السؤال
ما حكم الإسلام في غسيل الأموال؟

الجواب
الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن غسيل الأموال أو تبييضها اصطلاح عصري، يدل على الاقتصاديات السوداء، ويقصد به: إضفاء صفة القبول قانونيًّا لأموال متحصِّلة من طرق ممنوعة قانونيًّا، كالأموال المتحصلة من التجارة في الأسلحة غير المرخَّصة، أو المخدرات، والرِّشوة، والاختلاس ... إلى غير ذلك من الطرق الممنوعة، وذلك بتوظيفها في الأنشطة التجارية الجائزة قانونيًّا، أو خلطها بأموال أخرى من مصدر مسوح به؛ لمحاولة إخفاء المصدر الحقيقي لها؛ خروجاً من المساءلة القانونية، بتضليل الجهات الأمنية والرقابية.


وهذه المصادر الممنوعة قانونيًّا منها ماهو مباح في الأصل؛ كبيع السلاح، وإنما يمنعه القانون والأنظمة لأمور أمنية تعود لظروف البلد نفسه، فغسيل أموال هذه المصادر يختلف باختلاف الحكم على بيع السلاح؛ فإن كان في بلد يحكِّم شرع الله، ورأى وليُّ الأمر منع بيعه لما يترتب عليه من مفاسد، فإنه يحرم بيعه، وإلا فالأصل الإباحة.

ومن هذه المصادر ماهو محرَّم شرعًا كالمخدِّرات، والرشوة، والاختلاس ونحوها، فغسيل الأموال العائدة منها حرام شرعًا.

هذا والسبب في تحريم غسيل الأموال المحرَّمة شرعًا: أنه من فعل أصحاب الحيَل؛ حيث إنهم يعمدون إلى الأحكام؛ فيعلقونها بمجرد اللفظ, ويزعمون أن الذي يفعلونه ليس هو الشيء المحرم, مع أن العقل يعلم أن معناه معنى الشيء المحرم.


ولا شك أن إضفاء المشروعية على الأموال الحرام - بتبييضها - لا يحلُّها؛ لأن كسب المال بطرق غير مشروعة مجمعٌ على تحريمه، ومن حاول تغيير ذلك الوصف الشرعي وقع في إثمين؛ الأول: اكتساب المال الحرام، والثاني: الخديعة والكذب، بإخفاء مصدر تلك الأموال، فالفرع تابعٌ للأصل، كما هو معلوم.


أما الأدلة على تحريم كلا الأمرين – الكسب المحرم والتبييض - فأكثر من أن تحصر في هذا المقام، ونكتفي بذكر بعضها:
فمنها قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ} [الأعراف:157]، وقوله: {وَلا تَيَمَّمُوا الْـخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]، ولا شك أن غسيل الأموال المحرمة من الخبيث إذ هي نتاج ما تولدت عنه، وهي محرمة في الأصل وإذا سقط الأصل – وهو الكسب المحرم - سقط الفرع، وهو غسيل الأموال.
وقال تعالى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}[البقرة:188]، فقوله تعالى: {بِالْبَاطِلِ} يعنى: الحرام، وهو ينقسم إلى:
محرم لعينه: كالخمر، ولحم الخنزير.
محرم لوصفه: كالربا.
محرم لكسبه: كالغصب.

وتبييض الأموال يدخل في الأقسام الثلاثة؛ قال الإمام القــرطبي في تفسيره "الجامع لاحكام القرآن": "والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق؛ فيدخل في هذا القمار، والخداع، والغُصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرَّمته الشريعة - وإن طابت نفس مالكه - كمهر البغي أو حُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك". وقال في موضع آخر: "أجمع أهل السنة على أن من أكل مالاً حراماً، ولو ما يصدق عليه اسم المال، أنه يفسق".


ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم؛ فجملوها؛ فباعوها))، وزاد أبو داود: ((وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه))؛ وهذا الحديث الشريف نصٌ في إبطال كل حيلة يتوصل بها إلى استباحة محرَّم، حتى ولو غير اسمه، ومن ذلك غسيل الأموال؛ قال الخطابي: "في الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم; فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه".


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أن اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها، على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم؛ فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم, ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك؛ لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم؛ ثم - مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين - لعنهم الله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الاستحلال؛ نظراً إلى المقصود, وأن حكمة التحريم لا تختلف، سواء كان جامداً أو مائعاً, وبدل الشيء يقوم مقامه، ويسد مسده".


وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ، وبظاهر من القول، دون مراعاة المقصود للشيء المحرم، ومعناه، وكيفيته، لم يستحقوا اللعنة؛ لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجملة عن أن يكون شحماً, وصار ودكاً, كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً، عند من يستحل ذلك; فإن من أراد أن يبيع مئة بمئة وعشرين إلى أجل، فأعطى سلعة بالثمن المؤجل، ثم اشتراها بالثمن الحال, ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما, وإنما هي - كما قال فقيه الأمة -: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة; فلا فرق بين ذلك وبين (مئة بمئة وعشرين درهماً) بلا حيلة ألبتة, لا في شرع، ولا في عقل، ولا عرف". وهذا الكلام الماتع ينطبق على غسيل الأموال تماماً.


ومنها ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها))؛ قال شيخ الإسلام: "وإنما أتي هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم, ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بعينه شبهة اليهود في استحلال بيع الشحم بعد تجميله, واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد، بما أوقعوها به يوم السبت في الشباك والحفائر، من فعلهم يوم الجمعة, حيث قالوا: ليس هذا بصيد، ولا عمل في يوم السبت، وليس هذا باستباحة الشحم ... فظهر بهذا أن القوم الذين يُخسف بهم ويُمسخون، إنما يُفعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد، الذي استحلوا به المحارم بطريق الحيلة؛ فأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء, ولذلك مُسخوا قردة وخنازير, كما مسخ أصحاب السبت؛ بما تأولوا من التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم.

ومنها تحريم الشرع لبيع العِينَة، الثابت في حديث ابن عمر عند أبي داود؛ فإن العِينَة عند مستعملها تسمى بيعاً، وهي في حقيقة الأمر ربا.

ومن هذا الباب أيضاً تسمية الرشوة باسم هدية؛ فتبديل الناس للأسماء لا يوجب تبديل الأحكام, كتسمية الأوثان آلهة؛ قال شيخ الإسلام: "وبالجملة من تأمل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ناهياً عنه مما سيكون في الأمة من استحلال المحرمات, بأن يسلبوا عنها الاسم الذي حرمت به, وما فعلته اليهود علم أن هذين من مشكاة واحدة, وأن ذلك تصديق قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لَتتبعن سَنَن من كان قبلكم))؛ وعلم بالضرورة أن أكثر الحيل من هذا الجنس، لا سيما مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلون محارم الله بأدنى الحيل)).


وعليه فتبيض الأموال المكتسبة من المصادر المحرمة من الحيل المحرمة شرعاً؛ لما فيه من الخديعة وأكل الحرام، ويجب التخلص من الأموال العائدة منها، بوضعها في مصالح المسلمين. والله أعلم.