...قولين كل منهما تتفرع منه أقوال: أحدهما: أن الرجال الذين هم على الأعراف رجال قلت حسناتهم عن سائر أهل الجنة فاستوت حسناتهم وسيئاتهم؛ لأنه إذا وزن أعمال الجميع بالميزان المتقدم في قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ من ثقلت حسناته على سيئاته بقدر صؤابة وهي بيضة القملة؛ دخل الجنة. وكذلك من ثقلت سيئاته على حسناته فخفت كفة حسناته بقدر ذلك؛ دخل النار.
ومن اعتدلت سيئاته وحسناته فلم ترجح كفة السيئات ولم ترجح كفة الحسنات؛ لأن آحاده قابلت عشراته, فلم يكن هنالك رجحان لهذه ولا هذه. فهؤلاء هم أصحاب الأعراف على قول جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم, وممن صرح بهذا عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان عبد الله بن عباس رضي الله عنهم.
فعلى هذا مدار هذه الأقوال راجع إلى هذا القول سواء قلنا ما قاله بعضهم: من أنهم رجال جاهدوا في سبيل الله فنهاهم آباؤهم, فعصوا آباؤهم وعقوهم بالخروج وقتلوا في سبيل الله, فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول النار, ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة؛ فكانوا على الأعراف. وكذلك قول من قال: إنهم بروا آباءهم وعقوا أمهاتهم أو بالعكس؛ فمنعهم بر الأمهات من النار, ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة إلى نحو هذا من الأقوال, فمداره راجع إلى شيء واحد, كما روي مصرحا به عن عبد الله بن مسعود أنه الوزن, وأن من ثقلت موازينه دخل الجنة, ومن خفت موازينه دخل النار, ومن اعتدلت موازينه فلم ترجح إحدى الكفتين على الأخرى كان على الأعراف.
أقوال العلماء تدور على هذا. وعلى هذا القوال فأصحاب الأعراف أقل عملا من غيرهم من أهل الجنة؛ لأن لهم سيئات ثبطتهم عن دخول الجنة ولهم حسنات منعتهم من دخول النار؛ وعلى هذا فهم أقل مرتبة من أهل الجنة الذين دخلوها. وقال بعض العلماء كما سيأتي في أنهم إذا دخلوا الجنة تلقى في كل واحد منهم شامة بيضاء يعرف بها, وقال بعضهم: يقال لهم مساكين أهل الجنة لأنهم آخر الداخلين فيها.
سواء قلنا إن الأعراف هو أعالي السور المذكور وشرفاته, أو أنه مرتفعات فوق الصراط كما قاله بعض العلماء. وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل درجة من أهل الجنة.
وذهب قوم إلى أن أصحاب الأعراف من أعظم درجات أهل الجنة, فزعم بعضهم أنهم ملائكة, وزعم بعضهم أنهم الشهداء.
وزعم بعضهم أنهم خيار أهل الجنة من العلماء العاملين والأتقياء الكرام أنهم جاءوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع, وما سار إليه أهل النار وأهل الجنة.
والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافا كثيرا بعضهم يقول: ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله: رِجَالٌ ؛ لأن الملائكة لا يسمون رِجَالٌ واحتجوا بقوله: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا أنهم في صفة الرجال أو أنهم أنبياء أو أنهم الشهداء إلى غير ذلك. وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن, كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة؟ فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة, وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم, كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ولم يقولوا: يدخلكم الجنة قالوا: فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه؛ كان جزاؤهم غفران الذنوب, والإجارة من العذاب الأليم.
قالوا وربما سمى الله الجن رجالا أيضا كقوله: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ وقد قدمنا أن التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كالمؤمنين من الإنس, وأنه دل عليه بعض الآيات كقوله مخاطبا الجن والإنس معا: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ثم بيَّن شمول الوعد بهاتين الجنتين للإنس والجن معا فقال بعده: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وهو خطاب للإنس والجن بالإجماع كما بينا.
وقول من قال: إن أصحاب الأعراف من أعظم أهل الجنة رتبا, أو أنهم ملائكة لا يتجه كل الاتجاه؛ لأنه يشير إلى عدم اتجاهه قوله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ على التحقيق من أنها في أصحاب الأعراف؛ لأن الملائكة وخيار أهل الجنة لا يناسب أن يقال فيهم وَهُمْ يَطْمَعُونَ وإن احتج من قال هذا بأن العرب قد تطلق الطمع على اليقين إلا أنه ليس بالإطلاق المعروف المشهور الذي يجب حمل القرآن عليه.
وأقوال العلماء في هذا كثيرة أظهرها الذي عليه الجمهور من الصحابة فمن بعدهم -أن أصحاب الأعراف أنهم رجال منعتهم حسناتهم من دخول النار, ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة, ولم يكن هنالك رجحان للحسنات على السيئات, ولا للسيئات على الحسنات, وظاهر القرآن أنهم كلهم ذكور؛ لأنه قال رجال ولم يقل نساء.
والمقرر في الأصول أن لفظة الرجال لا يدخل فيها النساء. وقال بعض العلماء: إذا ذكر الرجال فلا مانع من دخول النساء بحكم التبع, و.. لهذا بأن العرب تسمي المرأة رجلة, وتسمية المرأة رجلة لغة صحيحة معروفة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
كــل جــار ظــل مغتبطــا
غـيـر جـيـران بـنـي جبلـة
مـزقـوا ثـوب فـتــاتـهـم
لـم يـراعـوا حـرمـة الرجلـة
يعني المرأة.
وقوله: وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ جملة حالية. يَعْرِفُونَ كُلًّا التنوين تنوين عوض كلا من أهل الجنة وأهل النار بِسِيمَاهُمْ السيما في اللغة العلامة التي يميز بها الشيء عن غيره؛ فسيما أهل الجنة ابيضاض الوجوه ونضرة النعيم والحسن, وسيما أهل النار اسوداد الوجوه والقبح وتشويه الخلق لأكل النار لهم والعياذ بالله: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ .
ثم بين الله أن أصحاب الأعراف ربما نظروا تارة إلى الجنة, وربما أجبروا إلى النظر إلى أهل النار؛ لأن منظر النار فظيع جدا لا ينظر إليه أحد باختياره ولذا قال: وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إذا نظروا إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم؛ حيوهم تحية كريمة نادوهم من مكانهم: أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ومعنى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ؛ سلمتم من جميع الآفات, وصرتم في مأمن من كل ما يؤذي.
وهذه تحية الإسلام السلام عليكم؛ لأن السلام معناه السلامة من كل الآفات عَلَيْكُمْ وهي أحسن تحية يحيى بها تحية الإسلام, أحسن من تحيات الجاهلية, وتحايا الملوك؛ فأحسن تحية هي تحية الإسلام: السلام عليكم, معناه سلمكم الله من جميع الآفات, ومن كل شيء يؤذيكم. وكان الجاهلية يحيون فيقولون: حياك الله, وحياك الله وأطال الله حياتك؛ ولذلك قيل للسلام تحية؛ لأن التحية مصدر حياه يحيه تحية؛ أصلها تحيية؛ لأن المقرر في فن التصريف أن فعَّل مضعفة العين إذا كانت معتلة اللام ينقاس مصدرها على التفعلة كزكاه تزكية, ونماه تنمية, وحياه تحيية إلا أن الياء أدغمت في الياء, فقيل تحية.
ومعنى حياك الله: أطال الله حياتك, ومطلق الدعاء بطول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأن الإنسان قد تكون حياته تعسة نكدة يتمنى أن يستريح منها بالموت, فرب حياة يفضل صاحبها عليها الموت, كما قال بعض المتأخرين:
ألا مــوت يـبــاع فـأشـتريـه
فهـذا العـيش مـا لا خـير فيـه
ألا رحـم المهيمـن نـفـس حــر
تصــدق بالـوفــاة على أخيـه
فهذا يريد من يتصدق عليه بالموت تفضيلا لها على حياته, ومنه الأبيات المعروفة قيل إنها للأعشى ميمون بن القيس وقيل لغيره:
الـمـرء يـرغـب فـي الحيـاة
وطـول عيـش قــد يضــره
تفنــى بشـاشـته ويبـقــى
بـعـد حـلـو الـعيـش مـره
وتـســوءه الأيـــام حتـى
مـا يــرى شـيئـا يســره
كـــم شــامــت بــي إذ
هلكــت وقـائـل للــه دره
فالشاهد أن حياك الله أي أطال الله حياتك؛ طول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قلقة يتمنى أن يموت, فالموت خير منها كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها: أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه, فيتمنى كل المنى أن يكون مكانه ميتا قلقا من حياته, وإيثارا للراحة منها من كثرة الفتن والعياذ بالله. هذا معنى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ؛ أي سلمكم الله سلاما.
فالسلام اسم مصدر سلم, وقد تقرر في علم العربية أن فعّل مضعفة العين قياس مصدرها التفعيل إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزة, فالقياس في مصدرها التفعلة, ويكثر إتيان الفعال بدلا من التفعيل اسم مصدر, كما تقول: سلم عليه سلاما أي تسليما, وكلمه كلاما أي تكليما, وبين له الأمر بيانا؛ أي تبيينا, وطلق امرأته طلاقا أي تطليقا. ومنه السلام لأنه مصدر سلم فمعنى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ سلمكم الله من جميع الآفات وهذه تحية عظيمة.
وإنما ساغ الابتداء بالنكرة هنا؛ لأنها في معرض الدعاء وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ هذه كاللواتي قبلها التي ذكرنا احتمال كونها مخففة من الثقيلة, أو أنها تفسيرية. فعلى أنها مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن المستكن, وخبرها جملة المبتدأ والخبر.
وعلى أنها تفسيرية فهي بمعنى أي وما بعدها يفسر ما قبلها، وضابط أن التفسيرية هي أن يتقدمها معنى القول وليس فيه حروف القول, والمنادى التي تقدمتها فيها معنى القول, وليس فيها حروف القول. هذا معنى أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ .
أظهر التفسيرين في قوله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ أنه واقع على أصحاب الأعراف, ولا محل للجملة من الإعراب على أصح القولين.
فكأن سائلا سأل قال: ما شأن أصحاب الأعراف هؤلاء الذين يحيون أهل الجنة, ويخاطبون أهل النار؟ ما قصتهم وما شأنهم؟ فأجيب بقوله: لَمْ يَدْخُلُوهَا لم يدخلوا الجنة بالفعل وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها في ثاني حال طمعا منهم في رحمة ربهم وفضله جل وعلا. وهذا هو أصح التفسيرين خلافا لمن قال: إن الأعراف أنها شرفات عالية فوق الصراط، مرتفعات في الصراط عليها هؤلاء الرجال, تمر بهم زمر الجنة وزمر أهل النار.
فإذا رأوا زمر أهل الجنة عرفوهم بسيماهم, وحيوهم وقالوا لهم: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا ؛ يعني أي أهل الجنة الذين هم مارون بأهل الأعراف وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها؛ لأنهم ذاهبون إليها. هذا القول قال به جماعة من علماء التفسير, والأول أظهر منه. ومعنى يَطْمَعُونَ الطمع هو تعلق النفس وأملها في الحصول على الشيء, وهذا معنى قوله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ والأول أظهر من الثاني.
ثم قال تعالى: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ معناه قلبت عيونهم تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ إلى جهة أصحاب النار, ومقابلتهم حتى يروهم, والعبارة بقوله: صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم, وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختيارا لشدة الهول وفظاعة الأمر والعياذ بالله.
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ أي قلبت أبصارهم تجاه أهل النار, ونظروا ما هم فيه من العذاب والعياذ بالله, وما هم فيه من سوء الحال واسوداد الوجوه وتغيير الخلقة وإحراق النار لهم؛ تعوذوا بالله من النار ومن شرها وتضرعوا مرتجئين إلى الله ألا يجعلهم من أهل النار، قالوا: ربنا يا خالقنا وسيدنا ومدبر شئوننا أعذنا من النار. لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ؛ أي لا تصيرنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ؛ يعنون أصحاب النار.
وقد قدمنا أن القوم اسم جمع لا واحد له من لفظه يطلق في أصل الوضع العربي على خصوص الذكور, وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع, والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ فعطفه النساء على قوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع, ومن ذلك قول زهير
وما أدري وسـوف إخـال أدري
أقـوم آل حصــن أم نســـاء
فجعل النساء غير قوم. والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع قوله تعالى في ملكة سبأ بلقيس وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ فصرح أنها مِنْ قَوْمٍ دخلت في اسم القوم بحكم التبع. معنى الظَّالِمِينَ قد قدمنا أن الظلم يطلق على الكفر, وهو أعظم أنواعه؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وأنه يطلق على ظلم دون ظلم كظلم المسلم لنفسه, والظاهر أنهم يعنون الكفار, والكفار هم رؤساء الظالمين كما قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ وقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقال جل وعلا: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قال: بالشرك, وقد قدمنا أن كل من وضع شيئا في غير موضعه فقد ظلم.
وأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير الخالق؛ لأن أكل الإنسان رزقه ونعمه وتقلبه في فضله، وهو يعبد غيره -وضع للعبادة في غير موضعها. وذلك معروف في كلام العرب, فكل من وضع شيئا في غير موضعه تقول له العرب ظالما, وقد ذكرنا مرارا أنهم يسمون الذي يضرب لبنه قبل أن يروب ظالما؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده, فهو ضرب في غير موضعه فهو ظلم, وهذا معروف في كلامهم.
وفي لغز الحريري في مقاماته: هل يجوز أن يكون الحاكم ظالما؟ قال: نعم، إذا كان عالما. يريد أن القاضي إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من أن يستقضى إذا كان من أهل العلم, وهو معروف كثير في كلام العرب. ومنه قول الشاعر:
وقـائلـة ظلمـت لكـم سـقـائي
وهـل يخفى علـى العَكـد الظليـم
والعكد عصب اللسان, ويروى على العُكد الظليم.
ومنه قول الآخر في سقاء له من اللبن صبه وسقاه قومه قبل أن يعود:
وصاحب صـدق لـم تردني شكاته
ولم ترو في ظلمي لـه عامدا هجـر
ومنه قيل للأرض التي حفرت وليست محل حفر: مظلومة, وقيل للتراب الذي يستخرج من حفر القبر: ظليم؛ لأنه وضع حفر في غير محل الحفر، لم يحفر قبل هذا ولم يكن معهودا لأن يحفر لاستخراج ماء ونحوه. ومن إطلاقه على الأرض التي حفرت وليست محلا للحرف قول نابغة ذبيان
إلا الأواري لأيــا مــا أبينهـا
والنؤي كالحـوض بالمظلومة الجلـد
أي في الأرض المظلومة المحفور فيها وهي ليست محلا للحفر؛ لأن الحفر وضع في غير موضعه, وهذا هو المعنى الصحيح خلافا لمن زعم أن المظلومة هي التي تأخر عنها المطر, ومنه قيل لتراب القبر: ظليم؛ لأن حفره ليس في محل الحفر عادة قبل ذلك. منه قول الشاعر يصف ميتا مدفونا في قبره مردودا عليه تراب القبر:
فـأصبح فـي غـبراء بعد إشاحة
من العيـش مـردود عليها ظلميهـا
وهذا معنى معروف في كلام العرب.
فأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير موضعها وهو الكفر بالله وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفيه ظلم دون ظلم كالذي يطيع الشيطان ويعصي الله معتقدا أنه فاعل معصية وأنه مرتكب قبيحة؛ لأن هذا من عصاة المسلمين الذين إن شاء الله غفر لهم, وقد ذكرنا أن الظالم لنفسه من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة؛ لأنه يخلط العمل الصالح والعمل السيئ, فقد يتوب الله عليه.
ومعنى قوله: لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ؛ أي لا تصيرنا مع أهل النار في ذلك العذاب الشديد والإهانة العظيمة والعياذ بالله, وهذا معنى قوله: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات؛ قرأه قالون عن نافع والبزي عن ابن كثير وأبو عمرو في جميع الروايات ( تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ ) بحذف إحدى الهمزتين مع المد بناء على أن المحذوفة الأخيرة, ومع عدم المد بناء على أن المحذوفة الأولى.
وقرأه ورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير ( تلقاء أصحاب النار ) بمد الثانية همزا للأولى ومدها نظرا للساكن بعدها. وقرأه بقية القراء السبعة وهم حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ
ولم يأت مصدر على التفعال بكسر العين إلا التلقاء والتبيان. أما غير ذلك من المصادر فهو بالفتح في كل شيء كالتسيار والتذكار والتطواف. أما الأسماء فهي تأتي كثيرا على تِفْعَال كتقفار, وما جرى مجراه كما هو معروف في علم العربية.
قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثم بين جل وعلا أن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار ويوبخونهم, وظاهر القرآن أنهم يعرفونهم في الدنيا؛ فيعرفونهم في النار بسيماهم؛ فينادونهم ويوبخونهم وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا ؛ يعني من أهل النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وبخوهم وقالوا لهم: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ماذا نفعكم به؟
العرب تقول: أغنى عنه الشيء يغني إذا نفعه, والاسم من هذا يسمى غَنَاء؛ لأن العرب تسمي النفع غَناء, وتسمي المطرب الخبيث غِناء, وتسمي الإقامة غَنَى بفتحتين. فالمادة موجودة منها خمس لغات: وهي الغِناء بالكسر والمد, والغَنَاء بالفتح والمد,والغِنَى بالكسر والقصر, والغَنَى بالفتح والقصر, والغُنَى بالضم والقصر كلها موجودة في اللغة, ولم يوجد منها الغُنَاء بالضم فالمد، هذا ليس بموجود في العربية.
أما الغِنَى بالكسر والقصر فهو ضد الفقر, وأما الغِنَاء بالكسر والمد فالمراد به المطرب قبحه الله, وأما الغَنَاء بالفتح والمد كسحاب فهو النفع، ومنه قول الشاعر:
بتحقيق الهمزتين. والتلقاء مصدر معناه أن يكون الشيء جهة الشيء الذي يتلقى منها. قـل الغَنـاء إذا لاقى الفتـى تلفـا
قـول الأحبـة لا تبعـد وقـد بعـد
وقول هبيرة بن أبي وهب على إحدى روايات بيته:
وقفت فلمـا خفت ضيعة موقفي
................................
لعمـرك مـا وليـت ظهري محمدا
وأصحابـه جبنـا ولا خيفـة القتـل
ولكـنني قلبت أمـري فلـم أجـد
لسيفي غنـاء إن ضربت ولا نبلـي
أي نفعا... فالغَنَاء النفع, ومن الغَنَاء بمعنى النفع قولهم: فلان لا يغني شيئا؛ أي لا ينفع بشيء, مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ؛ أي ما نفعكم بشيء هذا من هذه المادة. أما الغُنَى بالضم والقصر فهو جمع غُنية، والغُنْية ما يقتنيه الإنسان فيستغني به عن الناس. وأما الغَنَى بالفتح والقصر فهو مصدر غني بالمكان يغنى به غنى على القياس إذا أقام به ومنه قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ؛ أي كأن لم تقم بالأمس, فهذا معنى لغة هذه المادة وتصاريفها في لغة العرب.
والمعنى مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ما نفعكم في شيء ولا دفع عنكم شيئا. وقوله جَمْعُكُمْ هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال, وما كنتم تتخذونه من الجمع المؤيد من الأولاد والأعوان, كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يغن عنكم شيئا. لم ينفعكم في شيء، ولم يدفع عنكم شيئا؛ إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله.
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ما مصدرية؛ أي ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين،لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئا؛ لأنكم صرتم إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون رؤساء بأسمائهم فيقولون: يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا فلان بن فلان يا عتبة بن ربيعة يا فلان بن فلان مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ توبيخا وتقريعا لهم والعياذ بالله.
وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم في النار. وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار, ولا مانع من أن الله يطلع من في الجنة على من في النار كما سيأتي في قوله: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات. لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها, والمفسرون يبسطونها ويشرحونها إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعول عليها, إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف؛ زعموا أنه كان رجلان...

الشيخ عبدالله الجبرين