كأنما يصعد في السماء
قال تعالى:﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125].
تفسير قوله تعالى:﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾:

لا شك أن الإسلام أعظم نعمة يمنها الله على عباده الذين وفقهم للإيمان، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والإيمان نور يلقيه الله في قلب العبد ويشرح صدره له ويحببه إليه، فلا يتصور أنه يمكن أن يعيش لحظة بدون هذا الحصن الرباني العجيب فهو بعد أن يذوق حلاوة الإيمان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، وهذا الوصف يجده كل مؤمن ذاق حلاوة هذا الإيمان، وهو عين الوصف الذي أخبرنا به رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: « ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ »(1)، وعودة إلى تفسير الآية يقول ابن كثير: أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات : 7], وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به، وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر(2)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح», قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت»(3)، وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح، أي: وسعه بقبوله ذلك الأثر، ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة، ولكن هاهنا معنىً وهو: أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح، مال طبعه إليه، وقوي طلبه ورغبته في حصوله، وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله، فسميت هذه الحالة: سعة الصدر"(4).

تفسيرقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾:

قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون ضيِّقاً بتشديد الياء وكسرها وهما لغتان كهَيِّن وهَيْن,وقرأ بعضهم حَرِجاً بفتح الحاء وكسر الراء، قيل بمعنى آثم، قاله السدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى حَرَجاً بفتح الحاء والراء وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما؛ ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير، وقال العوفي: عن ابن عباس يجعل الله عليه الإسلام ضيقاً، والإسلام واسع وذلك حين يقول: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، وقال مجاهد والسدي: ضيقاً حرجاً شاكاً، وقال عطاء الخراساني: ضيقاً حرجاً أي ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقاً حرجاً بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه(5).

وقال القرطبي: شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق(6). وقال الآلوسي: المراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا يقدر عليه فان صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود والامتناع في ذلك عادي(7)، وعن الزجاج معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه(8).

وفي تفسير ابن كثير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام : 125] يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقاً حرجاً كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله(9)، وقال الليث:وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد، ومفسدة راجحة، دعاه ذلك إلى تركه، وحصل في النفس نبوةٌ (إعراض) عن قبوله، فيقال لهذه الحال "ضيق الصدر" لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول إليه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه, وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام(10).

أقوال بعض المفسرين المتأخرين:

لاحظنا وبوضوح تفسير بعض المفسرين السابقين, وكيف كان عندهم المعنى أن مثل الكافر الذي أراد الله أن يضله كمثل من يصعب عليه أن يصعد في السماء، أي فكما أنه لا يستطيع أن يصعد في السماء فكذلك لا يستطيع أن يؤمن أو كما في هذا المعنى، وما هذه المعاني التي اختاروها إلا لأنهم ما كانوا ليتخيلوا في لحظة أن الإنسان سيستطيع أن يطير في السماء ويخترق أجواء الفضاء، والحقيقة أن في هذا الأمر وقفة وهي أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف : 188]، والله تعالى وحده عالم الغيب والشهادة الذي يصف الأمور على حقيقتها وبدقة تامة، وسيأتي المعنى الذي يوافق كلام الله تعالى بصورة شديدة ودقيقة تماماً، ولعلنا نورد بعض أقوال علماء الشرع المتأخرين، ونرى الفرق بين تفاسيرهم وتفاسير القدماء الذين سبقوهم, يقول ابن عاشور: في مثل حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه فيتأمل في دعوة الإسلام بحال الصاعد فإن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود، وهذا تمثيل هيئة معقولة بهيئة متخيلة لأن الصعود في السماء غير واقع, والسماء يجوز أن يكون بمعناه المتعارف ويجوز أن يكون السماء أطلق على الجو الذي يعلو الأرض(11).

ويقول الدكتور حجازي: فمن يرد الله أن يهديه للحق ويوفقه للخير يشرح صدره للقرآن، ويوسع قلبه للإيمان، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره. وهكذا يكون عند من حسنت فطرته، وطهرت نفسه وكان فيها استعداد للخير وميل إلى أتباع الحق. ومن فسدت فطرته، وساءت نفسه، إذا طلب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه، فإنه يجد في صدره ضيقاً، وأي ضيق، كأنه كلف من الأعمال مالا يطيق، أو أمر بصعود السماء، وأصبح حالهم كحال الصاعد في طبقات الجو... والمرتفع في السماء... كلما ارتفع وخف الضغط عليه شعر بضيق في النفس وحرج في القلب(12).


شبهة حول دلالة كأنما يصعد في السماء:

تقول الشبهة: يدًعي الإعجازيون أن هذه الآية قد أخبرت بالحقيقة العلمية؛ أنه كلما ارتفع الإنسان في السماء انخفض الضغط الجوي وقلّت كمية الأوكسجين مما يتسبب في حدوث ضيق في الصدر وصعوبة في التنفس...حيث أن التغير الهائل في ضغط الجو الذي يحدث عند التصاعد السريع في السماء، يسبب للإنسان ضيقاً في الصدر وحرجاً. وتعالوا لنرى حقيقة ما تقوله الكلمة محل الادعاء: (يَصّعّدُ فِي السَّمَاءِ) هل فعلاً تعني الصعود إلى أعلى؟

والحقيقة هي أن (يَصّعّدُ فِي) معناها ليس ما يحاول أن يلصقها بها العالم الكبير..... يصّعد بتشديد الصاد -ملحقة ب:"في كذا" - تعني محاولة -على مشقة- في عمل شيء صعب أو مستحيل...و لك أن تطالع ما تقوله المعاجم في ذلك:

(تَصَعَّدَ) يتصعَّد، ويَصَّعَّد: تَصاعدَ. و في الشيءِ: مضى فيه على مشقة. وفي التنـزيل العزيز:كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ. و- النَّفَسُ: صَعُبَ مَخْرَجُهُ. و- الشيءُ الرَّجلَ: جَهَده وبلغ منه فالمراد من الآية هنا هو تشبيه ضيق صدر الكافر نتيجة كفره بضيق الشخص الذي يحاول الصعود في السماء فلا يستطيع لاستحالة هذا (!)

كما رأينا فمعنى اللفظ (يَصّعّدُ فِي) كذا، لا علاقة له إطلاقاً بالصعود وإنما المحاولة على مشقة في عمل شيء مستحيل".

الجواب: لا يُعَد فهم عالم ما في زمن ما، حُجة على فهم باقي المسلمين لمعاني القرآن الكريم, بل لا يشترط لتحقق الإعجاز القرآني، أن يقول به كل علماء الإسلام.

فالأفهام والنظرات إلى الأمور تتغير بتغير الثقافة، وآفاق النظر إلى الآيات تختلف، فهناك من ينظر إلى الآيات من الزاوية الأخلاقية فيخرج بفهم ما، وهناك من ينظر إليها من حيث الإعجاز البياني، وهنالك من ينظر إليها بحسب ما يستنبط منها فقهياً.. وكل ذلك صواب، مأجور عليه، مأمور به.. لا يعيب من سلك إحداها منهم على الآخرين، كما لا يعيبون عليه. والحَكَمُ هو النص القرآني المعجز، لا كلام العلماء(13).

أما عن الصعود في كتب اللغة:

فصعد السطح، وصعد إلى السطح، وصعد في السلم وفي السماء، وتصَّعَّد وتصاعد، وصَّعَّد في الجبل، وطال في الأرض تصويبي وتصعيدي. وأصَّعَّدَ في الأرض: ذهب مستقبل أرض أرفع من الأخرى(14). وصعد: إذا ارتقى، واصَّعَّد يَصَّعَّدُ إصّعّاداً فهو مصَّعَّد: إذا صار مستقبل حدور أو نهر أو وادٍ أو أرض أرفع من الأخرى. وصعّد في الوادي إذا انحدر.. والاصِّعَّاد عندي مثل الصُعُود؛ قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الأنعام: 125] يقال: صَعَدَ واصَّعَّدَ واصَّاعَدَ بمعنى واحد(15).ومن هنا يتبين أن العرب استعاروا معنى الصعود ليدل على المشقة (لازمُ الصعودِ). وهذا من الأساليب المعهودة في العربية وهي استعارة لازم الصفة للدلالة على معانٍ تشبهها(16).

فالمشقة لازمة لصعود الجبال، فلا تنافي بين الأمرين، فأحدهما مسبَّب عن الآخر، والثاني أصل له.فالأصل: الصعود، ولازمه: المشقة.

جاء في معجم مقاييس اللغة: الصاد والعين والدال أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على ارتفاعٍ ومشقّة. من ذلك الصَّعُود ـ خلاف الحَدُور ـ ويقال صَعِدَ يَصْعَد. الإِصعاد: مقابلة الحَدُور من مكانٍ أرفع. والصَّعود: العقَبة الكَؤود، والمشقّة من الأمر(17).

أسباب ضيق التنفس عند الصعود:

أما أسباب الضيق الذي يحصل لمن صعد للأعلى فله عدة أسباب هي:

1 ـ انخفاض نسبة الأوكسجين في الارتفاعات العالية، فهي تعادل 21% تقريباً من الهواء فوق سطح الأرض، وتنعدم نهائياَ في علو 67ميلاً، ويبلغ توتر الأوكسجين في الأسناخ الرئوية عند سطح البحر 100 مم، ولا يزيد عن 25 مم في ارتفاع 8000 متر حيث يفقد الإنسان وعيه بعد دقيقتين أو ثلاث دقائق ثم يموت .

2 ـ انخفاض الضغط الجوي: ينخفض هذا الضغط كلما ارتفعنا عن سطح الأرض مما يؤدي لنقص معدل مرور غازات المعدة والأمعاء، التي تدفع الحجاب الحاجز للأعلى فيضغط على الرئتين ويعيق تمددها، وكل ذلك يؤدي لصعوبة في التنفس، وضيق يزداد حرجاً كلما صعد الإنسان عالياً، حتى أنه تحصل نزوف من الأنف أو الفم تؤدي أيضاً للوفاة. لقد أدى الجهل بهذه الحقيقة العلمية الهامة التي أشار إليها القرآن، إلى حدوث ضحايا كثيرة خلال تجارب الصعود إلى الجو سواء بالبالونات أو الطائرات البدائية، أما الطائرات الحديثة فأصبحت تجهز بأجهزة لضبط الضغط الجوي والأوكسجين(18).

التفسير العلمي لصعوبة الصعود:

من الثابت علمياً أن الغلاف الغازي كأي غاز مرن متغير الحجم قابل للتمدد أو الانكماش أو التضاغط وبذلك يصبح له وزن ضغط فهو يضغط على سطح الأرض بما يسمى الضغط الجوي الذي يقدر بثقل كيلو جرام على كل 1سم2 وذلك عند مستوى سطح البحر، وهو ما عبر عنه مكتشفه تورشيلي علمياً بوزن عمود من الزئبق طوله 76سم ومساحة مقطعة 1سم أو 29.92 بوصة مربعة منه. ولذلك فإننا نتوقع أن يقل الضغط الجوي كلما ارتفعنا عن سطح الأرض وصعدنا إلى السماء لقصر عمود الهواء من جهة ولزيادة تخلخله كلما ارتفعنا من جهة أخرى حيث ينخفض إلى نصف قيمته إذا صعدنا إلى ارتفاع 3.5 ميل فيصبح 38سم3 ثم يقل ويصبح 19سم3 زئبق على ارتفاع 18ميل (29كم). حيث يتأثر الضغط الجوي زيادة أو نقصاً إلى جانب ذلك بحرارة الهواء، فكلما زادت درجة حرارة الهواء تمدد وقلت كثافته والعكس صحيح. كما يتأثر بكمية الماء العالقة في الهواء حيث نجد أن بخار الماء أخف وزناً من الهواء ولهذا ينخفض الوزن ويقل الضغط كلما زادت كمية بخار الماء في الهواء وذلك بسبب الحرارة؛ ولذا فنحن نشعر بالاختناق التدريجي كلما ارتفعنا عن سطح البحر إلى عنان السماء، حيث يصبح التنفس صعباً بسبب نقص الضعط الجوي ونقص كميات الأوكسجين التي تستقبلها الرئتين حتى يضيق الصدر كما جاء في الآية السابقة .. بل ويمكن أن يختنق الأنسان عندما يرتفع إلى 10.5 كم. كما أن الدم يندفع من أجسامنا لو خف الضغط عليه .. ولهذا فنحن نلاحظ أن الطيارين يصابون بما يسمى (بدوار الجبال) وهو تأثير فسيولوجي يصاب به الإنسان إذا صعد إلى ارتفاع كبير سواء كان الصعود في طيارة أو تسلق الجبال حيث يحس الشخص بضيق في حركات التنفس وفي النبض وفقدان لحظي مفاجئ (19) .

لقد أصبح التفسير العلمي لظاهرة الضيق والاختلاف عند الصعود في طبقات الجو العليا معروفاً الآن بعد سلسلة طويلة من التجارب والأرصاد التي أجراها العلماء لمعرفة مكونات الهواء وخصائصه، خصوصاً بعد أن تطورت أجهزة الرصد والتحليل المستخدمة للارتفاعات المنخفضة أو المحمولة بصورايخ وأقمار صناعية لدراسة طبقات الجو العليا، وتدل القياسات على أن الغلاف الجوي (الغازي) للأرض متماثل التركيب (التكوين)، بسبب حركة الهواء التي تؤدي إلى حدوث عمليات الخلط الرأسي والأفقي (خصوصاً على الارتفاعات المنخفضة )، فتظل نسب مكونات الهواء ثابتة تقريباً حتى ارتفاع 80 كيلومتراً. كما تتناقص كثافة الهواء بدورها تناقصاً سريعاً مع الارتفاع حتى تقارب شبه العدم عند ارتفاع 1000كيلو متراً تقريباً من سطح الأرض.

وهكذا، يمكن أن يضيق صدر الإنسان ويختنق بصعوده إلى ارتفاعات أعلى من 10 كيلومتراً، إن لم يكن مصوناً داخل غرفة مكيفة، وذلك نتيجة لنقص الضغط الجوي، ونقص الأوكسجين اللازم للتنفس.. وبدون هذه الغرفة المكيفة يصاب الإنسان بالكسل والتبلد ويدخل في حالة من السبات وفقدان الذاكرة، ويتعرض لأضرار الأشعة الساقطة عليه من خلال الغلاف الجوي ... ويصاب بحالة [ديسبارزم] فينتفخ بطنه وتجاويف جسمه، وينزف من جلده، ويتوقف تنفسه، ويتدمر دماغه، ويدخل في غيبوبة الموت.

كما أثبت علم طب الفضاء إصابة الصاعد في طبقات الجو العليا دون الاحتماء في غرفة مكيفة بالإعياء الحاد، وارتشاح الرئة، وأوديما الدماغ، ونزف شبكية العين، ودوار الحركة، واضطراب التوجه الحركي في الفضاء، واحمرار البصر ثم اسوداد البصر فهو أعلى حالات " الهلوسة البصرية "، إذ الأعين موجودة وسليمة وظيفياً لكن الضوء غير موجود، حيث لا يوجد في طبقات الجو العليا سوى الظلام الحالك(20).

الإعجاز في الحشرات

وجه الإعجاز:

إن ارتفاعاً بحوالي (3000) متر أو أكثر عن سطح البحر يصحبه فقدان الوعي في دقائق قليلة. إن كتاب الله قد جاء بمعجزة في ذكر ضيق النفس البالغ عند الارتفاع في الجو وهو ما لم يكن معروفاً قط يومئذ. جاءت هذه الآية قبل أكثر من (1400) عام، ولكن لم يكتشف الإنسان ما جاء فيها عملياً إلا منذ(93) عاماً عندما حلّق الأخوان ((رايت)) بأول طائرة وشعرا بالضيق في صدريهما ثم جاء العلم ليكشف عن انخفاض كمية الأوكسجين وضغطه عند الصعود إلى الأعالي(21)، هذه الآية الكريمة معجزة من وجوه عدة، وهي تعرض حقيقة علمية ثابتة بأسلوب بلاغي دقيق، ومن وجوه هذا الإعجاز:

أولاً: صعود الإنسان في السماء ، فيوم سمع الناس بهذه الآية اعتبروا الصعود في السماء ضرباً من الخيال، وأن القرآن إنما قصد الصعود مجازاً لا حقيقةً ، والواقع أن هذه الآية تعتبر نبوءة تحققت، في حياة الناس فيما بعد .

ثانياً: صحة التشبيه: فالارتفاع في الجو لمسافة عالية يسبب ضيقاً في التنفس وشعوراً بالاختناق يزيد كلما زاد الارتفاع ﴿يصّعد﴾، حتى يصل الضيق إلى درجةٍ حرجةٍ وصعبةٍ جداً. معجزة علمية، وضحت حقيقتها مؤخراً.. وهي انخفاض الضغط الجوي بالصعود في طبقات الجو، مما يسبب ضيق صدر الصاعد حتى يصل إلى درجة الاختناق، فتكون الآية تشبيه حالة معنوية بهذه الحالة الحسية التي لم تُعرف إلا في عصرنا الحاضر. ولم يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه الظاهرة إلا في القرن التاسع عشر (1804م) حينما صعد بالبالون لأول مرة إلى طبقات الجو ظاناً بأن الهواء ممتد إلى مالا نهاية.

والتشبيه في الحقيقة لا يكون بشيء لا يمكن رؤيته أو ضرباً من الخيال، وبعبارة أخرى أنه لا يصح أن أشبه شيئاً رأيته بشيء لا وجود له ولا أصل له في الموجودات، لأن التشبيه كما يعرفه أهل البلاغة الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى(22)، وهذا المعنى لا يمكن الشعور به إلا إذا كان المشبه به محسوساً بآلة من آلات الإحساس، وعليه فالمعنى القريب لحالة المعاند الذي لا يوفق للإيمان هو شبيه بحالة الصعود التي يرافقها الضيق والحرج، لا حالة استحالة الصعود الذي لا يرافقه أي من هذه العوارض ابتداءًا، ومن هنا كان المعنى الذي ذكر في الآية هو الذي يوافق المعنى العلمي الذي اكتشفه علماء العصر، والذي تؤكده هذه المعاني مجتمعة، فالحمد لله الذي شرح صدرونا للإيمان وهدانا لأسمى نعمة وهي نعمة الإسلام التي بها تنشرح صدور الذين آمنوا بتوفيق الله سبحانه، ويزداد الذين في قلوبهم مرض ضيقاً وحرجاً، وصدق الله القائل: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. والله تعالى أعلم

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي
مراجعة: علي عمر بلعجم

(1) - صحيح البخاري 1/35, برقم:20.


(2) - تفسير ابن كثير 2/234 .


(3) - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 77, برقم: 34315 – من حديث عبد الله بن مسعود قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فقالوا: يا رسول الله وما هذا الشرح؟ قال: نور يقذف به في القلب فينفسح له القلب,= =قال: فقيل فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: نعم, قيل: وما هي؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت، وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/346, برقم: 7863, والبيهقي في شعب الإيمان 7/352, برقم: 10552, وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 2/383, برقم: 965, وفي مشكاة المصابيح 3/133, برقم: 5228.


(4)- غرائب القرآن ورغائب الفرقان: النيسابوري .


(5) - ينظر تفسير ابن كثير 2/234.


(6)- تفسير القرطبي 7/72.


(7) - روح المعاني 8/22- 23.


(8)- المرجع السابق.


(9) - تفسير ابن كثير 2/234.


(10)- غرائب القرآن ورغائب الفرقان: النيسابوري .


(11)- التحرير والتنوير 1/1416 .


(12) - التفسير الواضح: محمد محمود حجازي في تفسير الآية السابقة.


(13) بقلم الأستاذ عبد الرحيم الشريف ماجستير في علوم القرآن والتفسير [COLOR=window****]http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det_bot&select_page=rodod&id=2 7[/COLOR]


(14)- أساس البلاغة، الزمخشري، 2/92 ص ع د.


(15)- انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/253 صعد، وانظر معنى صَعَّدَ: المعجم الوسيط، د. إبراهيم أنيس، ص514.


(16)- استعارت العرب لفظ يَصَّعَّد ليدل على المشقة، ولا يمنع من أن يكون على المعنى الأصلي للصعود وهو الارتقاء، وهذا مما تعرفه العرب. خذ مثلاً كلمة المجد فأصلها: امتلاء بطن الدابة بالعلف، ثم استعير ليدل على الرِّفعة.. لأنه دليل على امتلاء الإنسان بالخصال الحميدة، فأخذت الاستعارة لازم المجد وهو الامتلاء، ولا يُخطئ من عبَّر به عن امتلاء بطن الدابة؛ لأنه ذكر أصلها.. انظر: المعرب في القرآن الكريم، د. محمد بلاسي، ص13.


(17)- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس 3/221 صعد وأطال في ذكر ما اشتق من هذا الأصل، وتفرع عنه.


(18)- مع الطب في القرآن الكريم : تأليف الدكتور عبد الحميد دياب الدكتور أحمد قرقوز مؤسسة علوم القرآن دمشق


(19) - الإعجاز العلمي للقرآن الكريم بين الآيات القرآنية والنظريات العلمية لأحمد المرسي حسين جوهر 76-77.


(20)بقلم الأستاذ عبد الرحيم الشريف ماجستير في علوم القرآن والتفسير - [COLOR=window****]http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det_bot&select_page=rodod&id=2 7[/COLOR]


(21) - أسرار الكون في القرآن الدكتور سلمان السعدي 110


(22) - الإيضاح في علوم البلاغة 1 / 203.