بسم الله الرّحمن الرّحيم


- الإخلاص و الاتّباع -


الغيرة على جناب التّوحيد


بقلم فضيلة الشّيخ :


عبد المالك بن أحمد بن المبارك رمضاني الجزائري


- حفظه الله و رعاه -



إخلاص الدّين لله هو أصل الدّين و قطبه الذي تدور عليه رحاه ، و هو التوحيد الذي أرسل الله به الرسل ، و أنزل به الكتب ، و إليه دعا الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ، و عليه جاهدوا ، و به أمروا ، و فيه رغّبوا .

قال الله تعالى : { فاعبد الله مخلصاً له الدّين ألا لله الدّين الخالص } .

و التوحيد بمثابة الجذور من الشجرة .

قال ابن القيّم رحمه الله تحت عنوان : " شجرة الإخلاص " :

" السّنة شجرةٌ و الشّهور فروعها ، و الأيّام أغصانها ، و السّاعات أوراقها ، و الأنفاس ثمرها ، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيّبة ، و من كانت في معصية فثمرته حنظل .

إنّما يكون الجَدَاد
(1) يوم المعاد ، فعند الجداد يتبيّن حُلوُ الثّمار من مُرّها .

و الإخلاص و التوحيد شجرة في القلب ، فروعها الأعمال ، و ثمرها طيبُ الحياة في الدّنيا و النّعيم المقيم في الآخرة ، و كما أنّ ثمار الجنّة لا مقطوعة و لا ممنوعة ، فثمرة التوحيد و الإخلاص في الدّنيا كذلك .

و الشرك و الكذب و الرّياء شجرة في القلب ، ثمرها في الدّنيا الخوف و الغمّ و ضيق الصّدر و ظلمة القلب ، و ثمرها في الآخرة الزّقّوم و العذاب المقيم ، و قد ذكر الله هاتين الشّجرتين في سورة إبراهيم "
[ الفوائد ( ص : 214 ) ] .

قلتُ : يريد قول الله عز و جلّ : { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها و يضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتذكّرون و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضلّ الله الظّالمين و يفعل الله ما يشاء } ، و فيها دليل واضح على أنّ الإصلاح يبدأ بالتوحيد ، و ينتهي بالتوحيد ، و يركّز فيه بين ذلك على التوحيد .

و اهتمامات الناس تتفاوت ، و إنّما تُعلم منهم عند حشرجة الروح ، و في وصيّة الميّت للحيّ .

فمنهم من يوصي زوجته بماله ، و منهم من يوصي حبيبه بوظيفته و سلطانه ، و منهم من يوصي ولده بإخوانه ... و أفضلهم من يوصي العبد بربّه ، و لذلك كان التوحيد وصيّة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام عند موتهم ، قال الله تعالى : { و وصّى بها إبراهيم بنيه و يعقوب يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدّين فلا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق إلهاً واحدا و نحن له مسلمون } (2).

و لهذا كان الدعاة إلى التوحيد أفضل الدعاة و أشرفهم ، لأن الدعوة إلى التوحيد هي دعوة إلى أعلى درجات الإيمان ، فعن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال : " الإيمان بضع و سبعون شعبة ، فأفضلها لا إله إلاّ الله ، و أدناها إماطة الأذى عن الطّريق ، و الحياء شعبة من شعب الإيمان " رواه مسلم .

قال النووي رحمه الله : " و قد نبّه صلى الله عليه و سلم على أنّ أفضلها التوحيد المتعيّن على كل أحد ، و الذي لا يصحّ شيء من الشُّعب إلاّ بعد صحّته " [ صحيح مسلم بشرح النووي ( 1 / 280 ) ] .

إنّ غيرة المؤمن على دين ربّه عزّ و جلّ من أن يُنقض بناقض ، أو أن يُخدش بخادش ، لدليل على حياة قلب صاحبه ، لأنّ الرسول صلى الله عليه و سلم قد أخبر بموت قلب من لم يغضب لحرمات الله حين تنتهك : لا بقلبه و لا بلسانه و لا بيده ، فقال : " فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، و من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، و ليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل " [ رواه مسلم ] .

و إنك لترى من الدعاة من تَحمَدُ غيرته على دماء المسلمين حين تراق ، و على المسكرات حين يُتّخذ منها الشراب و التّرياق ، و على أعراض المسلمين حين تُنتهك بفاحش الفعل و القيل ، و على أنفسهم حين تُدنَّس بباطل الإثم ، و الله يقول : { ذلك و من يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه } ، و أعظم الحرمات عند الله هو جناب التوحيد ، و بقدر إخلاص المؤمن لربّه بقدر ضيق صدره بمظاهر الشرك إذا رآها ، لعلمه بأنّ التوحيد أعظم حقوق الله ، و أنّ الله يحبّ أن يرى عبده على هذا الثغر أكثر من غيره ، قال الله تعالى : { يا أيّها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } ، و يقابله صدور أقوام شديدة الحَنَق على المعاصي ، إلاّ أنها تكون أبرد ما تكون إذا رأت جناب التوحيد يُعتدى عليه ، و هذا من أمارات عدم الصّدق و ضعف الإخلاص في القلوب ، و منهم من لا يكاد يَعرفُ من التوحيد أو حقوقه إلاّ مسأله الحاكمية ، فتراه عندها حاميَ الأنف ، شديد البأس ، فإذا ذُكر توحيد العبادة و توحيد الأسماء و الصفات لم تسمع له إلاّ همساً .

ولمّا كان الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أكثر الناس إخلاصاً حكى لنا القرآن إجماعهم على عدم السكوت على جناب التوحيد ، بتقريره و بإنكار ما ينقضه ، و من ذلك قوله تعالى : { و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلاّ أنا فاعبدون } ، و هو الثغر الذي لم يتخلّف عنه واحد منهم ، و لا اختفت دعوته عن أمّة من الأمم ، كما قال تعالى : { و لقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت } .

و على هذا ، فإنّ جميع الدّعوات القائمة على دعوى الإصلاح ، و التي لا تركّز على التوحيد ، و لا تنطلق منه ، يصيبها من الانحراف بحسب بعدها من هذا الأصل العظيم ، كالذين أفنوا أعمارهم في إصلاح معاملات الخلق فيما بينهم ، و معاملتهم للخالق أي معتقدهم فيه مجانبٌ لهدي السلف الصالح .

أو كالذين أفنوا أعمارهم في مصاولة أنظمة الحكم بغية إصلاح الناس من طريقها ، أو بمعالجة أنواع من السياسات للانقضاض على سلطانها ، و لا يكترثون لفساد عقيدتهم و عقيدة مدعُوّيهم !

فكيف إذا كانوا – لأسباب حزبيّة – يعتبون على الدعاة إلى التوحيد بزعم أنّ ذلك يضيّع الوقت على أمّة قد تكالب عليها الأعداء من كلّ مكان ! و يشنّعون على المدافعين على جناب التوحيد بزعم أنّ ذلك يفرّق المسلمين و لو لم يجمعهم إلاّ عبادة الأوثان ! و يسمّون الذّبّ عن حقّ الله بغير اسمه للتّنفير منه ، فيقولون : ( مهاترات كلاميّة ! ) ، أو ( مناقشات بيزنطيّة ) ! نعوذ بالله من سخطه.

هذا ناهيك عمّن يدعو إلى عقيدة فاسدة و يشنّع على مخالفيه ، فإنّه لا مجال للتّعرّض له ههنا ، لأنّ أساسه فاسد .

و لهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يؤكّد على الدّعاة الاهتمام بهذا الأمر و البَدءَ به ، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : " إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ، و أنّ محمداً رسول الله – و في طريق : فليكن أوّل ما تدعوهم إليه عبادة الله - - و في أخرى : أن يوحّدوا الله – فإن هم أطاعوك لذلك – و في رواية : فإذا عرفوا الله - ، فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم و ليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك فإيّاك و كرائم أموالهم ، و اتّق دعوة المظلوم ، فإنّه ليس بينها و بين الله حجاب " [ رواه البخاري و مسلم ] .

و هذا الحديث العظيم لم يترك لمُنتَصب للدعوة خياراً ، قال الله عزّ و جلّ : { و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضلّ ضلالاً مبينا } [ الأحزاب : 36 ] .

و ما بال الناس يَعجَبون من هذه الأوّلية ، و حقّ الله في أن يُعبد وحده أحقّ ما اشرأبّت إليه الأعناق و لهجت به الألسن ؟ فهذا حقّ الله الخالص ، فكيف هان على أرباب المناهج الدعوية اليوم ؟ أليس حقّ الله أحقّ ما فُتحت له الأبواب ، و فُسحت له الرّحاب ؟! .

قال ابن القيم رحمه الله : " التّوحيد مفتاح دعوة الرّسل ..." و ذكر حديث معاذ السابق [ مدارج السالكين ( 3 / 434 ) ] .

قال الشيخ مبارك الميلي رحمه الله : " فلا ترك النبيّ صلى الله عليه و سلم التّنديد بالأصنام و هو وحيد .

و لا ذهل عنه و هو محصور بالشّعب ثلاث سنوات شديدات .

و لا نسيه و هو مختف في هجرته ، و العدوّ مشتدّ في طلبه .

و لا قطع الحديث عنه و هو ظاهر بمدينته بين أنصاره .

و لا غلق باب الخوض فيه بعد فتح مكّة .

و لا شُغل عنه و هو يجاهد و ينتصر و يكرّ و لا يفرّ .

و لا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرير عرض البيعة على التوحيد و نبذ الشرك .

و هذه سيرته المدوّنة ، و أحاديثه المصحّحة ، فتتبّعها تجد تصديق ما ادّعينا ، و تفصيل ما أجملنا "
[ رسالة الشرك و مظاهره ( 19 ) ] .

ثمّ هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يَبلُغه – أيّام قوّة التوحيد و عزّ الإسلام – أنّ صنماً يُعبد باليمن يُدعى ذو الخلصة ، فيقضّ ذلك مضجعه و يغتمّ له قلبه ، فيُرسل إليه واحداً من أهل اليمن ، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ألا تُريحني من ذي الخلصة ؟ ... " [ رواه البخاري و مسلم ] .

قال ابن حجر عند قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ألا تُريحني " :

" المراد بالرّاحة راحة القلب ، و ما كان شيء أتعب لقلب النبيّ صلى الله عليه و سلم من بقاء ما يُشرك به من دون الله تعالى "
[ الفتح ( 8 / 72 ) ] .

فكيف استراحت قلوب دعاة يعلّمون الناس الزّهد أو الأخلاق أو السياسة أو غيرها في مساجد بُنيت على أضرحة ، و لا يحرّكون ساكناً ، بل ربّما تحرّك ساكن من غيرهم غيرة على جناب التوحيد ، فقاموا مشاغبين : يفرّق الأمّة ! متسرّع و ليس بحكيم ! سلم منه الشّيوعيون و لم يسلم منه الصّالحون حتى و هم موتى ... !

فأين الإخلاص ؟! و أين هم أهله ؟! و أين الذين جعلوا غضبهم يشتدّ بقدر غضب الله ؟! فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يُعبد ، اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد " [ رواه مالك ( 414 ) ، و عبد الرّزّاق ( 406 / 1 ) ، و ابن سعد ( 240 / 241 / 2 ) ، و صحّحه ابن عبد البرّ في التّمهيد ( 42 / 5 ) ، و الألباني في تحذير الساجد ( ص : 26 ) ] .

إنّ الولاء لله عزّ و جلّ يعني أن تَغضَبَ لغضبه و تَرضَى لرضاه ، و هذا التوحيد الذي توالي فيه ، و هذا الشرك الذي تعادي فيه ، ينبغي أن يصحبك طول حياتك .

و مهما بلغت الأمة من الوعي فيه و الاستجابة له مبلغ الكمال ، فإن النقصان وارد على البشر جدّا ، و شرّ النقصان نقصان الإخلاص و اضمحلال التوحيد ، و لذلك لم يسكت النبيّ صلى الله عليه و سلم عن التنديد بالشرك حتى في أُخرَيات أيّامه ، و قد بلغت الأمّة آنذاك أَوجَ قوّتها في توحيد ربّها و وحدة صفّها ...

فعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يموت بخمس و هو يقول : " إنّي أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ، فإنّ الله قد اتّخذني خليلاً ، كما اتّخذ إبراهيم خليلاً ، و لو كنتُ متّخذاً من أمّتي خليلاً اتّخذتُ أبا بكر خليلاً ، ألا و إنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد ، فإنّي أنهاكم عن ذلك " [ رواه مسلم ] .

و من الغريب أن قوماً ادّعوا احتكار الحكمة لأنفسهم ، و كان من حكمتهم – فيما زعموا – تأخير الدّعوة إلى التوحيد حتّى يقبلهم الناس ، و تأخير النهي عن الشّرك كيلا ينفر عنهم الناس ، و من سوء حظّهم ، أنّ الله تعالى وصف عبده لقمان بالحكمة فقال : { و لقد آتينا لقمان الحكمة } ، و كان من حكمته ما قصّه الله علينا في كتابه أنّ أوّل شيء بدأ به دعوته هو التحذير من الشرك ، فقال : { و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بنيّ لا تشرك بالله إنّ الشّرك لظلم عظيم } .

فأيّ الفريقين أحقّ بالحكمة عن كنتم تعلمون ؟!

و على من اختارهم الله للدعوة على سبيله – ممّن يقرأ كلمتي هذه – أن يبلّغوا دين الله مُركّزين على التوحيد ، و ذلك بعد أن يتعلّموه من مصادره العتيقة التي دوّنها سلفنا الصالح ممّن لا يُختلف في علمهم و تقواهم إن شاء الله ، لأنّه لا يصلح أن يدعوَ إلى التوحيد من يجهله ، و لا من لا يفرّق بينه و بين الشّرك ، قال الله تعالى : { وادع إلى ربّك و لا تكوننّ من المشركين } ، فمن فعل هذا فليبشر بالتّوفيق .





************

(1) الجدادُ : قطف الثّمر .
(2) انظر : " تخريج الوصايا من خبايا الزوايا " لصدّيق حسن خان ( 74 ) .




مجلّة منابر الهدى السّنة الثّانية - العدد الثّالث - محرّم / صفر 1422ه .