لماذا رقق قلبك؟



ثمرة الدعاء
الأول: أن يترصّد لدعائه الأوقات الشريفة،
كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
قال تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون}،
وقال : "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له"متفق عليه،
وقيل إن يعقوب إنما قال: "سوف أستغفر لكم ربي" ليدعو في وقت السحر.
فقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمّنون خلفه فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء.
الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها
وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصفوف،
وقال : "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد"رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه،
وقال أيضًا: "الصائم لا ترد دعوته" رواه الترمذي وحسنه،
وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المهوشات.
ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلعُ عليها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي : "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء" رواه مسلم،
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: "إني نُهِيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قّمِنٌ أن يستجاب لكم" رواه مسلم.
قمن: جدير.
الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه أو يرفع يديه قبالة وجهه أو نحو ذلك أو يرفع إصبعه السبّابة،
وعن جابر بن عبد اللهرضي الله عنه أن رسول الله : "أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس"رواه مسلم،
وقال سلمانرضي الله عنه: قال رسول الله : "إن ربكم حييٌ كريم يستحي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرًا" رواه أبو داود والترمذي وحسنه،
وعن أنس رضي الله عنهأنه : "كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء"رواه مسلم،
وعن أبو هريرة رضي الله عنه أنه مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال : "أحدْ أحِّدْ"رواه النسائي وابن ماجة، أي اقتصر على الواحدة،
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغلَّ بالأغلال
وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان : "إذا دعا ضم وجعل بطونهما مما يلي وجهه"أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضعف،
فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال : "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم" رواه مسلم.
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر
لما ورد أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنهقال: قدمنا مع رسول الله فلما دنونا من المدينة كبّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم
فقال النبي : "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصَمَّ ولا غائب"متفق عليه،
وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله عز وجل: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}أي: بدعائك
وقد أثنى الله عز وجل على نبيه زكريا حيث قال: }إذ نادى ربه نداء خفيا}،
وقال عز وجل: {ادعو ربكم تضرعًا وخفية}.
الخامس: أن لا يتكلف السّجع في الدعاء،
فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه،
قال : "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"رواه أبو داود وابن ماجة،
وقد قال عز وجل: {ادعو ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} قبل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحد يحسن الدعاء،
ولذلك روي عن معاذ رضي الله عنه: إن العلماء يُحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون كيف يتمنَّون حتى يتعلموا من العلماء،
وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور،
ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ؟ أشهد لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيّدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكلٌ يعرف بركة دعائه.
وقال بعضهم: ادع بلسان الذّلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
ويقال إن العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويشهد له آخر سورة البقرة، فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عباده أكثر من ذلك.
واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام، فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة
كقوله : "أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع القربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد"رواه الترمذي وقال: غريب،
وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله عز وجل.