تفاصيل "المؤامرة الثلاثية" ضد مصر ومياه النيل







مياه النيل شريان الحياة في مصر

يبدو أن الأزمة المثارة حاليا بين دول حوض النيل العشر غير بعيدة عن تسارع مخططات حكومة نتنياهو المتطرفة لإعلان إسرائيل "دولة يهودية" وفشل فكرة تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء التي تقدم بها الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل عام 1903 إلى الحكومة البريطانية.
فإسرائيل كانت الحاضر الغائب في اجتماعات وزراء مجلس المياه بدول حوض النيل العشر التي عقدت في شرم الشيخ وانتهت بالفشل في 14 إبريل / نيسان وذلك في ضوء حقيقة أن المشروع الصهيوني أخذ أبعادا وأشكالا أكثر خطورة والمقصود هنا تدويل نهر النيل وتسعير المياه بعد أن منعت مصر ظهور فكرة هرتزل للنور.
وبجانب ما سبق ، فإن فشل اجتماعات شرم الشيخ حول وضع اتفاقية جديدة حول مياه النيل تراعي مطالب دول المصب والمنبع كان أمرا متوقعا بالنظر إلى محاولة إسرائيل التغطية على مخططاتها الاستيطانية والتهويدية في القدس الشرقية والضفة الغربية وقرارها العنصري الأخير حول إبعاد سكان الضفة وذلك من خلال إثارة الخلافات بين مصر ودول حوض النيل على أمل الإسراع بإعلانها " دولة يهودية " وتصفية القضية الفلسطينية في ذروة انشغال مصر والعرب بقضية مياه النيل.
ولعل التقارير التي تحدثت عن زيارة وفد إسرائيلي لإثيوبيا سرا قبل أيام من اجتماعات شرم الشيخ تؤكد صحة ما سبق ، بالإضافة إلى أن مطالب دول المنبع السبع وهي إثيوبيا والكونغو وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وأوغندا تثير الكثير من علامات الاستفهام وتؤكد أنها تنفذ أجندة صهيونية مائة بالمائة .
فمعروف أن مصر تعتمد في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة 95% والسودان بنسبة 15% ، أما إثيوبيا التي تقود الحملة ضد مصر فتستهلك حوالي 1% وكينيا 2% وتنزانيا 3% والكونغو 1% وبوروندي 5% حيث أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها .
وفي ضوء ما سبق فإن دعوة دول المنبع لإعادة توزيع الحصص في مياه النيل بصورة "أكثر عدالة " تثير السخرية خاصة وأن حججها غير مقنعة لأحد بل إنها تنتهك الاتفاقيات الدولية.
وكانت الدول السبع بررت دعوتها السابقة بعدة أمور منها : أن تلك المياه ملك لها ومن ثم لها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود ولكن أيضاً في بيعها إلى مصر والسودان ، كما زعمت كينيا وتنزانيا أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصاً في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة ، وأخيرا احتجت الدول السابقة بأن اتفاقية عام 1929 وقعتها مصر مع سلطة الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات مستعمراتها السابقة وبعدما نالت تلك المستعمرات استقلالها فإن الأمر اختلف بما يبرر إعادة النظر في الاتفاقات التي عقدها البريطانيون .
ولم يقف الأمر عند ما سبق ، فقد رفضت الدول السبع مقترحات تقدمت بها دولتا المصب مصر والسودان خلال اجتماعات شرم الشيخ وقبلها في كينشاسا بالكونغو في مايو/أيار 2009 وفي الإسكندرية في يوليو/تموز 2009 حول ضرورة قيام دول منابع النيل بإخطار الدولتين مسبقاً قبل تنفيذ مشروعات على أعالي النهر قد تؤثر في حصصهما في المياه واستمرار العمل بالاتفاقيات السابقة التي توزع حصص المياه باعتبارها حقوقاً تاريخية في حال إبرام اتفاقية جديدة وأن تصدر جميع القرارت المتعلقة بتعديل أي بنود لاتفاقية تقاسم مياه النهر بالإجماع أو بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة دولتي المصب .
شراء المياه
بل وتحدت الدول السبع مصر والسودان علانية عبر التهديد بإبرام الاتفاقية الجديدة في منتصف مايو / أيار 2010 سواء قبلت مصر والسودان أو لم تقبلا ، وسرعان ما كشفت صحيفة "جيما تايمز" الإثيوبية في 24 إبريل / نيسان أبعاد المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية الإثيوبية الجديدة ضد مصر والسودان ، حيث أوضحت أن هناك رأيا عاما تزداد قوته فى دول منابع النيل يطالب بضرورة دفع مصر ثمن استخدام مياه النيل.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة في كينيا القول إن أغلب الكينيين يرون أن من حق بلادهم وباقى بلاد منابع النيل الحصول على مقابل لمياه النيل التى تصل إلى مصر والسودان.
وأشارت إلى اعتزام دول المنابع السبع التوقيع على معاهدة جديدة بشأن تقاسم مياه النيل رغم رفض دولتى المصب وهما مصر والسودان لهذه الاتفاقية الجديدة ، قائلة :" من المنتظر أن توقع كينيا وإثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندى والكونغو الديمقراطية وتنزانيا على الاتفاقية الجديدة التي ستحل محل اتفاقيتى عام 1929 و1959 المنظمتين للعلاقة بين دول حوض النيل في 14 مايو ".
وأضافت الصحيفة أن الكينيين يطالبون بالتعامل مع مياه النيل كما تتعامل الدول العربية مع البترول الذى يتم استخراجه من أراضيها وبالتالى يجب أن تشترى مصر ما تحتاج إليه من المياه من دول المنابع على اعتبار أن كلا من البترول والمياه مصادر طبيعية للدول.
واختتمت قائلة إن إقامة منطقة للتجارة الحرة تضم مصر وباقى دول حوض النيل يمكن أن تحد كثيرا من احتمالات قيام نزاع بين مصر وتلك الدول على مياه النيل حيث يمكن لمصر التى تعانى من قلة مصادر المياه شراء احتياجاتها من الغذاء والكهرباء من كينيا وإثيوبيا وغيرهما من دول الحوض بدون أى أعباء إضافية.
ما سبق يؤكد أن هناك اتجاها من دول المنبع لعدم الالتزام بحصص المياه المنصوص عليها فى الاتفاقيات التاريخية ووقوفهم جميعا ضد مصر و السودان ما يعني أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل المستقرة منذ عام 1929 (55 مليار متر مكعب) تتعرض الآن إلى تهديد بالغ ، فرغم حاجة مصر إلى زيادة حصتها الحالية بحوالي 11 مليار متر مكعب بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومعدلات الاستهلاك تفاجأ بأن عليها أن تخوض معركة طويلة لكي تحافظ على حصتها الأصلية خاصة وأن 86% من موارد مصر النيلية تأتي من إثيوبيا التي تتزعم دعوات إعادة توزيع الحصص في مياه النيل بصورة "أكثر عدالة " بل ويتردد أيضا أن تل أبيب تخطط حاليا لإنشاء خط أنابيب لنقل مياه النيل من الهضبة الإثيوبية إلى إسرائيل .
ورغم أن البعض يؤكد أنه ليس بمقدور دول المنبع إيقاف قوة اندفاع المياه باتجاه مصر والسودان أو مد خط أنابيب لنقل مياه النيل من الهضبة الإثيوبية إلى إسرائيل بسبب الفيضانات وكثرة هطول الأمطار أغلب شهور السنة ووجود مرتفعات البحر الأحمر التي تشكل عائقا كبيرا أمام مخطط تل أبيب ، إلا أن الترويج لمشاريع تدويل الأنهار ومصادر المياه يحمل خطرا بالغا لأنه يشجع الدول الإفريقية علي احتجاز المزيد من مياه النيل أمام سدود تشجع إسرائيل على بنائها وتمويلها تهميدا لبيع هذه المياه لدول أخرى مثل إسرائيل نفسها ، ولعل إلقاء نظرة على تاريخ مؤامرات إسرائيل ضد مياه النيل وما انتهت إليه يؤكد صحة ما سبق .
أبعاد المؤامرة الثلاثية


نتنياهو وليبرمان يواصلان تنفيذ المؤامرة

فالاستراتيجية الصهيونية التي تستهدف القفز إلي إفريقيا لمحاصرة مصر بدأت منذ الخمسينات من القرن الماضي ، ففي عام 1955 ، أعلن ديفيد بن جوريون أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه وأنه على نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل وصولاً إلى مشروع شركة تاحال الإسرائيلية عام 1974 بشق قناة توصل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق سحارة أسفل قناة السويس تمد إسرائيل بحوالي 8 مليارات متر مكعب سنوياً وسرعان ما استولت إسرائيل علي روافد نهر الأردن ومياه الليطاني في لبنان واليرموك في سوريا وبعد توقيع معاهدة السلام مع مصر ، لم يتوقف تطلعها للحصول علي حصة من مياه نهر النيل وحين عجزت أن تفعل ذلك عبر الطرف المصري مدت نفوذها إلي دول المنبع الإفريقية التي كانت قد استعادت العلاقات الدبلوماسية معها في أعقاب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد.
وكشف كتاب أصدره مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا التابع لجامعة تل أبيب حول "إسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان" وأعده ضابط الموساد السابق العميد المتقاعد موشى فرجى عما فعلته إسرائيل لكي تحقق مرادها في إضعاف مصر وتهديدها من الظهر وكيف أنها انتشرت في قلب إفريقيا في الفترة من عام 56 إلى 77 وأقامت علاقات مع 32 دولة إفريقية لكي تحيط بالسودان وتخترق جنوبه وكيف وسعت علاقاتها مع دول حوض النيل للضغط على مصر.
ووفقاً للكتاب ، فقد احتلت إثيوبيا أهمية خاصة في النشاط الاستخباري الإسرائيلي نظراً لأنها تقود التمرد على اتفاقات المياه السابقة ولأن 86% من مياه النيل تأتي من مرتفعاتها فضلا عن الوجود العسكري الإسرائيلي المتعاظم هناك والذي له صلة بأزمات القرن الإفريقي ، مشيرا إلى توافد قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عليها منذ أواخر الخمسينيات على نحو لافت للنظر.
وأضاف أن استراتيجية إسرائيل منذ أواخر الخمسينات وبداية الستينات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي والانقضاض عليه من الخلف من خلال ما أطلق عليه بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل آنذاك سياسة "شد الأطراف " التي ركزت على اختراق ثلاث من دول الجوار هي إثيوبيا وتركيا وإيران وكان الدخول إلى القارة الإفريقية والتركيز على دول حوض نهر النيل وعلى رأسها إثيوبيا للضغط على مصر جزءاً من تلك الاستراتيجية .
وتحدث فرجي في هذا الصدد عن انتشار خمسة آلاف خبير إسرائيلي في دول القارة في ذلك الوقت المبكر وقد نشطوا في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية من تدريب للجيوش والشرطة إلى إقامة المزارع وتصدير الزهور .
وتابع أنه سرعان ما أغرقت إسرائيل دول المنبع بالمشاريع التنموية التي ساهمت بالخبرة والمال في تنفيذها كان من بينها المقايضة الشهيرة مع إثيوبيا التي انتهت بمشاركة إسرائيل في بناء عدد من السدود في أعالي النيل في مقابل قيام إثيوبيا بترحيل يهود الفلاشا إليها عام 1989 .
واستطرد " إثيوبيا تعتبر من وجهة نظر علماء الجغرافيا نافورة مياه إفريقيا وعلى الرغم من أن معظم زراعتها تقوم على المطر أي أنها لا تحتاج بدرجة كبيرة إلى مياه النيل، إلا أن علاقتها الوطيدة بإسرائيل هي التي تدفعها دائماً للتذمر حول قيمة حصتها وحصة مصر من مياه النيل ، وقد أعلنت شركة تاحال المسئولة عن تطوير وتخطيط المصادر المائية في إسرائيل أنها تقوم بمشاريع مائية في إثيوبيا لحساب البنك الدولي وأنها تقوم بأعمال إنشائية في أوجادين في الطرف الآخـر من إثيوبيا على حدود الصومال ويهدف التعاون الإسرائيلي الإثيوبي إلى تنفيذ 40 مشروعاً مائياً على النيل الأزرق لتنمية الأراضي الواقعة على الحدود السودانية الإثيوبية وتشمل هذه المشاريع إنشاء 26 سداً لري 400 ألف هكتار وإنتاج 38 مليار ك. وات من الكهرباء وتستلزم هذه المشروعات 80 مليار متر مكعب من المياه تأتى على حساب حصة مصر والسودان ".
وأضاف فرجي في كتابه " ويأتي هذا التعاون بين إسرائيل وإثيوبيا تتويجاً لتعاون سري بينهما قدمت فيه إسرائيل القنابل العنقودية وطائرات الكفير للجيش الإثيوبي والهدف الأساسي لإسرائيل من هذه العلاقة هو تعزيز نشاطها في منطقة القرن الإفريقي وتوطيد أقدامها في المنطقة لتعزيز دورها في أحداث جنوب السودان ومنذ إقامة مصر للسد العالي عام 1957 لم تكف إثيوبيا عن المطالبة بالمساواة في توزيع حصة مياه النيل تدعمها في ذلك بل تدفعها إلى ذلك إسرائيل ، ففي عام 1977 أعلنت إثيوبيا أنها تريد تحويل 92 ألف هكتار في حوض النيل الأزرق و28400 هكتار في حوض نهر البارو إلى أراض مروية ، وفى عام 1981 قدمت إثيوبيا قائمة بأربعين مشروعاً على النيل الأزرق ونهر السوباط أمام مؤتمر الأمم المتحدة للدول الأقل نمواً وأكدت أنها تحتفظ بحقها في تنفيذ هذه المشاريع إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع الأطراف الأخرى ، وأخيراً فإن إثيوبيا تصر منذ بداية التسعينيات - لأسباب داخلية وخارجية - على أن الأوضاع القديمة في حوض النيل لابد من إعادة ترتيبها من جديد ومن ثم لابد من إعادة تقسيم المياه بين دول حوض النيل طبقاً لاحتياجات كل دولة وتؤكد أنها لا تعترف بالاتفاقيات القديمة باعتبار أنها تمت في عهود استعمارية ".



منقول