوا لأضافوا الى كذب الأقوال كذب الأفعال.


لا فرق بين كذب الأقوال وكذب الأفعال في تضيل العقول والعبث بالأهواء وخذلان الحق واستعلاء


الباطل عليه، ولا فرق بين أن يكذب الرجل فيقول: «إني ثقة أمين لا أخون ولا أغدر، فاقرضني


مالاً أرده إليك». ثم لا يؤديه بعد ذلك، وبين أن ياتيك بسبحة يهمهم بها فتنطق سبحته بما


سكت عنه لسانه من دعوى الأمانة والوفاء فيخدعك في الثانية كما خدعك في الأولى.


لا بل يستطيع كاذب الأفعال أن يخدعك الف مرة قبل أن يخدعك كاذب الأقوال مرة، لأنه لا يكتفي


بقول الزور بلسانه حتى يقيم على قضيته بينة كاذبة من جميع حركاته وسكناته.


ليس الكذب شيئاً يُستهان به فهو أس الشرور ورذيلة الرذائل فكأنه أصل والرذائل فرع له، بل هو


الرذائل نفسها وإنما يأتي في أشكال مختلفة ويتمثل في صور متنوعة.


المنافق كاذب لأن لسانه ينطق بغير ما في قلبه، والمتكبر كاذب لأنه يدعي لنفسه منزلة غير


منزلته، والفاسق كاذب لأنه كذب في دعوى الإيمان ونقض ما عاهد الله عليه، والنمام كاذب


لأنه لم يتق الله في فتنته فيتحرى الصدق في نميمته، والمتملق كاذب لأن ظاهره ينفعك


وباطنه يلذعك.


هان على الناس أمر الكذب، حتى أنك لتجد الرجل الصادق فتعرض على الناس أمره وتطرفهم


بحديثه، كأنك تعرض عجائب المخلوقات وتتحدث بخوارق العادات.


فويل للصادق من حياة نكدة، لا يجد فيها حقيقة مستقيمة، وويل له من صديق يخون العهد،


ورفيق يكذب الود، ومستشار غير أمين، وجاهل يفشي السر، وعالم يحرف الكلام عن مواضعه،


وشيخ يدعي الولاية كذباً، وتاجر يغش في سلعته ويحنث في إيمانه، وصحافي يتجر بعقول


الأحرار كما يتجر النخاس بالعبيد والاماء، ويكذب على نفسه وعلى الله وعلى الناس في كل


صباح ومساء.