تحدث الأنيميا ,أو فقر الدم عندما لا يوجد في دمنا كمبة كافية من مادة الهيموجلوبين، وهي عبارة عن بروتين في كريات الدم الحمراء والمسؤول عن نقل عنصر الأكسجين من الرئتين إلى سائر أعضاء جسمنا. وغالبا ما يحدث نقص مادة الهيموجلوبن نتيجة نقص مستوى الحديد في الجسم، أو عدم كفايته إذ يحتاج جسمنا عنصر الحديد لتصنيع مادة الهيموجلوبين. وفي أحبان أخرى، تنتج الأنيميا عن نقص فيتامين ب9 _المعروف بجمض الفوليك_أو فيتامين ب12.
وعادة ما تكون أعراض فقر الدم الناتج عن نقص الحديد خفيفة لدرجة أنه يمكن أن نعاني من نقص الحديد لسنوات عدة دون الإحساس بأعراض النقص. وتتراوح هذه الأعراض في شدتها، وتتمثل بالشحوب، التعب والخمول، الضعف العام في العضلات مع سرعة التعب والإعياء، والإرهاق وعدم القدرة على التركيز، الأرق، الصداع مع الشعور بالدوران وعدم الثبات ، طنين في الأذن، عدم إنتظام الدورة الشهرية، وضيق النفس خاصة عند كبار السن.

وتعتبر النساء الحوامل الفئة الأكثر تعرضا لنقص الحديد، تليها فئة الأطفال والرضع، ثم فئة النساء في عمر الإنجاب (أي في عمر 15 إلى 45 عاما تقريبا). وتختلف أعراض نقص الحديد باختلاف الفئة العمرية، فتظهر عند الأطفال أعراض بطء في النمو الجسمي والذهني مع ضعف القدرة على التفاعل و ضعف مقاومة الجسم للأمراض، وزيادة الإصابة بالتهابات مع وجود خلل في التذوق مصاحب برغبة في تناول التراب والطباشير. أما عند النساء الحوامل، فتظهر أعراض تأخر نمو الجنين، الولادة المبكرة، تدني الوزن عند الولادة مع ازدياد مضاعفات الحمل والولادة.
وكثيرا ما نتداول في جلساتنا الحديث عن بعض الأعراض الأكثر شيوعا والتي تعتبر أعراضا مصاحبة لنقص الحديد مثل سهولة تكسر الأظافر أو هشاشتها وتقعرها،تساقط الشعر، فقدان الشهية، التهاب زوايا الفم، وصعوبة البلع مع التهاب اللسان.

ويعتبر عنصر الحديد من معادن الجسم الأساسية وهو ضروري لتصنيع مادة هيموجلوبين الدم الموجودة في كريات الدم الحمراء والمسؤولة عن نقل الأكسجين من الرئتين إلى بقية أعضاء الجسم، فعند استنزاف مخزون الحديد (أو ما نطلق عليه إسم الفريتين)، يعجز نخاع عظمنا عن إنتاج العدد الكافي من كريات الدم الحمراء بسبب نقص الحديد، ويحاول الجسم بالتالي إبقاء أو المحافظة على نسبه الكريات الحمراء بشكل طبيعي في الدم من خلال إنتاج كريات الدم الحمراء بصورة إعتيادية ولكنها غير طبيعية إذ تتميز بصغر حجمها نظرا لاحتوائها على كمية أقل من الهيموجلوبين، فتتأثر بالتالي قدرة جسمنا على نقل الأكسجين بكفاءة.

وينتج نقص الحديد لأسباب عدة، منها:

قلة استهلاك الحديد عن طريق الغذاء بسبب اتباع نظام غذائي سيء (كاتباع أنظمة غذائية عشوائية أو أنظمة منحفة غير صحية أو تناول حبوب منحفة معينة كالنخالة) أو بسبب الإعتماد على الخضراوات فقط في غذاؤنا وعدم تناول الأغذية الغنية بالحديد (خاصة اللحوم بأنواعها، وكبدة الدجاج والخاروف أو تناول مصادر حديد نباتية)، عدم إمتصاص الحديد بصورة جيدة (مثل حالات الإسهال المزمن وحالات سوء الإمتصاص وبعد عمليات إستئصال بعض الأعضاء في الجسم، مثل إستئصال المعدة أو جزء من الأمعاء)، فقدان الدم نتيجة النزيف البسيط المتكرر أو النزيف المزمن (خاصة في فترة الدورة الشهرية لدى النساء والفتيات، وفي حالات نزيف الجهاز الهضمي كما يحدث في حالات البواسير وقرحة المعدة والإثني عشر، وسرطان المعدة والقولون)، ونتيجة تناول الأدوية التي تسبب تقرحات في المعدة وينتج عن هذه التقرحات نزيف ما)، وجود الإلتهابات بأنواعها) مثل الالتهابات الفيروسية والبكتيرية خاصة عند الأطفال الصغار). وفي كثير من الحالات، يجب توخي الحذر في كمية الحديد المتناولة إذ أشارت الأبحاث بأنها قد تكون غير كافية لتلبية إحتياجات الجسم من الحديد،كما يحدث في فترتي الحمل والرضاعة، أو فترة النمو السريع (أثناء نمو الأطفال في السنوات الأربع الأولى، وخلال سنوات المراهقة)، أو لدى الفتيات مع بداية الدورة الشهرية لديهن.

ويوحد عنصر الحديد في الغذاء على شكلين:

الحديد الهيمي وهو الحديد المتواجد في المصادر الحيوانية فقط والغنية بالحديد (كالكبدة واللحوم الحمراء و البيض والسمك والدجاج)،

والحديد غير الهيمي والموجود في المصادر النياتية فقط، مثل الخضراوات الورقية والبقوليات وفول الصويا، ومجموعة الحبوب كالحبوب الكاملة، والخبز المدعم بالحديد ونخالة القمح وبذور السمسم، والفواكه المجففة كالبلح والتمر والتين والخوخ والزبيب والعسل الأسود.

وتختلف قدرة جسمنا على إمتصاص الحديد باختلاف شكله (إذا كان هيمي أم غير هيمي)، وقد أثبتت الدراسات بأن كفاءة إمتصاص الحديد في جسمنا تزيد بتناول المصادر الحيوانية منه إذ يستطيع جسم الإنسان إمتصاص قرابة العشرين بالمئة من الحديد الهيمي من المصادر الحيوانية وخمسة إلى عشرة بالمئة فقط من الحديد غير الهيمي من المصادر النباتية. إلا أن امتصاص الحديد الموجود في الأطعمة الحيوانية منها والنباتية يتأثربشكل كبير بمواد وعناصر غذائية تزيد من إمتصاصه، أو تقلل من إمتصاصه.

ومن أمثلة العناصر التي تزيد من إمتصاص الحديد:

فيتامين (ج) المتواجد في الحمضيات كالليمون والبرتقال والفلفل والمانجا والكيوي والفراولة والملفوف والبقدونس والبندورة، لذلك ننصح بتناول نصف كوب من عصير البندورة أو أي عصير حمضي أو تناول السلطة مع الحامض في الوجبة الرئيسية. كما ويعتبر حمض التارتار من المواد المحفزة لإمتصاص الحديد إذ ننصح بتناول أغذية غنية بهذا الحمض كالجزر والبطاطا والبندورة والشمندر في الوجبات. كما أن لمادة السيستيين الموجودة في اللحوم دورا في تحفبز الجسم على إمتصاص عنصر الحديد أكثر فأكثر، لذلك ننصح بمزج القليل من اللحم مع الحبوب والبقوليات في الوجبة كطبخ الفاصولياء أو السبانخ مع اللحم مثلا. كما وتلعب المواد المخمرة الدور في زيادة إمتصاص الحديد، لذا فننصح باستخدام الخل أو صلصة الصويا في تحضير الأطباق.

ولعل من أهم العناصر التي تمنع إمتصاص الحديد هي الألياف الغذائية الموجودة في نخالة القمح والأرز والبقوليات. كما وتعتبر مادة الفينول مادة مثبطة لإمتصاص الحديد وهي إحدى مكونات الكافيين في القهوة والشاي، لذلك فإننا ننصح بتناول الشاي والقهوة قبل أو بعد الوجبة بساعة على الأقل وليس مع الوجبة مباشرة. كما يلعب عنصرالكالسيوم الدور في تقليل إمتصاص الحديد، لذلك فينصح بعدم تناول حبوب الكالسيوم مع الوجبة الرئيسية لأنه تتعارض وإمتصاص الحديد.
ويرتكز علاج حالات فقر الدم الناتج عن نقص الحديد على مرحلة التشخيص الشامل، والتي يتم من خلالها تحديد مسببات النقص، ثم معالجتها، ولا يجوز معالجة النقص فورا بتناول حبوب الحديد من دون إجراء التشخيص اللازم لأننا لا نعالج بدورنا مشكلة النقص أساسا، فقد لا يستفيد الجسم من التدخل المؤقت بالصورة الكافية إذ يعود النقص حال توقف الحبوب، وقد تتسبب الحبوب في مشاكل مرضية معينة لذلك فتشخيص المشكلة الطبية او العضوية هو الأساس، مثلا إذا كان النقص نتيجة تقرحات ما، فيستدعي التدخل الطبي وصف بعض الأدوية والمضادات الحيوية لمنع حدوث التقرحات ولا يقتصر على تناول حبوب الحديد أو أخذه بالوريد.
ويلعب اتباع النظام الغذائي الصحي دورا مهما في الوقاية من وفي معالجة حالات فقر الدم الناتجة عن نقص الحديد، لذلك ننصح أولا بتقييم النظام الغذائي بين الحين والآخر لضمان تناول إحتياجات جسمنا الأساسية من الحديد وحسب الفئة العمرية، والجنس والحالة المرضية. كما وننصح ثانيا بإجراء فحص دوري لمخزون الحديد في الدم (أي الفريتين)، خاصة لدى الحوامل والمرضعات والأطفال والرضع والمراهقين والمراهقات والنساء في عمر الإنجاب وفي حالات مرضية معينة. و ننصح ثالثا بتناول الأغذية التي تحتوي على الحديد الهيمي مثل اللحوم والدجاج والسمك مع مراعاة مزجها مع مصادر نباتية غنية بالحديد مثل الملفوف والبقوليات والفواكه المجففة. كما وننصح رابعا بتغيير أسلوب تناول الوجبات وذلك بتناول العناصر التي تزيد من الامتصاص مثل فيتامين (ج) الموجود في الفواكة والعصائر وبعض الخضروات، بالإضافة إلى التقليل من تناول مثبطات الامتصاص، ومن أهمها الشاي والقهوة، ومراعاة عدم تناول الأغذية التي تعمل عمل المثبطات في نفس الوقت مع الأغذية الغنية بالحديد مثل الأغذية الغنية بالكالسيوم والنشا و حبوب النخالة إذ ننصح بتناولها بعد ساعة أو ساعتين من الوجبة. وخامسا، يجب توخي الحذر عند تناول بعض الأدوية لأنها قد تؤثر في إمتصاص الحديد فهنالك أدوية مثلا تقلل من حموضة المعدة، والتي تؤثر بدورها على إمتصاص الحديد فأحماض المعدة تساعد على امتصاص الحديد.

وقد يتم وصف بعض المكلات الغذائية إلى جانب النظام الغذائي الصحي في حالات النقص الحاد، والتي يجب تناولها على معدة فارغة فبل أو بعد الوجبة بساعة على الأقل من أجل زيادة كفاءة إمتصاصها، كما يمكن تناولها مع نصف كوب من عصير الليمون أو البرتقال. ومن الطبيعي أن تتسبب مكملات الحديد في إضطرابات في الجهاز الهضمي يتمثل بإضطراب معوي، وإمساك أو إسهال مع تغير لون البراز ليصبح داكن اللون.
وإذا نتجت الأنيميا عن نقص الفولات، إحدى أنواع فيتامين ب، فقد تنتج عملية التقييم الطبي الغذائي بمراعاة تناول مكملات حمض الفوليك بالإضافة إلى تناول مصادره الغذاية. وتعتبر أهم المصادر الغذائية للفولات: البقوليات (بم فبها الفول، والحمص والعدس والفاصوليا البيضاء)، والبازيلاء، والخضار الورقية الخضراء، والبامية، والأفوكادو، والبروكولي، والبرتقال. وتلعب الفولات دورا مهما في إنتاج كريات الدم الحمراء. ويمكن أن يتأثر مستوى الفولات في الدم بنقص فيتامين ب12 والزنك إذ أشارت الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين ب12 أو نقص الزنك هم أكثر عرضة لنفص الفولات في الدم.

أما بالنسبة للأنيميا الناتجة عن نقص فيتامين ب12، فعادة ما يحدد العلاج حسب التشخيص الطبي عن طرق الغذاء الدواء أو المكمل الغذائي، أو عن طريق الإبر. ويدخل فيتامين ب 12 مع الفولات في تكوين الحمض النووي لخلايا الدم، وفي إنتاج كريات الدم الحمراء بالأخص. وتحتل منتجات الألبان الصدارة في قائمة مصادر ب12، يايها البيض، ومنتجات اللحوم بأنواعها.