هل يجوز المفاضلةُ بيْنَ نبيٍّ ونبي؟!!.. وما حُكْمُ ذلِكَ؟!





حُكمُ المفاضلةِ على سبيلِ التخصيصِ : النهيُ ... فلا يجوز المفاضلةُ بيْنَ نبيٍّ ونبي ... وإن كانَ هناكَ بعْضُ التفصيلِ نتعرّضُ له فيما يلي.




نهى رسولُ اللهِ صلى اللهٌ عليْهِ وسلّمَ عن التفضيلِ على سبيل التخصيص .. فلا يجوزُ المفاضلةِ بيْنَ نبيٍّ ونبي على وجْهِ التخْصيصِ (فاضل ومفضول) , وهذا صريحُ نص السنة الصحيحة التي وردت بالنهي ... وقد أغنى الله نبينا المصطفى صلى الله عليه و سلم بالفضائِل والفواضلِ , بما لا يحتاج معه أن يُقارنَ بغيره , فإياك أن تتقرب إليه صلى الله عليه و سلم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن ...


بينما يجوزُ التفضيلُ على سبيلِ العموم كأن يقال محمد صلى الله عليه وسلم أشرَفُ الخلْقِ ,وسيدُ ولدِ آدم ... فهذا مجمع عليْهِ معلوم من الدينِ بالضرورة .... وعليْهِ إجْماعُ الأمةِ سلفِها وخلفها .. ونعْلَمُ يقيناً فضْلَ الرسولِ على النبي , وفضْلَ ابراهيمَ عليْهِ السلام بعد رسولِ الله صلى اللهُ عليْهِ وسلّم , وفضْلَ أولي العزْمِ على غيرِهِم من الرُّسُل.





أما نصوص النهيِ عن تعيين المفضول " النبي أفضل من النبي كذا ":


1- فقد ثبُت في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله"[1]


2- وثبت أيضا في حديث أبي سعيد المتفق عليه: "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة"[2] الحديث


3- وفي رواية: "لا تفضلوا بين أنبياء الله" .. " لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات و من في الأرض إلا ما شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي و لا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى "[3].


4- وفي رواية: "لا تخيروني من بين الأنبياء" .






الجمْعُ بيْنَ قوله صلى الله عليْهِ وسلّم "أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر" , وقولهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلّمَ "لا تخيروني من بين الأنبياء"


ومع ذلِكَ النهي الصريحِ ... إلا أن هناكَ أقوامٌ اسْتَشْكلوا الجمْعَ بيْنَ قولِ النبيِّ صلى اللهُ عليْهِ وسلّم "أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر" , و قول الله تعالى "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ " , مِن جهةٍ , وبينَ وبين قول الله تعالى "لا نفرق بين أحدٍ من رسله" , و قولهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلّمَ"لا تخيروني من بين الأنبياء" ..... فخرجوا من حلِّ هذا الإشْكال إلى آراء :

أ ) بعضهم أجاز المفاضلةَ مُطْلقاً (عموماً وخصوصاً بالتعيين ) بدعوى نسْخِ النهيِ بلا علمٍ ولا نصٍ أو دليل ... وفيهِ نظر

ب) وبعضهم منع المفاضلةَ مُطْلقاً (عموماً وخصوصاً )مع الإعتِقادِ بالأفضلية دون التعرض لها (ابوالعباس القرطبي)

ج) وفريقُ على نهي رسولِ الله عن المفاضلة بالتخصيصِ والتعيين , وإن أجازوها في حدودٍ :

1- فمنهم من أجازها إذا دُفِعَ توهُّمُ النقْصِ بيْنَ الفاضِلِ والمفْضولِ.

2- ومنهم من أجازها إذا لم يكُن المقامُ مقامَ جدلٍ أو مخاصمة أو عصبية أو قولٍ بالرأي والهوى.

3- ومنهم من أجازها إن لم تكُن المفاضلةُ في الأعمال ومقامِ النبوةِ .

4- وأن تكونَ المفاضلةُ فيما ثبُتَ بالنصِّ مما منحهم الله وشرفهم به من فضائِلَ ... كأفضلِيّةِ أولي العزم .. أو أفضلِيّةِ نبي اللهِ ابراهيم بأن اتخذه الله خليلا ... أو تفضيلُ المسيحِ بكلامِهِ في المهْدِ ... أو أن تفضيلُ النبي بما أعطِيَ من فضائِلَ لم يُعْطَها غيْرُه ... وذلِكَ قولُ اللهِ تعالى {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } (253 )


ونخْتِمُ هذه الرسالة والرد على هذا التعارُضِ المزْعومِ بقوْلِ الشوْكانِيِّ رحِمَهُ الله:

" القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية وليست بمعلومة عند البشر فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلا وهذا مفضولا لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها فإن ذلك تفضيل بالجهل وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له وهو ممنوع منه فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك ؟

وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه :
فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضّل بعض أنبيائه على بعض والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه فمن تعرض للجمع بينهما زاعما أنهما متعارضان فقد غلط غلطا بينا .... وقد أغنى الله نبينا المصطفى صلى الله عليه و سلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل فإياك أن تتقرب إليه صلى الله عليه و سلم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن" ( الإمام الشوكاني "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" 1/406


وسيأتي تفصيلُ كُلِّ ما سبقَ في الرسائِلِ التالية ....
أخيراً بقِيَ أن نُبيِّنَ أن في الحديثِ في المفاضلة مع أهلِ الكِتابِ مقامات .. فقَدْ يَكُونُ:

1- ببيان فضله صلى الله عليه وسلم وصلاحِهِ .... إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ من غير ملة الإسْلامِ ويَدَّعِي أَوْ يَظُنُّ فَسَادَهُ

2- ومقامٌ يجِبُ فيهِ بيانُ أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ بالتنظيرِ من كُتُبِهِم أو كتبنا بدفْعِ شبهاتِهِم .

3- و مَقَامٍ يُدْفَعُ بِهِ شُبْهة ويُبَيِّنُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ .

4- و مَقَامٌ نُبَيِّنُ صِدْقَهُ وَصِحَّةَ رِسَالَتِهِ .

5- ومقامٌ نُبَيِّنُ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فخْر .




وهكذا يتنوع الخِطاب بِحَسَبِ حَالِ الْمُخَاطَبِ .