السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد كتب حوار هذه القصة باللهجة المصرية أرجو أن تروق لكن

تحياتى للجميع

****************




العــــزومة




انسابت دموعها غزيرة تغسل وجهها.. مسحتها بطرف كمها .. وأكملت تقطيع شرائح البصل التي اعتصرت عيناها دمعا.. فكرت لو أنها جاءت بإحدى الماكينات التي يعلنون عنها يوميا علي شاشة التليفزيون لتقوم عنها بتلك المهمة الدامعة وتريحها من هذا العقاب اليومي .. شردت بأفكارها وتخيلت نفسها وقد وضعت البصل داخل الماكينة ووقفت تتشفى به والماكينة تقطعه أربا في ثوانى دون أن تذرف هي دمعة واحدة.. انتبهت من أفكارها ونهرت نفسها لتفكيرها في تبديد ميزانية البيت .. هناك ما هو أهم .. عادت لإكمال مهمتها .. قبل أن يتناهى إلى سمعها صوت زوجها وهو ينادى عليها.. تركت ما بيدها وأسرعت إليه ..




بادرها قائلا :
- (ها يا كريمة .. إيه الأخبار؟ ..)
ردت بابتسامة لا تغيب عن وجهها السمين المتورد ..
- (كله تمام .. ما تقلقش يا سى حسين .. إن شاء الله هتبقى عزومة تشرفك قدام المدير والضيوف اللي معاه) ..
تنهد حسين بقوة قائلا:
-(ربنا يعديها على خير) ..
ازدادت ابتسامة كريمة اتساعا وهى تقول:
- (ما تشيلش هم يا اخويا .. كلها كام ساعة ويكون كل شيء جاهز وقبل الميعاد كمان) ..


بادلها حسين ابتسامة لم تخفى التوتر الذي يعتمل بداخله واتجه نحو الباب قبل أن يتوقف فجأة ويلتفت لكريمة قائلا :
- (ما قولتليش يا كريمة .. انتِ هتلبسى إيه إنهاردة؟) ..


شردت كريمة قليلا .. لم تفكر بهذا الأمر .. فقد انصب اهتمامها على أصناف الطعام التي ستعدها في العزومة .. انتبهت على نظرة زوجها التي تمسح جلبابها المزين ببقع السمن والصلصة وتفوح منه رائحة البصل القوية ..


ابتسمت بحرج وهي تقول:
-(لا إطمن خالص .. طب ده أنا عندي حته عباية كانت جايبهالى خالتي عديلة م الحجاز .. إنما إيه .. لسه بورقتها) .. اتسعت عينا حسين بشدة وهو يهتف
- (إيه .. عباية خالتكِ عديلة .. حرام عليكِ يا كريمة .. إنسي الحكاية دى خالص .. بلاش فضايح الله يخليكِ)


ثم مد يده في جيبه وأخرج بعض الأوراق المالية قائلا:
-(خدي دول.. وانزلي اشتريلك فستان عليه القيمة) ..
نظرت كريمة للنقود قائلة ..
-(ده كتير أوى يا سى حسين .. معقول أحط الفلوس دى كلها في حتة فستان .. مش البيت أولى برضه) ..
أجابها حسين
- (اسمعي الكلام يا كريمة.. إنتِ عارفة العزومة دى مهمة عندي إزاى .. لازم تظهري في أحسن صورة)..
أحنت كريمة رأسها في استسلام .. بينما توجه حسين خارج البيت ..


عادت كريمة إلى المطبخ .. وعقلها لا يكف عن التفكير .. كيف ستجمد كل هذا المبلغ في قطعة قماش قد لا ترتديها ثانية؟.. قالت فى نفسها .. ده البيت أولي ولا طلبات العيال وهو مصروف البيت يتحمل ده برضه .. وبعقليتها الاقتصادية البحتة رفضت تماما الفكرة .. وقررت البحث عن بديل .. ظل عقلها يعمل بمعزل عن يديها اللتين تعملان بجد ونشاط كبيرين وهى تصول وتجول بين أنحاء المطبخ .. مملكتها التي لا ينازعها على عرشها أحد.. فهي طاهية لا تنافس .. انهمكت في عملها تماما قبل أن تدوي صفارات الإنذار داخل رأسها.. فقد توصل عقلها لحل مشكلة الفستان ..


أسرعت كريمة بغسل يديها جيدا وهرولت نحو حجرتها .. فتحت خزانة ملابسها وبحثت بينها .. اصطدمت يدها بعباءة مزركشة بألوان عدة متشابكة بشكل عجيب .. ألقت عليها نظرة ومصمصت شفتيها قائلة
- (والله حلوة العباية .. دى من ريحة خالتي برضه .. أنا عارفة مش عاجباه ليه؟) .. هزت رأسها وأعادتها مكانها وأكملت بحثها حتى عثرت على ضالتها.. جذبت برفق القطعة المطوية بعناية من داخل الخزانة وتحسستها بسعادة كبيرة .. قامت بفردها ونظرت بتأثر لها وهى تقول:
-(يااااه .. لسه زى ما هو .. إزاى كنت ناسياك .. حقك عليّ).. ربتت على الثوب برفق وتأملته وذهنها يرحل بعيدا .. إلى اليوم الذي جاء فيه حسين لخطبتها.. وقدمت له صينية القهوة وهى ترتدي هذا الفستان .. لقد كانت فاتنة فيه حقا .. لابد أنه سيكون سعيدا عندما يعرف أنها حافظت عليه جيدا حتى اليوم.. توجهت نحو المرآة وهى تقيس الفستان بيديها على جسدها .. ولم يخف عليها الفرق الواضح جدا في مقاسه .. لقد كانت فيما مضى أكثر رشاقة بكثير ..أمسكت بالفستان تقلبه بين يديها وتبحث عن خيوطه .. واتسعت ابتسامتها عندما وجدت أن بإمكانها تعديل مقاسه .. أسرعت بلهفة نحو خزانتها وأخرجت أدوات الحياكة الخاصة بها لتنفيذ المهمة..


استغرق الأمر ما يقرب من نصف الساعة حتى انتهت كريمة من تعديل الفستان ليناسب حجمها الجديد.. وأمسكت به وهى فخورة بما صنعت .. وقامت لتقيسه أمام المرآة .. حشرت أجزاءها ببطء داخله.. وعانت كثيرا.. وأخيرا هي داخل الفستان.. وقفت تتطلع لصورتها في المرآة .. لقد تغير كثيرا .. أو بالأحرى تغيرت هي .. زاد وزنها وترهلت وأخذتها دوامة البيت والأولاد وشغلتها عن نفسها .. تنهدت بقوة .. وألقت نظرة أخرى على المرآة وتلفتت في كل الاتجاهات لتطمئن على حال الفستان .. ولكنه ما زال ضيقا وسيعوقها عن إكمال عملها .. واتخذت قرارها .. ستخلعه مؤقتا حتى يحين موعد الضيوف .. عاودت المعاناة حتى خلعته وتحرر جسدها منه .. قامت بتعليقه على المشجب وعادت إلى المطبخ ..


مرت نحو الساعتين قبل أن تنهى كريمة عملها تماما .. وابتسمت في ثقة وهى تلقى نظرة على الأصناف التي تراصت على المائدة في نظام جميل .. وروائحها تفوح في أرجاء البيت .. تناهى إلى سمعها صوت الباب وهو يفتح وصوت زوجها وهو يدعو الضيوف للدخول .. أسرعت كريمة إلى حجرتها .. وأخرجت الفستان من الخزانة والتقطت نفسا عميقا ثم ارتدته بحذر .. ألقت نظرة أخيرة في المرآة .. وصدرها منقبض من ضغط الفستان الضيق .. يجب أن تحذر جيدا لكل حركة.. لكن لا يهم .. يكفى أنها أنقذت ميزانية البيت من الدمار الذي كان سيلحق بها .. أليست ربة بيت مدبرة؟ .. رسمت على وجهها ابتسامة وهى تخرج من حجرتها لاستقبال الضيوف .. سلمت على الجميع بعبارات الترحيب التقليدية .. واصطدمت بنظرة دهشة في عيني زوجها .. ترجمتها هي إلى كونه سعيد برؤيتها في الفستان الذي رآها فيه للمرة الأولى .. اتسعت ابتسامتها وهى تدعو الضيوف إلى المائدة العامرة .. تقدموا نحوها وتبعتهم كريمة قبل أن يمسك حسين بيدها مرددا في دهشة
- (كريمة .. مش الفستان ده الــــ ....) قاطعته قائلة
- (مش وقته يا سى حسين .. شوف ضيوفك الأول) .. تنقلت كريمة بنشاط بينهم تداعب أذنيها عبارات المديح والثناء على طعامها الشهي .. والذي طغي على كل شيء .. وقد أيقنت كريمة بنجاح العزومة ..





إمضـــاء



زوجــة مدبــرة