ولد أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر الدمشقي الشافعي.. في دمشق سنة 499 هجري الموافق 1106 م وذلك في الوقت الذي كانت فيه الشام تواجه الحملات الصليبية المتتابعة، وكانت دمشق قد تمكنت من تجنب اجتياح صليبي مدمر ولكن عبر شروط مذلة ومهينة، حيث فرضت على دمشق حامية صليبية، كانت تمارس التسلط على أهل الشام، وقد ظل هذا واقع الحال إلى أن ولي نور الدين الشهيد 549 الذي رفض وجود الحامية وطردها من محيط دمشق.‏
وعلى الرغم من الأجواء المضطربة التي صادفت المنطقة آنذاك والتي كان أشدها سقوط القدس في يد الفرنجة ولكن ابن عساكر تمكن من تحصيل قدر كبير من المعرفة وجمع الرواية إلى الدراية وبلغ شأواً عالياً في علمي الحديث والتاريخ على وجه الخصوص.‏
كان أبوه تقياً ورعاً محباً للعلم ومجالسة العلماء ومصاحبتهم وكانت أمه من بيت علم وفضل فأبوها أبو الفضل يحيى بن علي كان قاضياً وكذلك كان أخوها أبو المعالي محمد بن يحيى قاضياً، وهكذا تمكن ابن عساكر من تحصيل العلم في بيئة متميزة من أهل العلم والحكمة.‏
تتلمذ على يد عدد من شيوخ دمشق وعلمائها وكانت دمشق آنذاك من حواضر العلم الكبرى في العالم الإسلامي وتلقى على أيديهم عدداً كبيراً من أمهات الكتب في الحديث والتاريخ.‏
انشغل ابن عساكر في فترة حياته الباكرة بطلب العلم فانصرفت همته إليه ولم يلهه عنه شيء ، ولم يشتهر عنه أي موقف سياسي أو مشاركة عامة، الأمر الذي عزز موضوعيته العلمية وبوأه مكاناً فريداً بين المؤرخين والمحدثين.‏
بدأ ابن عساكر رحلاته عام 520 بين الشام وبغداد وإيران وخراسان وأصفهان وقرأ الكتب الكثيرة وتعرف على علماء في هذه البلدان، ثم عاد إلى دمشق سنة 525 هجرية وبدأ بالإعداد لكتابه الموسوعي الكبير تاريخ دمشق.‏
قرأ على أبي الفرج غيث بن علي الصوري تاريخ صور وجزءا من كتاب تلخيص المتشابه للخطيب البغدادي وقرأ على عبد الكريم بن حمزة السليم كتاب الإكمال ومشتبه النسبة لعبد الغني بن سعدي ، وقرأ على شيخه أبي القاسم النبيه كتاب المجالس وجواهر العلم لأحمد بن مروان الدينوري وتلخيص المتشابه للخطيب البغدادي، وقرأ على أبي محمد بن الأكفاني كتاب المغازي لموسى بن عقبة وكتاب المغازي لمحمد بن عائذ الدمشقي ، وأخبار الخلفاء لابن أبي الدنيا، وغيرها.‏
وفي فترة سفره التي استغرقت خمس سنوات قابل عددًا كبيرًا من أئمة العلم، فاتصل بأبي غالب بن البنا وقرأ عليه كتاب نسب قريش للزبير بن بكار، وكتاب التاريخ لابن أبي خيثمة ، وبعضا من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وقرأ على أبي القاسم بن الحصين مسند أحمد والغيلانيات، ودرس على أبي بكر محمد بن عبد الباقي الطبقات الكبرى لابن سعد ، والمغازي الواقدي ، ولزم أبا القاسم بن السمرقندي وسمع منه كتبًا كثيرة، منها: سيرة ابن إسحاق ، وكتاب الفتوح لسيف بن عمر، وتاريخ الخلفاء لابن ماجه ، ومعجم الصحابة لأبي القاسم البغوي، والمعرفة والتاريخ للنسوي، والكامل في الضعفاء لابن عدي.‏
وبدأ ابن عساكر رحلته الثانية إلى الشرق وقد استغرقت أربعة أعوام من 529-533 زار خلالها إيران و خراسان وأصبهان وهمذان و أبيورد و بيهق و الري و نيسابور وسرخس وطوس ومرو ، سمع في أثنائها عددًا كبيرًا من الكتب على كبار الحفاظ والمحدثين في بلاد المشرق، ثم عاد إلى دمشق سنة 533وقد طبقت شهرته الآفاق، وقصده طلاب العلم من كل مكان، وانصرف إلى التأليف والتصنيف.‏
وبعد عودته أصبحت مجالسه في دمشق ملتقى أهل الأدب والمعرفة، وقد اشتهر عن نور الدين الشهيد نفسه أنه كان يحضر بعض مجالس ابن عساكر ويهتم بها وكان من عادته أن يهتم بالعلم والعلماء.‏
أحب دمشق التي ولد فيها وحضنته صغيراً فوفاها حقها من خلال تأليف كتابه الشهير تاريخ دمشق، على غرار تاريخ بغداد للحافظ البغدادي ولكنه جاء أشمل وأجمع، وقصد إلى جمع كل ما تناثر على أرض الشام من حكمة ومعرفة وتاريخ، راسماً تاريخها وحضارتها ، وقد توسع ابن عساكر في كتابه حتى صار ديواناً شاملاً لكل ما كتب عن دمشق وترجماناً لكل من مر بالشام أو علم بها أو تعلم بها أو تحدث عنها بإحسان، وقد كاد ابن عساكر أن ينصرف عن إنجاز كتابه بعد طول عناء وبحث، لولا أن خبر هذا الكتاب تناهى إلى أسماع نور الدين محمود حاكم دمشق وحلب فبعث إلى ابن عساكر يشحذ همته ويقوي من عزيمته فعاد إلى الكتاب وأتمه سنة 559 للهجرة 1169م.‏
لم يقتصر في كتابه تاريخ دمشق على وصف المدينة بل تحدث عن تاريخها والرجال العظام الذين مروا فيها..حكامها من الرجال.. ثم تحدث عن النساء اللواتي كان لهن أثراً عظيماً في رسم معالم هذا التاريخ وتلك الحضارة.‏
وأكل الكتاب شباب ابن عساكر وكهولته، ثم قام ولده القاسم بتنقيحه وترتيبه في صورته النهائية تحت بصر أبيه وعنايته، حتى إذا فرغ منه سنة 565هـ قرأه على أبيه قراءة أخيرة، فكان يضيف شيئا، أو يستدرك أمرًا فاته، أو يصوب خلطًا، أو يحذف ما يراه غير مناسب أو يقدم موضعًا أو يؤخر مسألة، حتى أصبح على الصورة التي نراها الآن بين أيدينا‏