عش ولا تقل للموت (لا) مرتين غداً


أعتذر عن هذا العنوان الطويل السخيف، لكن هذه قصة من قصص جيمس بوند كما تعرفون، فلابد من هذه العناوين المتحذلقة المتظاهرة بالعمق والرومانسية.. يقول مؤلفا آخر فيلم لجيمس بوند إنهما صارا خبيرين بهذه العناوين وألفا الكثير منها.. مثلاً العنوان
Always is not forever again
عنوان مناسب جدًا لهذه الأفلام ومعناه العميق هو: دائمًا ليست للأبد ثانية.. وعنوان
Ice never melts
ومعناه: الثلج لا يذوب أبدًا.. ومن ضمن العناوين القوية التي فكرا فيها
عنوان الفيلم التالي
Sadam Hussein's robot alien monkey dinosaurs
قردة صدام حسين الديناصورات الآلية القادمة من الفضاء
طبعًا لن يفلت مشاهد واحد من فيلم كهذا..
********
القصة التي أقصها عليكم من قصص جيمس بوند، ولهذا لابد من مشهد افتتاحي ضخم ربما يفوق الفيلم ذاته
هوذا بوند يركب سيارته الصاروخية ويحاول الفرار من جيش كامل لدولة عربية.. في الماضي كان هؤلاء الأشرار من السوفييت أو الكوبيين عملاء السوفييت، ثم تلاشى الاتحاد السوفييتي فجأة في التسعينات.. مسكين بوند.. لا يوجد أعداء الآن
لابد من إيجاد عدو بأية طريقة.. هنا ظهرت نظريات هنتنجتون عن صراع الحضارة ونظريات إسبوزيتو عن الخطر الإسلامي.. كان هذا مناسبًا جدًا لأنه ألهم مؤلفي هذه الأفلام بالعدو الجديد.. العرب.. العرب الأشرار القساة الذين ملئوا هذه الأفلام حتى قبل أحداث سبتمبر
********
الآن بوند يندفع بسيارته بسرعة 500 كلم في الساعة، بينما تطارده جيوش تلك الدولة العربية بنفاثاتها الصاروخية وصواريخها ذات الرءوس النووية، مع الكثير من القنابل البيولوجية والكيميائية.. هناك بركان يوشك على الانفجار فيندفع بوند داخلاً في فوهته وسط الحمم
السيارة طبعًا تقاوم هذه الحرارة المرتفعة وكل الماجما التي بدأت تتحول إلى لافا.. يصيح أحد المطاردين العرب الملتحين ذوي النظرات النارية
ـ يبالا للح يبتج ضص
مامعنى هذا الكلام ؟
طبعًا لا معنى له.. فقط يوحي بأنه كلام بالعربية.. راجع مشهد الليبيين الذين يطاردون البروفسور في فيلم العودة للمستقبل وسوف تجدهم يقولون شيئًا لا معنى له لكن المشاهد الغربي سيفترض أنها كلمات عربية
********
تندفع المقاتلات العربية الحديثة نحو البركان.. إن العرب في هذه الأفلام يملكون التكنولوجيا والشراسة لكنهم لا يملكون براعة بوند.. في اللحظة التالية ينفجر البركان وتتناثر الحمم مرتفعة لأعلى لتذيب المقاتلات.. وتتناثر الشرارات المشتعلة في كل مكان
وبوند؟.. بوند يهبط إلى قاع البركان حيث ينتظره قطار أنيق مكيف.. في مقصورته الخاصة توجد شقراء رائعة وزجاجة شمبانيا وطبق من السلاطعين.. ما هي السلاطعين؟.. الكابوريا طبعًا يا أخي لكن أغلب هذه القصص يترجمها شوام، حيث السلاطعين والبندورة هما اسم اللعبة
تبدأ أغنية بلوز جميلة ويتوسط الشاشة اسم كابي بروكولي.. ليس البروكولي الذي تطبخه السيدة منى عامر ولكنه منتج أفلام بوند
********
الآن نرى بمرشح أزرق مونتاجًا لراقصة تقوم بأمور غريبة.. ترفع كفها ليهبط فوقه اسم الفيلم: عش ولا تقل للموت لا مرتين غدًا.. ثم تتمطى كالحمار فيهبط اسم البطل على ظهرها.. ثم تمد ساقها كالخنزير البري ليظهر اسم المصور.. لا بأس من حيل تروكاج تجعل الشاشة منقسمة وفي كل ركن جزء من الراقصة
وبعد؟.. كل هذا لا علاقة له بالقصة الأصلية التي تبدأ ببوند يدخل مركز القيادة.. يغازل السكرتيرة التي لم تزل تتمنى أن تتزوجه منذ عام 1961
يدخل إلى القائد الذي يهنئه بنجاح مهمة شيخ الصحراء ثم يكلفه بمهمة جديدة
لقد عاد الجنرال فيودوروف.. إنه جنرال سوفييتي عتيق من الحرس القديم لكنه يحاول أن يبيع صاروخًا نوويًا إلى العرب
تتساءل أنت في حيرة: ألم يكن العرب في بداية القصة مدججين بالسلاح النووي فما أهمية صاروخ واحد لهم ؟.. لكن لا بأس .. المهم أن يكون هناك
McGuffin
على رأي هتشكوك.. الدافع السردي الذي يحرك القصة للأمام
الجنرال (فيودوروف) له قاعدة في غابات الأمازون يخبئ فيها ذلك الصاروخ.. على بوند أن يذهب لتدميره
********
يوافق بوند على المهمة.. يسافر إلى البرازيل مارًا من تحت أنف دستة من العملاء والمتلصصين الذين يبلغون كل حركة من حركاته إلى الجنرال
ثم تظهر العميلة الحسناء ماريا وهي فتاة سمراء برازيلية تتوقف بسيارتها الرياضية جوار بوند وهو خارج من المطار، وتقول له: السماء لم تعد تمطر في بوينس إيرس
هذه هي كلمة السر.. هكذا يركب معها منطلقين إلى الفندق الفاخر الذي تقيم فيه.. جناح فاخر طبعًا.. وكما تقتل أنت بعض البعوض قبل أن تنام يقتل بوند ثلاثة من الخناقين الهنود المتوارين خلف ستار والحبال في أيديهم، ثم يلقي بمصارع سومو ياباني من النافذة، ويهزم خبير (كيك بوكس) كان يختبئ في الحمام، ويذبح قاتلاً مكسيكيًا يجيد قذف الخناجر.. هكذا صار الجناح نظيفًا صالحًا للنوم
تأتي العميلة الحسناء وتوشك على الكلام، لكن بوند يقاطعها وهو يخرج مسدسًا صغيرًا من جيبه: لا تبحثي عن المسدس فقد نشلته منك
تصاب بذعر وتتحول إلى نمر متوحش ... فيواصل بوند الكلام في ثقة: قلت لي إن السماء لا تمطر في بوينس إيرس.. هذا لأنك حمقاء.. نحن لسنا في الأرجنتين بل البرازيل.. معنى كلامك أنك لا تعرفين أي شيء عن أمريكا الجنوبية.. أنتي عميلة مزدوجة
في هذه اللحظة ينبعث غاز من المسدس الذي يحمله بوند.. فسسسسسس
تقول العميلة وهي ترفع حاجبًا مترًا عن مستوى الحاجب الآخر: ومعنى كلامك أنك لا تعرف أي شيء عن الجنرال فيودوروف.. هذا ليس مسدسًا بل قنبلة غاز، وكنت أعرف أنك ستسرقه
ينتشر الغاز ويسقط بوند فاقدًا وعيه.. أما هي فتفتح النافذة ليدخل الهواء ثم تنزع مرشح الغاز المثبت في أنفها وتشير لسبعة عشر رجلاً كي يدخلوا الجناح ويحملوا بوند
********
نحن الآن في قاعدة الجنرال فيودوروف وسط الأحراش
يفتح بوند عينيه ليجد أنه مقيد بالسلاسل وحوالي مائة حسناء يلعبن دور الحرس الخاص للجنرال
هناك ممرات واسعة جدًا من الفينيل وهناك مصاعد وأبواب أوتوماتيكية وأجهزة حاسب آلي وقطار كامل والسقف عبارة عن كاموفلاج للأدغال لابد أنه يخدع أية طائرة استطلاع.. باختصار تشييد هذا المكان اقتضى جهدًا ومالاً يفوق ما اقتضاه بناء مطار هيثرو في لندن.. هنا يأتي السؤال المهم: ماذا يريده الجنرال إذن؟.. بالتأكيد هو ملياردير بالفعل كي يشيد هذا كله فماذا يمكن أن يضاف له؟.. ولماذا لا يتقاعد ؟
قال الجنرال: بوند دائمًا في طريقي.. لكنك وقعت في الشرك هذه المرة
قال بوند في ثقة: كلهم يقول هذا يا جنرال
قال الجنرال ذو اليد الحديدية التي تعمل بكلابات، وهو يمضغ سيجارًا غليظًا: هل تعرف السبب في فشلهم معك؟.. السبب هو طريقتهم الاستعراضية السخيفة في القتل.. يربطونك إلى حبل معلق فوق بركان.. هذا الحبل يقرضه فأر مسعور.. والفأر موصل بسلك كهربي إلى دائرة زمنية، والدائرة الزمنية موصلة بزجاجة حمض يتفاعل مع النحاس.. والحمض موضوع في قنينة مائلة بسلك زنبركي موصول بفأر آخر.. وعلى الفأر الأخير أن يموت من الشيخوخة كي يسقط الحمض على السلك، من ثم تغلق الدائرة فتسري الكهرباء في جسد الفأر الأول فيجن.. من ثم يقرض الحبل وتسقط في البركان.. يراقب هذا كله حارس متخلف عقليًا.. هكذا لا تمر دقيقة إلا وتكون قد قهرت الحارس وقطعت الحبل وفررت.. أما أنا فأذكى من كل هؤلاء
قالها وهو يخرج مسدسًا ويصوبه نحو بوند: وداعًا يا مستر بوند
صاح (بوند) في ذعر: لكن هذه طريقة بدائية خالية من الفن، ثم أن القصة ستنتهي بهذه الطريقة ونحن لم ننه الفصل الأول
قال الجنرال في ثقة: لأنني قوي الشخصية وعملي جدًا.. ليس ما أريد هو الفن.. ما أريده هو الخلاص منك
فتح بوند فمه ليتكلم لكن أخرسته الطلقة الأولى.. فالثانية.. فالثالثة
وسرعان ما تدلى رأسه على صدره بعد أن فارق الحياة، وبرغم هذا فضل الجنرال أن يذيبه في الحمض على سبيل التأكيد
********
آسف جدًا لهذه النهاية السريعة.. من سوء حظكم أن بوند وقع للمرة الأولى في يد خصم يفكر بشكل منطقي عقلاني، وبهذا انتهت القصة قبل أن تبدأ