قراصنة الصومال .. حياة الملوك والمشاهير

محيط ـ محمد حسن



لم تعد القراصنة ـ أو لصوص البحار ـ كما قرأنا عنهم وتناقلت حكاياتهم الأجيال المتعاقبة ، وامتلات صفحات المطبوعات بقصصهم ، حيث قبطانهم مقطوع اليد ويبرز منها خطاف، أما قدمه فخشبية ، وعلى كتفه ببغاء، يجوب البحار مع قراصنته ، بسفينة ترفع علماً أسود عليه رسم جمجمة بشرية، ويخطفون السفن بحثاً عن الذهب، ويهاجمون الجزر المأهولة لينهبوا سكانها .

أما قراصنة اليوم فقد أصبحو شكل مختلف ، فالقراصنة الأن يخطفون السفن ، ويطالبون بفدية لإطلاق سراحها مع طواقمها ، فأصبحت القرصنة على الشواطئ الصومالية وخليج عدن قضية دولية مؤرقة .

وأخذت قضية القراصنة أبعادا بعيدة تهدد أمن الدول وتجارتها ، فما يمر أسبوع إلا وتسمع في وكالات الأنباء أن سفينة كبيرة ومهمة قد استولى عليها "القراصنة"، مما حدا بالأمم المتحدة والدول الكبرى إلى التدخل في القضية، وكأننا أمام أزمة قد تفجر حربا عالمية ثالثة.

بداية القراصنة

تعود جذور اعمال القرصنة الصومالية إلى حركة صيادين تجمعوا معا خلال حقبة التسعينات الماضية لمنع عمليات الصيد غير المشروعة ودفن النفايات السامة قبالة سواحل بلادهم.

ورغم أن الخاطفين لايزالون يحافظون على هذا العمل باعتباره دافعهم الاساسى ، إلا أن عمليات القرصنة تحولت إلى صناعة رائجة تدر ارباحا طائلة فى الوقت الذى لاتتوانى فيه شركات النقل البحرى عن دفع اموال باهظة كفدية مقابل الافراج عن سفنهم المختطفة ، وذلك طبقا لما ورد بجريدة "الشرق الاوسط" اللندنية.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية ، تحول هذا النشاط غير المشروع إلى مايشبه كرة الثلج المتضخمة مع لجوء أعداد من الشباب إلى الانخراط فى هذا العمل للفوز بنصيب من "الكعكة" وعيونهم على نظرائهم الذين يعيشون من ورائه فى رفاهية.



فساحل الصومال يعد الأطول أفريقيا حيث يقدر بـ 3300 كم ، ويتوفر على ثروة بحرية متنوعة بما فيها طيور البحر والحيتان وأسماك القرش والعديد من أنواع السلاحف والدلافين .

وأصبحت السواحل مرتعا لكل من هب ودب في ظل غياب سلطة الدولة ، وكان الصيادون "المحليون" يشكون من أن شباكهم الصغيرة وغيرها من معدات صيد الأسماك تتعرض للتدمير من قبل السفن الأجنبية العملاقة مرارا وتكرارا مما أثار المواجهة المباشرة بين السفن الأجنبية والصيادين في المناطق القريبة من الشاطئ الصومالي.

وقد ارتفع أصوات سكان السواحل الصومالية في طلب مساعدتهم على وضع حد لممارسات سفن الصيد الأجنبية التي لا قبل لهم بها، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، ونشأت لدى بعض الشباب رغبة للانتقام فحاولوا مطاردة هذه السفن باستخدام زوارق سريعة وبنادق مما يدافعون بها عن أنفسهم في فوضى الحرب الأهلية.

وهنا لجأت الشركات المتسللة إلى تغيير أساليبها في مواجهة هذا التحدي فسعت إلى استصدار تراخيص تمنحهم حق صيد الأسماك على طول الساحل من أمراء الحرب الذين سهلوا المهمة في مقابل ملايين الدولارات التي تمنح لهم من طرف هذه الشركات.

وهكذا تمكنت هذه السفن من ممارسة عملها دون خوف من الشباب المحليين ، وكانت تبحر تحت حماية مليشيات تابعة لأمراء الحرب المنتفعين وتمنع الشباب المحليين من التعرض لها ، وإذا حدث أن اقتربت السفن الكبيرة جدا إلى الشواطئ بحيث تحرم قوارب الصيادين المحليين من رزقهم اليومي فإنهم يضطرون عندئذ لمقاومتها.

من هم هؤلاء القراصنة؟

بعد التعاون الذي تم بين الشباب في المناطق الساحلية شمال شرقي الصومال وبقايا المليشيات الذين استقلوا عن أمراء الحرب برزت مجموعات قوية تتشكل من ثلاثة عناصر أساسية " المليشيات التي كانت تعمل لدى أمراء الحرب وهم يشكلون القوة العسكرية ، الصيادون المحليون وهم يشكلون الخبرة اللازمة بالبحر ، مجموعة من التقنيين الذين يجيدون التعامل مع الأجهزة المتطورة التي يستخدمها هؤلاء ".

وهذه المجموعة الأخيرة هي التي تقوم بالتواصل مع العالم الخارجي والتحدث إلى الطاقم كونها تجيد اللغات الأجنبية.. إلخ.وهناك مصادر تشير إلى أن عددا من قوات الشرطة في بونت لاند وعددا من المدرسين والمحامين تركوا عملهم والتحقوا بالقراصنة ، بل إن مجموعات كبيرة من الشبان باتوا يأتون من مختلف أنحاء الصومال بما فيها العاصمة مقديشيو ليجدوا لهم موضع قدم في سوق القرصنة المربح.

وهناك تقارير إخبارية تشير إلى انضمام بعض الصيادين اليمنيين إلى القراصنة الصوماليين، ولكن الصورة لم تتضح بما يكفي في هذا الجانب بعد.

حياة المشاهير



يعيش القراصنة الصوماليين حياة تشبه حياة الملوك يسيل لها لعاب الكثير، وهي ناتجة عن مبالغ الفدية التي تدفع لهم فتنعكس على حياتهم ترفا وأبهة.

فالقراصنة يجنون أموالا طائلة ، فيشترون منازل وسيارات فاخرة ونبتة القات المخدرة ويبيضون أموال نشاطاتهم بإبقائها داخل بلادهم أو ينخرطون في العمل التجاري بإنشاء فنادق في مدن بونتلاند.

ويسكن القراصنة الأحياء الراقية في مدينتي "جروي" و"غالكعيو" بولاية "بونت لاند"، و"حرطيري" و"أيل" وأصبحت حياتهم مثار إعجاب الفتيات مما جعل كل فتاة تحلم أن يطير بها قرصان ليتزوجها .

فالقراصنة يعيشون فى فيلات مريحة وسيارات دفع رباعي ويمتلكون أغلى الجوالات وهواتف تعمل بواسطة القمر الصناعي وحواسيب محمولة، ويتزوجون أكثر من زوجة ويقيمون حفلات زواج فاخرة بشكل مذهل ، وبرغم الأموال الكثيرة التي يجنيها القراصنة فإن إنفاقهم غالبا لا يتجاوز شراء المنازل والسيارات الفاخرة وتعاطي نبتة القات المخدرة.

وتحولت مدن ايل وجاروى وهارارديرى إلى بقاع مزدهرة ، على الاقل مقارنة ببقية المناطق الصومالية الاخرى التى يعيش فيها ملايين الاشخاص على المساعدات الغذائية الاجنبية بفعل عمليات التمرد الدموية والجفاف وارتفاع اسعار المواد الغذائية والوقود.ومما لايثير الدهشة تطلع المقيمين بهذه البلدات إلى حياة الرفاهية التى يعيشها القراصنة.

وقال محمد على يارو صاحب متجر لبيع ملابس الرجال فى جاروى :" إن القراصنة هم افضل الزبائن عندى ،. إنهم لايجادلون فى الاسعار مثل غيرهم ، يشترون الملابس والعطور الفاخرة ، والفتيات يفضلن الزواج منهم لانهم يغدوقون عليهم الاموال".

قفزة كبيرة

وتوج القراصنة عملياتهم التى شملت خطف نحو اربعين سفينة خلال العام الجارى ، باحتجاز ناقلة النفط السعودية العملاقة "سيريوس ستار" وعلى متنها نفط بقيمة مائة مليون دولار .

وترددت أنباء عن مطالبة الخاطفين بفدية قدرها 25 مليون دولار مقابل الافراج عن الناقلة السعودية ، فيما يعد قفزة كبيرة فى مطالب الخاطفين التى لم تتجاوز مليونى دولار فقط كفدية على الاقل خلال العام الجارى.

ورغم استبعاد احتمالات حصول القراصنة على هذا المبلغ الضخم من الأموال ، إلا أن المطالبة به يظهر بوضوح المدى الذى وصلت إليه طموحاتهم بعد أن اصبحوا اكثر جرأة رغم التواجد المتزايد للسفن الحربية الدولية فى منطقة خليج عدن.

وتثور تكهنات لدى بعض الدوائر بوجود صلات تربط القراصنة بالمتمردين الاسلامية فى جنوب ووسط الصومال ، الا ان على اسماعيل القرصان الذى يقيم فى ايل ينفى ذلك مؤكدا عدم وجود روابط دينية او سياسية للقراصنة مع اى جماعة .

شعبية القراصنة

ورغم محاولات المسئولين فى "بونتلاند" الصومالية التقليل من شعبية القراصنة ، الا انهم يعترفون فى ذات الوقت بان الانفاق ببذخ يكسبهم قبولا من جانب الاخرين.

وقالت بيلى محمود قابوسادى كبير مستشارى محمود موسى ادى رئيس بونتلاند" إنهم لايحظون بالشهرة والذيوع فى المدن الكبرى ، الا أن لهم نفوذا ماليا واقتصاديا حقيقيا فى بعض القرى".

رعاية فائقة

يحظى الرهائن برعاية فائقة من جانب الخاطفين ، يقول أحد القراصنة :" إننا نبدى اهتماما كبيرا برهائننا لأن هدفنا هو الفوز بمبلغ مالى كبير من ورائهم ، لذا يتعين علينا الاهتمام بأحوالهم الصحية ووجباتهم الغذائية".

وعلى اية حال ، فان استراتيجية القراصنة الخاصة برعاية الرهائن تؤتى اكلها فى نهاية المطاف ، حيث كشفت مؤسسة " شاتام هاوس" للدراسات البحثية البريطانية فى لندن أن شركات الشحن البحرى دفعت خلال العام الحالى 30 مليون دولار كفدية للقراصنة الصوماليين.

توزيغ الغنائم







ويضخ القراصنة جزءا من الاموال التى يحصلون عليها فى الاعمال التجارية او شراء الاسلحة او اجهزة الاتصالات الحديثة لاستخدامها فى نشاطهم ، إلا أن القراصنة يحتفظون بقسم كبير من الاموال التى يحصلون عليها للانفاق منه على حياة البذخ التى يعيشونها.

ومن النادر حدوث مشاحنات بين القراصنة ، حيث يطبقون نظاما لتوزيع الفديةعلى قدم المساواة للحيلولة دون حدوث صراعات او توتر بينهم.

ويقول أحد القرصنة :" هناك نسبة مئوية متفق عليها لتوزيع الاموال ، بعضها يذهب الى جيوب الخاطفين ، والبعض الاخر يذهب الى المدافعين المتواجدين على السواحل".

وطالما ظلت الصومال بلد الفرص المحدودة ، فإن تخلى القراصنة عن نشاطهم يصبح أمراً بعيد الاحتمال .