حال أطفال المسلمين ، وأطفال الكافرين .
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " أتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصبي من صبيان الأنصار ، فصلى عليه ، قالت عائشة : فقلت : طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوء ، ولم يدركه . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « أو غير ذلك يا عائشة . خلق الله عز وجل الجنة وخلق لها أهلاً ، وخلقهم وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلاً ، وخلقهم قي أصلاب آبائهم » رواه مسلم وغيره .

قال النووي ـ رحمه الله ـ : « أجمع من يعتد به من علماء المسلمين ، على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة . والجواب عن هذا الحديث ، أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل ، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة » .

وقال السندي ـ رحمه الله ـ في حاشيته على سنن النسائي بجواب خلاصته : « أنه إنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين ، قال : ولا يصح الجزم في مخصوص ، لأن إيمان الأبوين تحقيقاً غيب ، وهو المناط عند الله تعالى » .

وقد أخذ بعض أهل العلم من قتل الخضر الغلام ، أن أطفال المسلمين لا يحكم لهم بجنة ، ولا بنار ، حيث أن الغلام الذي قتله الخضر في النار ، ولهذا قتله . وأبواه مؤمنان ، والله أعلم .

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « ذرا ري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ » رواه احمد (2/326) ، وابن حبان (1826) ،والحاكم (2/370) وإسناده حسن .

انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/153) حديث رقم (603) .

فالحديث يدل على أن أطفال ( ذراري ) المسلمين في الجنة .


قال الإمام احمد ـ رحمه الله ـ : « أطفال المسلمين لا يختلف عليهم أحد أنهم في الجنة » . كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ( 673 ) .


أما أطفال المشركين :

فقد أختلف الناس فيهم إلى ثمانية مذاهب ذكرها الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين من ص ( 674 وحتى ص 697) ، وذكر أدلة كل مذهب ، وهذه المذاهب هي :

(1) الوقف فيهم .

(2) أنهم في النار .

(3) أنهم في الجنة .

(4) أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار .

(5) أنهم تحت مشيئة الله تعالى .

(6) أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم .

(7) أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا يفرون عنهم بحكم في الدارين ، فكما هم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة .

(8) أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ، ويرسل إليهم هناك رسول ، وإلى كل من لم تبلغه الدعوة ، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار .

وهذا القول الأخير هو الذي مال إليه ابن القيم ـ رحمه الله ـ ورجحه .

قال ـ رحمه الله ـ : « وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة ، وبعضهم في النار . وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها ، وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال : « الله أعلم بما كانوا عاملين » يظهر حينئذ ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلوماً علماً خارجياً لا عماً مجرداً ، ويكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد رد جوابهم إلى علم الله فيهم ، والله يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومة منهم ، فالخبر عنهم مردود إلى علمه ومصيرهم مردود إلى معلومة .

وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضاً ، فمنها :

ما رواه الإمام أحمد في مسنده ، والبزار ـ أيضاً ـ بإسناد صحيح .

فقال الإمام احمد : حدثنا معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن الأحنف بن قيس ، عن الأسود بن سريع ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع ، ورجل هرم ، ورجل أحمق ، ورجل مات في الفترة . أما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق فيقول : رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل ، وأما الذي في الفترة فيقول : رب ما أتاني رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه . فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا . والذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً » .

قال معاذ بن هشام : وحدثني أبي ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، بمثل هذا الحديث ، وقال في آخره : « فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها رد إليها » ......

قال الحافظ عبد الحق في حديث الأسود : « قد جاء هذا الحديث ، وهو صحيح فيما أعلم .... » إلى أن قال ـ رحمه الله ـ : « فإن قيل : قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال : أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب ، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء ، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟ فالجواب عليه من وجوه :

( أحدها ) أن أهل العلم لم يتفقوا عل إنكارها بل ولا أكثرهم ، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم .

( الثاني ) أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث ، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث .

( الثالث ) أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام ، ولهذا رواه الأئمة احمد ، وإسحاق ، وعلي بن المديني .

( الرابع ) أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة ، وقالوا : لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار . ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف .

( الخامس ) ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ؛ في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إليها ، أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذي يعطيه ، وأنه يخالفه ويسأله غيره ، فيقول الله تعالى : « ما أغدرك » وهذا الغدر منه هو لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه .

( السادس ) قوله : وليس ذلك في وسع المخلوقين . جوابه من وجهين :

أحدهما : أن ذلك ليس تكليفاً بما ليس في الوسع ، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة ، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل ، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه ناراً .

الثاني
: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم ، وكانت برداً وسلاماً ، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع .
( السابع ) : أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه ، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعاً ، فكيف ينكر التكليف بدخول النار في رأي العين إذا كانت سبباً للنجاة ؟ كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سبباً كما قال أبو سعيد الخدري : « بلغني أن أدق من الشعرة وأحد من السيف » رواه مسلم ، فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار ، ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة ، والله أعلم .

( الثامن ) : أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان : فمن سلك طريق المشيئة المجرة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف ، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقاً للحكم ، بل الأدلة الصحيحة تدل على أته مقتضى الحكمة كما ذكرناه .

(التاسع ) أن في أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به ، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه . فكيف يقال أنه ليس في الوسع .

فإن قيل : فالآخرة دار جزاء ، وليست دار تكليف ، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف ؟ فالجواب : أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار ، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف . وأما في عرصة القيامة فقال تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) [القلم : 42] فهذا صريح في أن الله يدعوا الخلائق إلى السجود يوم القيامة ، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك ، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حساً عقوبة لهم ، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم ، ولهذا قال تعالى : ( وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) دعوا إليه في وقت حيل بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ « أن ناساً قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا » فذكر الحديث بطوله ، إلى أن قال : « فيقول تتبع كل أمة ما كانت تعبد فيقول المؤمنون : فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ، ولم نصاحبهم . فيقول : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً ـ مرتين أو ثلاثاً ـ حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون نعم . فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون روؤسهم » وذكر الحديث .

وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة ، فمن أجاب في الدنيا طوعاً واختياراً أجاب في البرزخ ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ ، ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحاً ، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية ، لأنه مكلف وقت القدرة وأبى ، فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة . والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار .

وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح ، وفيه التكليف في عرصة القيامة . فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة .

فعلم أن الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول ، والله أعلم .

وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن أشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون في يوم القيامة تراباً .

وقد نقل عن ابن عباس ، و محمد بن الحنفية ، والقاسم بن محمد ، وغيرهم ، أنهم كرهوا الكلام في هذه المسألة جملة » .

انتهى كلام الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ .


وسمعت شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في الجامع الكبير عام 1403 هـ يوم الخميس يقول جواباً على سؤال وجه له في هذا الموضوع : « إذا مات الإنسان انتهى عمل الشيطان ، وجاء دور الملائكة من الأسئلة ، والامتحان ، وغير ذلك . والطفل الكافر إذا مات مع أهله ، فإنه لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، حاله كحال أهله . ولكن لا يحكم له لا بجنة ، ولا بنار ، لأن الله سبحانه أعلم بما كانوا عاملين » . أهـ

والله تعالى أعلم



__________________