دقت ساعة الحائط دقاتها الرتيبة معلنة انتصاف الليل.. تعلقت عيناها بعقارب الزمن وترددت الدقات طويلا فى أذنيها .. تجذبها إلى عالم من الهواجس والخيالات .. هزت رأسها بشدة لتنفى عنها ظنونها .. ذرعت الحجرة بخطواتها بين المدفئة القديمة والنافذة التي تنساب على زجاجها حبات المطر .. ألقت نظرة على الشموع التي التهمها الانتظار .. وأوراق الورد التي تدلت مشاركة الشموع لحظات الانصهار .. نقلت عينيها إلى الصورة المرتكنة على المدفئة والتي تجمعهما معا .. وتسجل لحظات سعادة رسمت خطوطها على وجهيهما بابتسامة مشرقة.. يبدو كما لو أن دهرا قد مر عليها .. ترى متى كانت آخر مرة جمعتهما لحظة سعادة كتلك التي فى الإطار؟ .. تنهدت فى نفسها .. وتنفست وحدتها .. لقد كانت تتمنى لو أن اليوم مختلف.. لو أنه تذكر أن اليوم مر على زواجهما خمس سنوات.. خمس سنوات مضت .. وهى تتجرع وحدتها وألمها فى صمت .. هو دائما مشغول بعمله .. كونه طبيب ناجح عليه أن ينقذ عشرات الأرواح كل يوم .. بينما تموت هي ببطء منذ سنوات خمس .. ترى هل شعر يوما بوحدتها دونه.. ودون قطعة منه تضيء ظلام حياتها وتؤنس وحدتها؟ ..هل قُدر لها أن تظل وحيدة ما بقى لها من سنواتها الجرداء؟ .. انسابت دموعها ببطء تبكى وحدتها فى هذا اليوم السعيد .. الحزين جدا .. بماذا تحتفل؟ .. بخمس سنوات ضائعة .. مريرة .. وحيدة .. أتشعل المزيد من الشموع لتبكى انصهارا.. وتبكى معها ألما ووحدة .. كم تشتاق لوجوده معها .. كم تتمنى لو وهبها الله طفلا منه .. يعيد الحياة لأيامها .. ويعود لها من أجله .. ويمحو من عينيه نظرات إشفاق عليها .. ويمحو من عينيها نظرات الانكسار .. غرقت فى أحلامها ودموعها .. حتى أفاقت على دقات الساعة من جديد .. تدوي حولها فى فراغ حياتها الكبير .. تذكرها بوحدتها .. انتفضت من داخلها .. صرخت فى الساعة أن تصمت .. لن تحتمل أكثر .. توجهت نحو الباب .. ما الذي تنتظره؟ .. ما الذي سيعيده إليها؟ .. لن تبقى فى بيته .. ستهرب بعيدا .. لن يفتقدها بأي حال ..

دارت بها الأفكار وهى تبتعد أكثر .. الهواء البارد يلفح وجهها .. يصفعها بشدة .. قاومته .. لن تعود .. كفى .. لن تقبع خلف النافذة تبكى مع المطر والشموع .. لن تعود .. زاد عصف الرياح .. أغمضت عينيها بشدة وأكملت الطريق بعناد و........ فجأة صك مسامعها صوت فرامل قوية لسيارة وصرير عجلاتها يشق صمت الليل .. تجمد إحساسها عند اصطدامها بالجسم المعدني البارد فى عنف .. قبل أن تسقط على الأرض الغارقة فى دموع المطر .. وتسكت الأفكار فى عقلها لتغرق فى الظلام .. ويصمت كل شيء




ظهرت بقعة ضوء بعيدة .. وأخرى هناك .. وأخرى.. فتحت عينيها ببطء .. وعاودت إغلاقهما .. فتحتها ثانية .. لفها إحساس غريب .. أين هي ؟ .. دارت عيناها حولها .. شعرت بجسدها ممدا على الفراش تحيط بها أسلاك غريبة .. تأوهت فى وهن وتلفتت حولها .. ووقعت عيناها عليه .. لم تصدق .. منحها ابتسامة رائعة .. تشبه تلك التي فى الإطار المرتكن على المدفأة .. كم افتقدتها .. دمعت عيناها وهى تقول " لمَ تأخرت؟ .. لقد بكت الشموع كثيرا وبكيت معها " قبل يدها قائلا: "حمد لله على سلامتكِ " نظرت إليه فى دهشة قبل أن تتذكر كل شيء .. المطر .. الرياح.. فرامل السيارة .. الاصطدام .. حاولت أن تقول شيء ما.. أسكتها بإشارة من يده قائلا: "أعتذر عن تأخري .. كنت أتمنى لو جئت مبكرا للبيت لنحتفل سويا .. قبل أن تقرري أنتِ أن تأتى إلى أولا " ابتسم وهو يزين إصبعها بخاتم جميل كان يتوسد العلبة الصغيرة الأنيقة الراقدة فى جيبه .. دمعت عيناها بشدة .. واحتبست الكلمات بداخلها .. مسح دموعها بيديه فى حنان .. خنقتها العبرات وهى تردد " لم آتيك بهديتك " اتسعت ابتسامته أكثر وانحنى على يديها يقبلها وهو يقول " يا حبيبتي .. لقد جئتينى بأجمل هدية .. كنت أشتاقها كثيرا .. شكرا لكِ يا حبيبتي " و خفض عينيه مرددا "وشكرا له أو لها " نظرت إليه بعينين ذاهلتين .. وازداد خفقان قلبها بشدة .. أحقا؟ .. هل ستمنحها الحياة السعادة أخيرا .. هل سيأتي من يملأ فراغ حياتها .. انسابت دموعها أكثر .. مسحها بيديه وهو يردد " لن تبكى بعد اليوم .. سأمنحكِ السعادة فى كل لحظات حياتكِ يا حبيبتي " رسمت ابتسامة على وجهها وقلبها يخفق حبا .. ولاحت منها نظرة إلى النافذة المجاورة لفراشها والتي ينساب علي زجاجها المطر وخُيل إليها للمرة الأولى أن حبات المطر تبتسم لها ..


إمضاء
زوجة وحيدة