الأنبياء عليهم السلام لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فهو أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون. ولقد ضرب علماؤنا الأولون أروع الأمثلة في طلبهم للعلم، وعلو همتهم، وذكائهم، وحرصهم على أوقاتهم، وتواضعهم عند الطلب، ورحلتهم إليه، وغربتهم للحصول عليه، وثنيهم الركب عند المشايخ، بل وفناء أعمارهم في سبيل تعلم العلم وتعليمه؛ فلذلك يجدر بناء الاقتداء بهم وشحذ الهمم في سبيل هذا العلم.
فضل العلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد. فإن أعظم شيء يورث -باتفاق أهل الأرض- هو العلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم). والمقصود بالعلم: هو العلم الشرعي الذي يقرب العبد من ربه تبارك وتعالى. والإمام البخاري رحمه الله لما ذكر كتاب العلم في صحيحه بدأ بذكر فضل العلم، فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) ثم ذكر قوله تبارك وتعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، فقدم العلم أولاً، إذ لا يتأتى قبول العمل إلا إذا كان على علم؛ فإن العبد لا يعلم الذي يحبه الله ويرضاه إلا عن طريق الرسل، فلذلك حض النبي صلى الله عليه وآله وسلم على طلب العلم، فقال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وفي بعض الأحاديث المرفوعة، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) ، وهذا من أعظم الشرف لطالب العلم، وفي بعض الأحاديث المرفوعة أيضاً، قال عليه الصلاة والسلام: (وإن الحيتان في البحر لتستغفر لمعلم الناس الخير). فتحصيل العلم من أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، والذي يبحث عن العلم -لاسيما العلم الذي يقرب من الله تبارك وتعالى- رجلٌ عالي الهمة لا يرضى بالدون. ......
صفات يجب أن يتحلى بها طالب العلم
إن طلب العلم لا يتأتى إلا إذا توفر في طالب العلم صفات جمعها الإمام الشافعي بقوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقين أستاذ وطول زمان فهذه الستة الشروط إذا وضعها طالب العلم نصب عينيه وصل إلى مراده، ويكون الخلل في طلبه بقدر الخلل في تركه لصفة من هذه الصفات. وكل إنسان يريد أن يطلب العلم، وكثير منهم لا يصل إلى ذلك؛ لأنه لا يعرف الطرق التي تؤدي إليه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في قصة الذين أنكر عليهم التسبيح بالحصى، لما قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما نريد إلا الخير. قال: (وكم من مريدٍ للخير لا يبلغه). لأنه لم يسلك السبيل التي أمر الله بها. ......

طول الزمان في أخذ العلم
(وتلقين أستاذٍ وطول زمان) فطول الزمان مهم، والإنسان يتعجب من بعض الذين لهم في العلم شهرين أو ثلاثة، ثم يقول لك: أنا علمت هذا بالاستقراء.. كم طلبت العلم؟! سنتين .. ثلاث .. عشر .. عشرين؟! أي استقراء عند المتأخرين الذين لو سرق السارق فهارس كتبهم لتوقفوا؟ الاستقراء يحتاج إلى طول الوقت في طلب العلم. لذلك أريد أن أنبه الآن على قضية انتشرت انتشار النار في الهشيم، ولها علاقة بطول الزمان: هناك جماعة خرجوا وقالوا: لا يُحتج بالحديث الحسن لغيره، وعلماؤنا المتقدمون ما كانوا يحتجون به. أقول: هذه القضية النقاش فيها قديم ومعروف، ولكن أخطر شيء على هذه القضية هو دخول الصغار فيها، ونحن نعرف أن الحديث الحسن لغيره فيه كلام عند العلماء في مسألة الاحتجاج به وترك الاحتجاج به، ولكن أن يأتي صغير ليس له فهم المحدثين، ولم يمارس هذا العلم، وليس له من الذكاء كمان كان للمتقدمين، ويقول: لا يحتج بالحديث الحسن لغيره؟ لو قرأت كتب المصطلح كلها، وحفظتها عن ظهر قلب؛ لا تصير محدثاً؛ لأن علم الحديث علم صعب، كما قال الذهبي : علم صرف، لا يسلم قياده لأحد، يحتاج إلى عمر طويل، ولابد من الذوق والملكة، وهذه لا تكون إلا بطول العمر، وانظر إلى العلماء في آخر أيامهم، وانظر إليهم في أوائل أيامهم ترى أن هناك فرقاً حتى في تنزيل الفتوى على مقتضى حال المخاطب، وما استفاد هذا إلا بطول العمر والزمان. فهذه بعض الإشارات للصفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها. أخي لن تنالَ العلمَ إِلا بستةٍ سأنبيكَ عن تفصيلِها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقينُ أستاذٍ وطولُ زمانِ نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
الأخذ عن المشايخ وعدم الاقتصار على الكتب
(وتلقين أستاذ) مسألة الطلب، والأخذ عن المشايخ مهمة جداً؛ لأن الاقتصار على الأخذ من الكتب ضرره أكثر من نفعه، والأخذ من المشايخ يعطيك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنه يقصر لك العمر. الفائدة الثانية: أنه يسدد لك الفهم. الفائدة الثالثة: أنه يعطيك الأدب. (يقصر لك العمر) الكتاب يمكنك أن تقرأه في شهر، والشيخ قد يلخصه لك في درس واحد أو في درسين، فالإمام القرافي في بداية كتابه (الفروق) أول فرق بدأ به: الفرق بين الشاهد والراوي، قال: وإنما ابتدأت بهذا الفرق لأنني ظللت ثمان سنوات أسأل عنه كل من ألقاه من أهل العلم، فما شفاني أحد. كان له عشرات المشايخ، حتى وقف على كتاب (البرهان للجويني ) فوجد فيه العبارة التي يريدها. فتقصير العمر بأن الشيخ يلخص لك الكتب. (تسديد الفهم): كانوا قديماً يكتبون، وكان الناسخ من العلماء، أما الآن فنسأل الله تبارك وتعالى السلامة، فتجار الحشيش أصبحوا أصحاب المطابع، وبسبب ذلك يخرج الكتاب وهو مليء بالتصحيفات، وقل أن تجد صفحة إلا وفيها عشرات التصحيفات، والتصحيف أكبر جناية على العلوم، كانوا يقولون: (لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي). وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله قصةً عجيبة: ذكر أن رجلاً كان يحفظ القرآن وحده، ولم يتلقاه عن شيخ، وأنتم تعلمون أن الخط قديماً كان ليس فيه إعجام، أي: النقط لم تكن موجودة. فهذا الرجل ليس له مشايخ في القرآن فكان يحفظ لوحده، ومن ضمن ما حفظ سورة الفاتحة، وحفظ منها آية خطأ، وهو إمام ويقرأ بالناس، فزارهم ذات يومٍ عالمٍ، فاستضافه الإمام وقال له: عندي بعض الأسئلة في القرآن، قال: في أي سورة؟و ظن أنه سيقول له: في البقرة، فقال: في الفاتحة (إياك نعبد وإياك تسعين أو ستين..؟) و(نستعين) إذا كانت غير منقوطة فيمكن أن تكون (تسعين) أو (ستين) ثم رد على نفسه بسرعة قبل أن يرد الرجل عليه وقال: على كل حال أنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط! ومثال آخر: وهذا الموقف حدث في السنوات الماضية، رجل كان يقرأ: ((إلهكم التكاثر )) قال له الشيخ: يا ابني (( ألهاكم )) قال: بل ((إلهكم)) وهي مكتوبة في المصحف (( ألهكم ))، قال له: (( ألهاكم )) قال له: أنحن في البخاري؟ هذا قرآن!! هذا رجل يقرأ من المصحف. وقد سمعت رفيقاً لي في الجامعة يقرأ : (وقيل يا نوح اهبط بسلم) هي (بسلام)، والذي غره أنها (بسلم) لأنه لا يعلم أن الألف الصغيرة هذه تقرأ..! وهذا إنسان في الجامعة، غداً سيتخرج أستاذ ولا يعرف كيف يقرأ القرآن الكريم!! إذا كان هذا وقع في القرآن الكريم وقد نقل بالتواتر بنقل الكافة عن الكافة ولا خفاء فيه، فما بالك بكتب الحديث، فلو درس الحديث لكانت جناية على العلم وأهله، وكيف إذا أخذ طالب العلم العلم من الكتب التي دخلها تصحيف كثير؟! مرة بعض المحدثين كانوا ينسخون وكانوا في منتهى الدقة في النسخ، وكان لـابن عباس صاحبان: أحدهم: كنيته أبو جمرة ، والآخر: كنيته أبو حمزة . فلو أخذنا النقطة من (الزاي) والنقطة من (الجيم) فلن تستطيع أن تفرق بينهما، فكانوا إذا رووا حديثاً عن أبي حمزة يكتبون فوقه (حور عين) لكي يبين لك: أن هذه (ح) وليست (ج)، وكل هذا حتى لا يقع التصحيف. وذات مرة أحد الولاة أرسل للأمير، وقال له: إن المخنثين كثروا في البلد.. فما الحل؟ فقال الأمير لكاتبه: اكتب له: (احص من عندك من المخنثين). فكتب الكاتب: (اخص من عندك من المخنثين)؛ فدعاهم فخصاهم، وانظر ماذا فعلت هذه النقطة!! وتعلمون أن من القراء السبعة أصحاب القراءات المتواترة حمزة الزيات - حمزة بن حبيب - ولقب (الزيات) التصق به بسبب حكاية تقال عنه أنه قرأ القرآن وحده، فكان يقرأ ((ألم )) (( ذلك الكتاب لا زيت فيه ))! فقال له أبوه: قم واطلب العلم على الشيوخ. فبدأ بطلب العلم من ذلك الوقت؛ فلقبوه (بـالزيات). ووقع هذا قديما مع حرص علماء الحديث على ضبط الكتب، ومع ذلك كان يقع التصحيف، فما بالك الآن؟! تجد مطبعة كبيرة وليس عندها مصحح، وصاحبها على استعداد أن ينفق الملايين في نص الكتاب وتجده يبخل أن يعطي راتباً عالياً لمصحح؛ فلذلك المصححون هربوا من المطابع، فكم من الجناية ستدخل على طالب العلم لو اقتصر على قراءة العلم من الصحف! منذ -حوالي- خمس عشرة سنة كان هناك مسألة من المسائل التي لا يكون المرء سلفياً إلا إذا خاض فيها، وهي: مسألة النزول للسجود هل يكون على الركبتين أو على اليدين، وتذهب إلى أي مكان وتجد كل الشباب يستفتون فيها، فجمعني المجلس مرة برجل، يقول: إن النزول على الركبتين هو الصحيح، وقال لي: إن الحاكم روى في المستدرك عن ابن عمر حديثاً، وقال: إنه يميل إلى قول ابن عمر . قلت: أنا أعرف أن الحاكم يرى تقديم اليدين على الركبتين، وينقل هذا عن كثير من الصحابة والتابعين. قال: لا. قلت له: حسناً.. هات المستدرك. فأتى بالمستدرك فأخذنا نقرأ وبعد أن أتى بحديث ابن عمر أنه كان ينزل بيديه قبل ركبتيه، قال الحاكم : والقلب إليه أميل. فقال: انظر، هو يقول: الحديث مقلوب. وانظر إلى فهمه للكلام! فـالحاكم يقول: أنا قلبي يميل إلى تقديم اليدين على الركبتين. لكنه فهمها؛ لأنه متعصب لرأي معين ويريد أن ينتصر له، والصواب: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه. إذاً: الأخذ عن الشيوخ يسدد لك الفهم، ويقصر لك العمر، ويرزقك الأدب. وأفضل ما ينتفع به طالب العلم: هو الأدب، أما الذي يقرأ من الصحف فهو من أجرأ الناس على العلماء، وما تجرأ هؤلاء الذين يتكلمون على العلماء ويشتمونهم ولا يعرفون قدرهم؛ لأنهم لم يجالسوا العلماء. وقد كان العلماء قديماً لهم خطة في تأديب التلاميذ، وكانوا يقسون عليهم قسوة لا يكاد يتحملها أحد، وأخص بالذكر من هؤلاء؛ لأنه يكفينا مؤنة ضبط المثال الإمام الأعمش، أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش . فقد روى الخطيب البغدادي في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على الأعمش؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فأراد أن يؤدبهم وأن يطردهم من البيت؛ فاشترى له كلباً، أول ما يسمع صوت الأقدام اقتربت من البيت يطلق عليهم الكلب، وكان ممن يذهب إليه شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري فيجرون أمام الكلب! والكلب يظل يجري وراءهم حتى يخرجهم إلى مسافة بعيدة ويرجع. وهكذا، حتى كان ذات يوم اقتربوا من البيت وهم على حذر أن يخرج الكلب، فاقتربوا ولم يخرج الكلب، فهجموا عليه ودخلوا الدار، فلما رآهم بكى. قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. أي: مات الكلب. وجاءه رجلٌ غريب وقال: يا أبا محمد اكتريت هذه الدابة بدينار، ودفعت للرجل نصف دينار، وأريد أن تحدثني حديثاً. قال له: اكترِ بالنصف الآخر وارجع. وأبى أن يحدثه. وذات مرة كان يمشي في جنازة، وكانت الجنازة لا ترفع فيها الأصوات، وكان الأعمش كفيفاً، فأخذ أحد التلاميذ بيده وقال: آخذ بيدك يا أبا محمد، فأخذه وظل ينحرف به ولم يحس الأعمش بالأمر، وظل ينحرف به إلى أن بعد عن الجنازة، والأعمش ساكت مستأمن للرجل، فقال له الرجل: أتدري أين أنت يا أبا محمد؟ قال له: لا. قال: أنت في جبانة كذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً، فلما علم الأعمش أنه لا فائدة قال: اكتب.. حدثني فلان، حدثني فلان... حتى ملأ الألواح، فلما رجع به وكان الأعمش متغيظاً منه، والطالب يعلم ماذا سيفعل به الأعمش إذا دخل البلد، قابله رفيق له فأعطاه الألواح، ومضى حتى أوصله إلى الدار، وقال: وصلت إلى الدار يا أبا محمد . فأمسك بعنقه وقال: خذوا الألواح منه. قال: قد مضت الألواح يا أبا محمد . قال: كل ما حدثتك فهو كذب -حتى لا ينتفع به- فانظر إلى التلميذ المؤدب ماذا أجاب: أنت أعلم بالله من أن تكذب! وقد ورث هذه الخصلة في الشدة أبو بكر بن عياش . فذات مرة قال له أصحابه: حدثنا بحديث. قال: ولا بحديث. قالوا: حدثنا بنصف حديث. فقال لهم: اختاروا السند أو المتن. فقالوا له: أنت عندنا إسناد. قال لهم: كان إبراهيم يدحرج الدلو. قال الخطيب البغدادي : فانظر إليه.. ظن عليهم أن يحدثهم بما ينفعهم. وماذا يعني أن إبراهيم كان يدحرج الدلو؟ ماذا يستفيدون منه؟ أبى عليهم. فهل كان هؤلاء العلماء يمنعون العلم عن أهله؟ لا. فـالأعمش أحاديثه تملأ دواوين الإسلام. بل هذه الطريقة كانت تكسر الشموخ الذي عند طلاب العلم، وبعض طلبة العلم يأتي حلقة الشيخ وقد استحضر نسبه وجاهه وماله، وهذا لا يصلح أن يطلب العلم، ولابد أن يكون عليه سمت طلبة العلم وإلا فإنه لن يفلح. والإمام الشافعي رحمه الله باتفاق العلماء كان أعلم وأعلى كعباً من محمد بن الحسن الشيباني ، ويكفي أن الشافعي رحمه الله مجتهد مطلق، ومحمد بن الحسن رحمه الله مجتهد منتسب إلى المذهب، فلما أراد الشافعي أن يحصل علم أهل العراق ذهب يتتلمذ على محمد بن الحسن ، ولم يذهب الشافعي إليه وقد وضع في ذهنه أنه الشافعي وأنه أعلم من محمد بن الحسن ، وإنما ذهب إليه في سمت التلميذ. فكان يجلس في الحلقة يسمع فتاوى محمد بن الحسن ولا تعجبه، ويرى أن الدليل على خلافها، ولكن يمنعه أدبه أن يواجه الأستاذ بما يكره أمام التلاميذ، فكان محمد بن الحسن



الغربة والرحلة في طلب العلم
(ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ) الغربة هنا لها معنيان: المعنى الأول ووهو المشهور: هو الرحلة لطلب العلم، أن تغترب وتترك أهلك ودارك لتطلب العلم. وهذه الرحلة من مفاخر العلماء، لاسيما علماء الحديث؛ لأننا لا نعلم من اشتهر بها أكثر من علماء الحديث، ولهم في الرحلة أشياء عجيبة! أنت الآن بين يديك مكتبة ضخمة جداً ولا تعرف منها إلا القليل، وصحيح البخاري -مثلاً- به قرابة ألفين وخمسمائة حديث وتزيد قليلاً بدون المكرر. فكم عانى البخاري في سبيل جمع هذه الأحاديث؟! وكم رحل وكم تعب في تصنيف هذا الكتاب! والواحد منا قد يجلس في ليلة يؤلف رسالة، ويجمع صفحة من هنا وصفحة من هناك، ثم يقول لك: راجعته في مجلسين.. وأخرج رسالة. والإمام البخاري ، الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث صنف صحيحه في سبع عشرة سنة، ومرة دخل بغداد، وكان أهل بغداد ينتقصون الأفاضل، فقال رجل من أهل بغداد: إن البخاري لا يحسن أن يصلي. فسمعه رجل وأخبر الإمام البخاري وقال: إن رجلاً يقول: إنك لا تحسن أن تصلي. فقال البخاري : لو شئت لسردت لك عشرة آلاف حديث في الصلاة قبل أن أقوم من مجلسي هذا. عشرة آلاف حديث في الصلاة يسردها كما يقرأ أحدنا ((قل هو الله أحد)) ومع ذلك صنف كتابه في سبع عشرة سنة، وجمعه من كل الأمصار. الإمام شعبة بن الحجاج رحمه الله له قصة لطيفة جداً في الرحلة إلى طلب العلم، ذكرها الإمام ابن حبان في مقدمة كتابه: (المجروحين)، وذكرها أيضاً الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) عن أبي الحارث نصر بن حماد ، قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عبد الله بن عطاء ، عن عقبة بن عامر الجهني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية) ، قال: أبو الحارث الوراق : فخرج شعبة من الدار فلطمني ودخل. فجلست أبكي، قال: وبعد قليل خرج شعبة ، وكان مع عبد الله بن إدريس . -ولو أن الشيخ الآن فعل هذا بتلميذه فلطمه فإن التلميذ سيرد الكف مباشرةً- فلما خرج شعبة وجده يبكي، فقال: مازال يبكي؟ فقال عبد الله بن إدريس : إنك لطمت الرجل. قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، ثم استقبل شعبة الحديث يسوقه وهذا حديث واحد من ألف ألف حديث كان يحفظها شعبة ، وشعبة أمير المؤمنين في الحديث! قال: إني سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، هل سمعته من عبد الله بن عطاء؟ وأبا إسحاق السبيعي كان يدلس؛ وكان شعبة شديد النكير على المدلسين، حتى إنه كان يقول: لئن أزني أحب إلي من أن أدلس. ولا يتبادر إلى الذهن أنه لو خُيِّر بين التدليس والزنا أنه سيقدم الزنا.. لا. فهذا على سبيل المبالغة في التنفير من التدليس، كقول النبي صلى الله عليه وسلم للنعمان بن بشير : (أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور) ، فلو ذهب إلى أبي بكر الصديق مثلاً، هل يجوز له أن يشهد؟ لا. وكقوله تبارك وتعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت:40] مع قوله تبارك وتعالى: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7] والمقصود أنه كان شديد الإنكار على المدلسين. وكان يقول: لئن أشرب من بول حمارٍ حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس. وأبو إسحاق من المدلسين، فسأله شعبة هذا السؤال: سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء ؟ فغضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب، وهذا من أكبر الدلائل على أنه دلس، فقال: مسعر بن كدام -وكان جالساً مع أبي إسحاق السبيعي - قال: يا شعبة ! عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة. وكان شعبة؟ يسكن في البصرة. قال شعبة : فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، قال: فدخلت مكة فأتيت عبد الله بن عطاء ؛ فإذا رجلٌ شاب، فقلت له: حديث عقبة بن عامر في الوضوء، سمعته منه؟ قال: لا. حدثني سعد بن إبراهيم -وهو مدني- قال: شعبة فذهبت إلى مالك بن أنس -الإمام مالك - قلت له: حج سعد بن إبراهيم ؟ قال: لم يحج هذا العام. -إذاً هذا سيكلفه رحلة إلى المدينة- قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على سعد بن إبراهيم ، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. من عندكم خرج -أي: من البصرة- قال له: من حدثك؟ فقال له : زياد بن مخراق . قال شعبة : حديثٌ مرة مكي، ومرة مدني، ومرة بصري! دمّر عليه، لا أصل له. قال شعبة : فانحدرت إلى البصرة وأنا كثير الشعر، وسخ الثياب، فلما دخلت على زياد بن مخراق ، قلت له: حديث الوضوء، فقال: ليس من حاجتك، فقلت لا بد، فقال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتي. قال: فذهبت إلى الحمام فاغتسلت وغسلت ثيابي وجئته، فقلت: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. حدثني شهر بن حوشب ، وشهر بن حوشب رواه: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر . كم رجلاً سقط من الإسناد؟ سقط سعد بن إبراهيم، وزياد بن مخراق ، وشهر بن حوشب ، وأبو ريحانة ، أربعة سقطوا من الإسناد، وهذا حتى تعلم خطورة التدليس. قال شعبة : حديث صعد ثم نزل، دمّر عليه، لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي. ونحن الآن قد يكون هناك عالم في الكويت -مثلاً- وأنت تريد مسألة، فيدركك الكسل، ولا ترحل إليه، فهل أحدنا عنده الهمة التي كانت عند شعبة لما سمع حديثاً فيه فضل عظيم: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية) فرحل كل هذه الرحلة في سبيل التأكد من هذا الحديث!! ولكن لا يفوتني أن أقول: إن هذا الحديث صح عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب في صحيح مسلم. قال ابن الجوزي : إنما البكاء على خساسة الهمم، ليس البكاء على الفقر، فالفقر أبداً لا يفوت صاحب الهمة العالية. والإمام أبو حاتم الرازي -الذي قلامة ظفره تساوي عشرات المنتسبين إلى العلم اليوم- أراد أن يخرج من الري إلى بعض البلدان ليجمع الحديث، ولم يكن معه نفقة.. فأجّر نفسه عند بعض القوافل، وجد قافلة ذاهبة إلى البلد التي يريد، فأجر نفسه عندها، يغسل لهم الصحون ويقوم عليهم حارساً في الليل، ويقيد لهم الدواب، وهو أبو حاتم الرازي، الذي يبدأ بذكره إذا ذكر علماء الحديث وعلماء الجرح والتعديل، وما أنف من ذلك؛ لأنه سيوصله إلى محبوبه، والإنسان في سبيل الوصول إلى محبوبه يرضى بالذل، ويتجرع الهوان. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان فقيراً والدنيا تحت قدميه، ومرة أرسل إليه المتوكل بأموال فردها ولم يقبلها، فأرسلها المتوكل إلى ابنه صالح ، فلما قبلها صالح أغلق الإمام أحمد الباب الذي بينه وبين ابنه صالح، ولم يكن في بيته دقيق، فذهب إلى صاحبٍ له كان يثق به، فاستعار منه دقيقاً، وقال لامرأته: اخبزيه. وبعد وقت قريب جاءت بالخبز ساخناً، فقال: بهذه السرعة! فقالت له: كان فرن صالح موقداً، فخبزت فيه. فأبى أن يأكل الخبز؛ لأنه خبز في فرن صالح الذي قبل جوائز الأمراء، مع أن قبول الجوائز ليست ممنوعة، فـابن عمر كان إذا جاءه مال قبله، وقال: أنا لا أسألهم من دنياهم شيئاً ولا أرد رزق الله. و لما ذهب الإمام أحمد إلى عبد الرزاق بن همام في اليمن نفدت النفقة، فقالوا له: خذ هذه الأموال وأرجعها لنا في بغداد، فأبى ذلك وأجر نفسه عند القبائل، فالفقر ما كان يحول دون تحصيل العلم أبداً، وإنما البكاء على خساسة الهمم، ونحن عندنا الآن مراجع لم يحلم بها كبار العلماء. فالشيخ أحمد شاكر رحمه الله -وهو لا يخفى عليكم- في حواشيه على المحلى لـابن حزم كان يتمنى أن يرى بعينيه مصنف عبد الرزاق، أو مصنف ابن أبي شيبة، ويقول: أين هي؟ وقد كانت بين يدي صغار الطلبة أنذاك. ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومصنف عبد الرزاق الصنعاني، ومصنف ابن أبي شيبة قلما تخلو مكتبة طالب العلم منهما الآن، وكذلك موارد الظمآن في زوائد ابن حبان، ما رآه الشيخ أحمد شاكر . إذاً: الغربة ضرورية لطالب العلم؛ لأن الرجل ما كان يعظم في نفوسهم إلا إذا اغترب ورحل؛ لأنه يأخذ ما عند علماء الأمصار من العلم ويضمه إلى علمه، فيعظم في نفوس الطلبة. وبسبب هذه المسألة نشأ تدليس اسمه (تدليس البلدان والأماكن) بسبب التبجح في ذكر الرحلة، فمثلاً هنا في هذا البلد -أي: في مصر- ربما تجد شارعاً يسمى بشارع دمشق فأقوم أنا وآتي بالشيخ وأجلسه في هذا الشارع: فيحدثني. فأقول: حدثني فلان بدمشق. فأنت أول ما تسمع (دمشق) تظن أني تركت البلد ورحلت وأنا أسافر وإنما هو في شارع دمشق، أو حي اسمه بغداد، فتقول: حدثني فلان
الحرص على الأوقات وعدم تضييعها
(ذكاءٌ وحرصٌ) ... من أعظم ما يحرص عليه طالب العلم هو الوقت، فالوقت هو العمر، وطالب العلم لا يعرف المجالس التي تضاع فيها الأوقات بغير فائدة ولا يعرف الجدال العقيم، فهذا تضييع للوقت. ومن علامة حسن التحصيل: الحرص على الوقت، وكان علماؤنا -رحمة الله عليهم- من أحرص الناس على أوقاتهم، وأذكر لكم مثالاً على ذلك: ابن عقيل الحنبلي مؤلف كتاب: (الفنون) وهذا الكتاب في ثمانمائة مجلد، طبع منه مجلدان، ابن رجب الحنبلي في ذيل الطبقات يقول: حدثني رجل أنه رأى منه المجلد كذا بعد الأربعمائة. وابن عقيل هذا كان رجلٌ كالرجال. أي: له حياته الخاصة، وله زوج وأولاد، وكان عالماً في البلد، فكان يدرس الطلاب، ويقضي بين الناس...إلخ، ومع ذلك صنف كتاباً يقع في ثمانمائة مجلد، وهذا الكتاب من الكتب المفقودة!! كيف تسنى له أن يكتب كتاباً في ثمانمائة مجلد؟ يقول: إنني أقصر بجهدي أوقات أكلي، حتى إنني أختار أكل الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ. انظر كيف كان يلاحظ أن هناك تفاوتاً في المضغ، ويقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا كلَّ لساني عن مناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أقوم إلا وقد خطر لي ما أسطره. فكان رجلاً لا يضيع وقته حتى في وقت راحته. يقول ابن الجوزي في كلام ما معناه: إن كثيراً من الناس يأتي ليضيع الوقت بحجة أنه مشتاق، ويأتي فيقعد وليس له كلام. فيقول: ودفع الناس فيه إيغار للصدر -لا يستطيع أن يقول للناس: لا تأتوا. إذاً: ماذا يفعل؟- قال: فأعددت لذلك الوقت حزم الدفاتر، وبري الأقلام. فإذا جاء الناس ينظرون إليه وهو مشغول؛ لأن حزم الدفاتر وبري الأقلام وقطع الورق أمر ضروري، يقول: إنما تركتها لأعملها في حال وجودهم، ويستثمر وقته إذا خلا بنفسه. والإمام الثقة أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، يقول: دخلنا مصر أنا ورفقة لي، فظللنا سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً، فكنا في نهارنا ندور على الشيوخ، وفي ليلنا ننسخ، قال: فذهبنا إلى درس بعض المشايخ فوجدناه مريضاً، فقلنا: نأكل. قال: فاشترينا سمكة فلما ذهبنا بها إلى البيت حان موعد درس شيخ آخر فتركناها وانطلقنا، قال: ولم نستطع أن نشويها فأكلناها نيئة. وهذا الإمام العلم الكبير عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: كنت أقرأ على أبي وهو قائم، وهو نائم، وهو يمشي، وهو في الخلاء. وقال بعض العلماء: أبصرت الخطيب البغدادي يطالع جزءاً وهو يمشي في الطريق، وكذلك الدارقطني كان كذلك، فما كانوا يضيعون شيئاً من أوقاتهم؛ لأن الوقت هو العمر، ولذلك كان العالم منهم عالم بحق. فإذا تكلم في فنٍ من الفنون تجده بحراً. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الرجل الذي يبهر العقول، تقرأ سيرته فلا تمل، قد كان حريصاً جداً على وقته، وقد بارك الله له في وقته، حتى قال ابن القيم في الوابل الصيب: لقد رأيت منه شيئاً عجيباً، كان يكتب في ليلة ما ينسخه الناسخ في جمعة..! مع أن الكتابة والتأليف تحتاج إلى استحضار ذهن وترتيب أدلة، وشطب وكتابة، وتقديم وتأخير، أما شيخ الإسلام فقد كان كالسيل الهادر إذا كتب أو ألف، ولم يكن كأحدنا: يبدأ يظلم الغرفة، ثم يستوحي، ويأكل قبلها، ويتناول الشاي... وهذه الأشياء تضيع نصف الوقت في الإعداد لهذا الذي سيكتبه. فهذا الإمام العلم كان أصحاب المذاهب يأتون عنده ليستفيدوا في مذاهبهم ما لا يعلمونه.. واقرأ المناظرة التي كانت بينه وبين ابن المرحل في الحمد والشكر؛ ستستغرب جداً! إذا رأيت طالب علم يضيع أوقاته مع هذا وذاك وفي مجالس لا فائدة منها فاعلم أنه لن يفلح أبداً، حتى يضرب على نفسه حصاراً في مرحلة الطلب. ولا تنشغل في مرحلة الطلب بتحضير الدروس والمحاضرات، فإن العمر -إن شاء الله- طويل، وأهم شيء أن تغتنم أيام الطلب، ثم ستظل تدعو إلى أن تموت، فلا تضيع وقت الطلب في الدعوة أو في التدريس أو في المناظرات حتى تحكم أمرك.


الافتقار وعدم الاستغناء عن الغير
(ذكاء وحرصٌ وافتقار) الافتقار معناه: أنك مهما حصّلت من العلم فلا تظن نفسك على شيء، بل تظن أنك محتاج بصفة دائمة إلى غيرك، وأول ما تشعر بالاستغناء عن الغير تكون قد خسرت كثيراً، ولذلك ترى تكبر الناس بعضهم على بعض، واستهانة بعضهم ببعض بالجهل والبغي والعدوان؛ كل هذا بسبب أنهم لم يجربوا هذه الصفة (الافتقار). وقد كان المشايخ يذعنون لتلاميذهم، قال يونس بن عبد الأعلى رحمه الله: ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة فاختلفنا، فجاءني إلى بيتي وطرق بابي ودخل، فأمسك بيدي وقال: يا أبا محمد ! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟. وهذا الكلام نهديه إلى العشرات الذين تعج بهم الساحة الإسلامية الآن: (يا أبا محمد ! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟!) أي: لا نكون إخوة إلا إذا اتفقنا (100%)؟! ومنذُ متى اتفق الناس؟! فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قادة الناس، ومعادن العلم، وأولى الناس بكل فضيلة اختلفوا، وعندما تنظر في اختلافهم تجده اختلافاً رفيعاً، فالذين إذا اختلفوا تفرقوا يدل ذلك على أنه لم يجمعهم أصل جامع، وإلا فقد تفرقني عنك مسألة وتجمعني بك ألف مسألة!. تعال أيها المختلف معي، وابسط مسائلك جميعاً، وانظر كم مسألة أنا متفق معك فيها، تجدني متفق معك في أكثر المسائل وأغلبها ولا أختلف معك إلا في الشيء القليل. إذاً: فلماذا نختلف؟! الإمام الترمذي روى في سننه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار) فاعترض عليه ابن عباس ، وقال: يا أبا هريرة ! أتوضأ من طعامٍ أجده في كتاب الله حلالاً؟! يا أبا هريرة ! أفلا نتوضأ من الحميم -أي: الماء الساخن-؟ أي: إذا اغتسلت بماءٍ ساخن، فهل يلزمني أن أغتسل بعدها بماءٍ بارد! إذاً: فما فائدة تسخين الماء؟! فقبض أبو هريرة رضي الله عنه كفه بعد أن ملأها حصى وقال: (أشهد عدد هذا الحصى أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار. يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال). وما علمنا أن أبا هريرة خاصم ابن عباس ، مع أن هناك مسائل أخرى اختلفوا فيها، وكذلك عندما منع عمر بن الخطاب أبا هريرة من التحديث لم يحقد عليه. فأولئك كانت تجمعهم أخوة الإيمان، وكل شيء يأتي بعد ذلك فأخوة الإيمان أقوى. لذلك افتقار طالب العلم مسألة مهمة جداً، أن يشعر دائماً أنه لم يصل إلى شيء، وأن يذعن لغيره، وهذا الإمام البخاري ، وهو الإمام العلم الكبير، حدث عن تلميذه الإمام الترمذي ، حتى إن الترمذي عندما كان يروي هذا الحديث كان يقول: أخذه عني محمد بن إسماعيل كنوع من التبجح والتفاخر أن أستاذه أخذ عنه. وما أجمل ما قاله سفيان الثوري رحمه الله: لا ينبل الرجل -أي: لا يكون نبيلاً- حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه؛ لأن الكتابة عن الإنسان الذي هو تحتك بدرجة العلم أو الفضل نوع من النبل. والافتقار مهم جداً لطالب العلم، وأساسه التواضع وعدم الاعتداد بالنفس.



الذكاء وأهميته في طلب العلم
أول هذه الصفات: الذكاء. وهذا شيءٌ بدهي؛ لأن العلم لا يسلم قياده لبليد، والعلم واسع جداً، وليس له قرار وليس له قعر، والشيء الذي يموت الإنسان وهو مدين به الجهل، فقد يموت وهو أغنى الناس، وقد يموت وهو أعظم الناس سلطاناً، ولكن كل إنسان يموت وهو مدين بجهله، فلا يمكن لإنسان أن يصل إلى قعر العلم. الإمام ابن جرير الطبري -الإمام المفكر الكبير صاحب التاريخ المشهور- له مذهب -وإن كان هذا المذهب قد اندثر- وكان يطلق عليه: المذهب الجريري، وهذا اطراد أنه لم يكن شافعياً، لم ينتسب إلى الشافعي ، وإنما كان صاحب مذهب مستقل، بلغ من محفوظاته أنه كان يحفظ الألوف المؤلفة من الأحاديث والمتون، حتى قال لأصحابه يوماً: تنشطون لكتابة التفسير؟ فقالوا: في كم ورقة يكون؟ قال لهم: في ثلاثين ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماتت الهمم، فأملاه في ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال لهم : تنشطون لكتابة التاريخ من لدن آدم عليه السلام إلى الآن؟ قالوا: في كم ورقة يكون؟ فقال نحواً مما قال في التفسير. فقالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماتت الهمم. فأملاه في نحو قدر التفسير. هذا الإمام -مع سعة علمه- لما دخل عليه بعض أصحابه وهو يحتضر، تذكر مسألة في الفرائض، فدعا بصحاف ودواة وقلم ليكتب هذه المسألة، فقال له صاحبه: أفي هذه الحال -أي: وهو يعالج الموت-؟ قال: أموت وأنا عالم بها خير من أن أموت وأنا جاهلٌ بها، وهذا الإمام دونك البحر فاغترف، ومع ذلك يموت وهو يستزيد من العلم. والإمام مالك رحمه الله تعالى -مع خبرته وسعة علمه، وإطباق الجميع على توثيقه والثناء على سعة علمه- سمعه عبد الله بن وهب -كما في سنن البيهقي- يقول: بأنه ليس على الناس أن يخللوا البراجم في الوضوء -البراجم: هي ما بين الأصابع- قال ابن وهب : فلما خف المجلس -وهذا من أدبه- قال: فقلت له: كيف تفتي بذلك وعندنا فيه سنة؟ قال: وما ذاك؟ فقلت: حدثني عمرو بن الحارث وابن لهيعة وساق سنده إلى المستورد بن شداد (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان يخلل ما بين الأصابع) فقال مالك رحمه الله: هذا حديث حسن، وما سمعت به إلا الساعة. قال ابن وهب : فسمعته بعد ذلك إذا سئل عن تخليل الأصابع يفتي بذلك الحديث. فهذا الحديث ما عرفه الإمام مالك. إذاً: العلم ليس له قعر، فلا يمكن أن يناله البليد، ومن علامة ذكاء الإنسان أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره. وإني أستغرب عندما يأتي طالب العلم إلى رجل ويقول له: أخبرني بكتاب أبدأ به في الفقه؟ فيقول له: عليك بالمحلى لـابن حزم ، أو يقول: عليك بنيل الأوطار للشوكاني ، أو سبل السلام..! وهذه الكتب إنما تعنى بذكر الخلاف، وهذا لا زال مبتدئاً ولا يعرف الراجح من المرجوح حتى تدخله في الخلاف، وعليك أن تصف له كتاباً مختصراً يبدأ بالمسائل المتفق عليها، أما أن يبدأ هذا الرجل الطلب في الكتب التي تعنى بذكر الاختلاف فهو لابد أن يصير إلى حالٍ من هذه الحالات الثلاث: إما أن يسوء ظنه بالعلماء، ويقول في نفسه: لو كان العلماء على حق لما اختلفوا والدليل واحد. أو أن يتخير من الأقوال ما يعجبه، فيكون بهذا أعمل هواه. أو يخرج من الكل. حتى قيل في قوله تبارك وتعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]، قيل: (الرباني) هو الذي يعلم بصغير العلم قبل كبيره. وهذا قول لم يذكر قائله الإمام البخاري ، وقول ابن عباس : وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79] : أي كونوا فقهاء حكماء. قال الإمام البخاري : وقيل: (الرباني): هو الذي يبدأ بتعليم صغار العلم قبل كباره. وصدق من قال: (غذاء الكبار سم الصغار) أي: لو أن رضيعاً أعطيته قطعة من اللحم فإنه سيموت، وكذلك المبتدئ في العلم لو أعطيته مسألة كبيرة وضخمة فإنها تؤذيه. ولذلك يكون من ذكاء طالب العلم أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، وأن يبدأ بما يجب عليه عيناً، من معرفة التوحيد حتى يتجنب الشرك، ومن معرفة تصحيح عبادته، ونحو ذلك. ولكنك قد تجد الرجل لا يستطيع أن يجود كتاب الله عز وجل، وأول ما يبدأ يبدأ بمصطلح الحديث أو بأصول الفقه! إذاً: هذا الرجل ليس بذكي، وهذا يهدر كثيراً من وقته، وأول شيء يجب على طالب العلم أن يمتاز به هو الذكاء.