أحكام الأطعمة

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما فيه مصلحة ودرء ما فيه من مفسدة، ومن ذلك إباحة الأطعمة الطيبة وتحريم الأطعمة الخبيثة.

وفي هذه المادة ذكر لقواعد هامة بشأن حل أو حرمة المأكولات من الحيوانات، بالإضافة إلى مسائل وأحكام يكثر السؤال عنها.

ثماني قواعد في أحكام الأطعمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.

في هذه الليلة المباركة نستمع إلى الإمام البخاري في كتاب الأطعمة؛ وهو كتاب عظيم، وكتاب مهم لكل مسلم يريد الله والدار الآخرة، وقبل أن نؤصل أصولاً، ونقعد قواعد في هذا الباب، نحب أن نستمع أنا وإياكم إلى أحاديث من صحيح البخاري ثم نبدأ بالشرح.

يقول رحمه الله تعالى بعدما أن ذكر السند: وعن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: {غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أو ستاً كنا نأكل معه الجراد }.

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: {نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن في المدينة فأكلناه }.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: {رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجاً }.

وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع }.

هذه الأحاديث هي التي صحت عند البخاري في كتاب الأطعمة، وإلا فالأحاديث التي صحت في هذا الكتاب كثيرة جداً، ونحن نستعرضها مع كثير من الآيات في باب الأطعمة، ولا بد للمسلم أن يعرف هذه الأحكام، ماذا يأكل من الأطعمة؟ ما هي الأطعمة المحرمة والمباحة والمكروهة؟ وليكن في ذلك ثمان قواعد لا بد أن تعرف:

الأولى: المحرمات التي نص الله عليها في كتابه، أو نص عليها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته الطاهرة.

الثانية: المباحات التي نص عليها الله عز وجل في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: المكروهات من الأطعمة.

الرابعة: المضطر. متى يباح للمضطر أن يأكل غير باغٍ ولا عادٍ؟ وما معنى (غير باغٍ ولا عاد)؟

الخامسة: ذوات السموم، وحكم أكلها، وتناول شيء منها.

السادسة: ما فيه ضرر على الجسم كالحجارة والتراب والطين والفحم.

السابعة: الحيوان البحري، وموقفنا من صيد البحر، وحيوانات البحر، وما يعيش في البحر.

الثامنة: حكم اللحوم المستوردة؛ المعلبة وما أتت طازجة وغير ذلك.

هذه ثمان مسائل عليها مدار الأطعمة، وما يتحدث أهل العلم في مسألة ألا وتدخل ضمناً تحت قاعدة من هذه القواعد، ولا بد من تقعيد هذا الباب وغيره؛ لأن هناك شتات بين المسائل، سوف نستمع إليها، وإذا لم نضبطها بقواعد الأصول؛ فسوف تتسرب علينا ولا يكون عندنا حبل يجر لنا تلك المسائل، ويقيد لنا تلك الشوارد.

اعلموا -بارك الله فيكم- أن هذا الباب من الأطعمة اختلف فيه أهل العلم اختلافاً ظاهراً، ولذلك يقول ابن تيمية في المجلد الواحد والعشرين من فتاويه : تساهل أهل المدينة -الإمام مالك ومن معه من علماء المدينة - في الأطعمة حتى توقف الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه في الكلب أهو حلال أم حرام؟ ومنهم من قال: يؤكل الثعلب وهي رواية للشافعي ذكرها صاحب فقه السنة ، وتساهل أهل العراق وخاصة أهل الكوفة بالأشربة حتى أباحوا شرب النبيذ الذي يبقى لثلاث ليال، قال ابن تيمية : وتوسط أهل الحديث ومنهم الإمام أحمد فأخذ بالأشربة برأي أهل المدينة ، وأخذ في الأطعمة برأي أهل الكوفة . فلنستمع الآن تفاصيل هذه المسائل:......


شرح الآية الجامعة للمحرمات




أولاً: المحرمات.

حرم الله تبارك وتعالى أموراً على العموم وحرم أموراً على الخصوص، قال سبحانه وتعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] فهذا تحريم وتحليل على العموم، يدخل في هذا التحليل آلاف الأشياء من الطيبات، ويدخل في التحريم آلاف من الخبائث: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

كثير من المأكولات ما وردت في القرآن: كالتفاح والبرتقال وكل هذه الفواكه والخضروات أين نجعلها؟ هل ننتظر نصاً من القرآن أو من السنة حتى نقول: هذا حلال وهذا حرام؟ لا، بل هي تحت قاعدة حل الطيبات، أما الدخان والشيشة وما يجري معها من الخبائث فإنها توضع تحت قاعدة: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

لكن الآن نأتي إلى التفصيل في الكتاب والسنة:

قال سبحانه وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3].

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] الميتة المقصود بها هنا: ما تؤكل ولو كانت ذكيت حلت، أما ميتة الحرام فإنها حرام سواء ذكيت أو لم تذكَ، فمن سمى على الكلب الميت وذبحه واستقبل به القبلة فهو حرام سواء ذكاه أو لم يذكه، وكذلك الخنزير، والحمار، فمن قدم حماراً ميتاً وسمى الله عليه فهو حرام ولو ذكاه بالسكين، إنما المقصود بالميتة هنا: ما كانت تؤكل لو كانت مذكاة.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] أي: ما ماتت من نفسها دون ذكاة، وسوف يأتي شيء عن أحكام الذكاة، ولو أنه ليس بابها هنا؛ لكن لضرورة هذا البحث؛ أورده إن شاء الله.

وَالدَّمُ [المائدة:3] الدم هنا المقصود به: المسفوح؛ لأنه قيد في آية أخرى في الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

والدم المحرم هنا هو الذي يخرج عندما تذبح الذبيحة؛ فيهراق ويسيل بكثرة ويتدفق، هذا هو الدم الحرام، أما الدم الذي يأتي مع الذبيحة إذا طبختها، ويطفو على القدر؛ فلا بأس به فهو حلال، قالت عائشة فيما أثر عنها: [[كنا نرى خيوط الدم على ظهر القدر فنأكله ]] وهذا ليس مسفوحاً، كذلك الدم الذي يخرج من الذبيحة بعد ذبحها وبعد أن يخرج منها الدم فينزل عليك منها قطرات فهذا ليس مسفوحاً، لكن لا بأس أن يتطهر منه للتأذي ولكراهته فقط.

أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ [المائدة:3] فالخنزير ذكي أو لم يذك حرام.

وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة:3] من ذبح عند قبر؛ يتوسل به إلى صاحب القبر، ويعتقد أنه ينفع أو يضر، فهذا مشرك؛ ذبيحته لا تؤكل، ولو قرأ عليها القرآن كله، ومن ذبح لولي من الأولياء أو شيخ من المشايخ أو صوفي من الصوفية أو رئيس من الرؤساء، أو ملك من الملوك؛ يعتقد نفعه أو ضره؛ فذبيحته حرام لا تؤكل؛ ولو سمى عليها بأسماء الله التسعة والتسعين.

وَالْمُنْخَنِقَةُ [المائدة:3] المنخنقة: هي التي اشتدَّ عليها الخناق بحبل أو بغيره حتى أزهقت نفسها؛ فماتت من غير تذكية، فهذه محرمة.

وَالْمَوْقُوذَةُ [المائدة:3] الموقوذة: هي التي ضربت بمثقل أو بشيء ثقيل ليس بحاد، كحجر مجموع، أو كقطعة حديد، ضربت به في رأسها ووقذت وماتت، فهذه محرمة.

وَالْمُتَرَدِّيَةُ [المائدة:3] المتردية: هي التي سقطت من علو أو من مكان عالٍ فوقعت فماتت قبل التذكية؛ فهذه تحرم، إلا أن يدركها المسلم وبها حياة فيذكيها فهي حلال.

وَالنَّطِيحَةُ [المائدة:3] الشاة أو الكبش أو غيرها مما أحل الله من أنواع الحيوانات؛ تنتطح مع أختها وزميلتها؛ فتموت؛ فهي محرمة إذا لم يدركها المذكي.

وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [المائدة:3] السبع إذا اعتدى على شاة فأكلها فماتت وبقي منها شيء؛ فهي حرام إلا أن يذكيها صاحبها قبل أن تموت، كأن يأخذ منها الذئب بنابه، أو يأخذ منها الأسد بمخلبه، فتدركها أنت وهي حية فتذبحها فلا بأس بها.

إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3] النصب: الأصنام والأوثان، والأمكنة التي يتبرك بها أهل البدع، فالذبائح التي تذبح فيها حرام بنص كتاب الله عز وجل، إذا كان يذبح في مكان فيه عبادة بدعية، أو فيه صنم أو وثن فالذبيحة محرمة، وكذلك إذا ذبحت في مكان فيه عيد من أعياد المشركين؛ كأن يكون المشركون وأهل البدع يتعارفون أن هذا المكان عيد من أعيادهم؛ فلا تأكل من هذه الذبائح التي ذبحت في هذا المكان.

وهذه الآية في المائدة وهي من أطول الآيات التي جمعت المحرمات.

وأما الآية الأخرى: قوله سبحانه وتعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الأنعام:145] وهنا ذكر الدم وزاد صفة المسفوح ثم قال: أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145].......