الصحة النفسية.... وأهميتها للإنسان...!

يتميز هذا العصر الذي نعيشه بشدة التعقيد،وبالتغيرات السريعة والتوترات والضغوط النفسية وطغيان المادة على القيم والمعايير الاجتماعية مما يشكل جوا ملائما لزيادة الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية والانحرافات السلوكية،ويجعل كل ذلك من موضوع الصحة النفسية موضوعا ذا أهمية كبيرة،فالصحة النفسية تهم كل إنسان في المجتمع ويشترك في دراستها الطبيب وعالم التربية وعالم النفس والباحث في ميادين الخدمة الاجتماعية سعيا للوقاية من مظاهر الاختلال في الصحة النفسية،وإيجاد العلاج له،ورغبة في الاستمتاع بالحياة والشعور بالرفاهية والسعادة وتحقيق معدلات افضل في الإنتاج بشتى جوانبه.
ويفسر علم النفس الصحي،بأنه الدراسة العلمية للصحة النفسية وهو يستهدف مكافحة الاضطرابات النفسية والعقلية بمختلف أنواعها وأشكالها ودرجاتها إلى جانب الضعف العقلي، ولهذا العلم جوانبه النظرية والتطبيقية والوقائية.
أما الجانب النظري،فيهتم بمعرفة الكيفية التي ينمو بها السلوك السوي،والعوامل التي تجعله ينحرف عن مساره ويخرج إلى حدود اللاسواء أو الانحراف وربما يتمثل هذا الجانب في علم نفس الشواذ.
اما الجانب التطبيقي فيهتم بالاستفادة من القوانين التي يصل إليها الجانب النظري في تقديم العون والدعم إلى المرضى وتقديم العلاج المناسب لهم،وربما يتمثل هذا الجانب اكثر ما يتمثل في علم النفس الإكلينيكي(الصحي).
أما الجانب الوقائي،فيهتم في تقديم الاستشارة لمن يحتاجها،ومساعدة الأفراد على مواجهة المشكلات التي تقابلهم سواء في المجال الأسرى أو المجال المهني أو المجال الاجتماعي،وبمعنى آخر فإن هذا الجانب من الصحة النفسية يتعامل مع الأسوياء(العاديين) ويساعدهم في مواجهة مشاكلهم حتى لا تتحول هذه المشكلات في حالة الفشل في مواجهتها إلى ضغوط وتوترات على الأفراد،قد تتكاثف مع عوامل أخرى لتخرجهم من مجال السواء إلى مجال اللاسواء،ويتمثل هذا الجانب الوقائي للصحة النفسية في علم النفس الإرشادي.
تعريف الصحة النفسية:
يمكن حصر تعريفات الصحة النفسية في اتجاهين رئيسيين هما:
1-الاتجاه السلبي:
يقول أصحاب هذا الاتجاه أن الصحة النفسية هي الخلو من الأعراض المرضية وتكمن الصعوبة في هذا التعريف في عدم اتفاق العلماء على أنواع النشاط التي يقوم بها الفرد والتي تعتبر منافية للصحة النفسية السليمة.
القائلون بهذا التعريف يدافعون عنه بقولهم:إن الحالة النفسية لا تصبح شاذة إلا حين تبلغ درجة شديدة في انحرافها،ويرون ان تعريف الصحة النفسية بانتفاء الحالات المرضية ليست بدعة جديدة في الفكر الإنساني،فكثيرا ما عرف الخير بأنه انتفاء الشر،والعدالة بأنها انتفاء الظلم،والحقيقة أن هذا التعريف يتطلب المزيد من الدقة والاهتمام بمظاهر الصحة النفسية.
2-الاتجاه الإيجابي:
يرى القائلون بهذا الاتجاه ان الصحة النفسية تتحدد في ضوء توافر عدد من المظاهر تعتبر محددة لها،ويحاول هؤلاء البحث عن أنواع النشاط التي تصف الصحة النفسية وتعبر عنها،وبناء عليه،فإن الصحة النفسية ليست مجرد الخلو من أعراض المرض النفسي ولكنها تتضمن التمتع بصحة النفس والجسم،وتبدو في تناسق الكائن بين الوظائف النفسية المختلفة.
نسبية الصحة النفسية :
الصحة النفسية ليست حالة استاتيكية(ثابتة) إما ان تتحقق او لا تتحقق،بل إنها حالة ديناميكية(متحركة)نشطة ونسبية تتغير من فرد إلى فرد كما تتباين صفات عديدة كالطول والذكاء والاندفاع والسيطرة وحسن المعشر،كما يمكن ان تتغير من وقت إلى آخر لدى الفرد الواحد وان كان ذلك في حدود ضيقة،فمن الخصائص المهمة التي تميز الصحة النفسية أنها ذات دوام نسبي وان مؤثراتها تتغير تبعا لعدد من المتغيرات.
مناهج الصحة النفسية:
تتمثل مناهج الصحة النفسية في المنهج الوقائي والمنهج العلاجي والمنهج الإنشائي فماذا تعني هذه المناهج؟
1-المنهج الوقائي: الوقاية هي مجموع الجهود المبذولة للتحكم في حدوث الاضطراب او المرض،والسيطرة عليهما او التقليل من شدة ظاهرة غير مرغوبة كالمرض العقلي الجنوح،الجريمة،الإدمان على العقاقير،الحوادث...الخ.
ومن بين الأهداف المهمة لعلم الصحة النفسية هو العمل على تقليل معدلات انتشار سوء التوافق،والمرض النفسي بأنواعه المتعددة،والهدف الأساس هو خفض هذه المعدلات وبخاصة في المستقبل،ويتم ذلك عن طريق وقاية القطاع الأكبر من الأفراد الذين يتعرضون للخطر اكثر من غيرهم في المستقبل.وهنا يحضرنا القول المأثور:"الوقاية خير من العلاج"،حيث يركز المنهج الوقائي على مرحلة الطفولة لأهميتها في تحقيق النمو السوي للفرد،كما يهتم بالأسرة باعتبارها المؤسسة الهامة المنوط بها تربية الأطفال وتنشئتهم،وتهيئة الظروف الملائمة لنموهم السوي فيحفل بتنوير الآباء والأمهات بمختلف الوسائل التي تكفل تنشئتهم لأطفالهم بأسلوب سوي عادي مع عدم إغفال أهمية دور المدرسة وأجهزة الإعلام ومختلف المنظمات الاجتماعية من هذا المجال.
وتمر عملية الوقاية في ثلاث مراحل هي:
أ-الوقاية الأولية:
تهدف إلى اتخاذ إجراءات مسبقة لمنع حدوث الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية وغيرهما من أنواع الشذوذ السلبي،وذلك عن طريق وسائل عدة أهمها:التشجيع وحرية الاكتشاف،حرية التجريب حرية التعبير عن المشاعر،المساندة الانفعالية خلال مراحل الانغصاب(المشقة)التأكيد على العلاقات الحوارية البناءة ومحاولة خفض الضغوط التي تؤدي إلى اضطرابات الشخصية،والهدف النهائي هو توافر بيئة صحية وصولا إلى مجتمع صحي.
ب-الوقاية الثانوية:
وتهدف إلى تقليص شدة المرض والتقليل منه،وذلك من خلال الكشف المبكر عن الحالات والاهتمام بالرعاية والعلاج والاهم هو وقف الاضطرابات النفسية والعقلية في مراحلها المبكرة وفي حالاتها الكامنة أو المقنعة،ولا يغيب عن الذهن أن الكشف المبكر عن الحالات النفسية ييسر شفاء الاضطرابات مثله في ذلك مثل الأمراض العضوية.
ج-الوقاية لخفض العجز الناتج عن المرض:
وتهدف هذه الوقاية إلى خفض العجز الناتج عن المرض العقلي،ومحاولة إنقاص المشكلات المترتبة على المرض العقلي،واستخدام الوسائل التي تهدف إلى منع الانتكاسة.
2-المنهج العلاجي: يهدف علم الصحة النفسية إلى الدراسة العلمية للتوافق والصحة النفسية،كما يهتم بدراسة حالات سوء التوافق واختلال الصحة النفسية بمختلف أنواعها وتصنيفاتها،ولذلك كان أحد أهدافه:العمل على علاج حالات سوء التوافق وعدم السواء للعودة بها إلى حالة التوافق والسواء،ولذا فإنه يتعامل مع اضطرابات الصحة النفسية فعلا ويكون ذلك عن طريق المنهج العلاجي بأساليبه ومدارسه المختلفة.
3-المنهج الإنشائي: وهو طريقة بنائية تستخدم مع الأسوياء وصولا بهم إلى أقصى درجة ممكنة من الصحة النفسية بما يتضمنه هذا المنهج من السعادة والكفاءة والرضا عن الذات والآخرين بالنسبة للمهنة والأسرة،وذلك بالنسبة إلى الأفراد والمجتمع ككل،ويتحقق هذا الهدف عن طريق مرحلتين:
*الدراسة العلمية الدقيقة لإمكانيات الأفراد وجوانب تفوقهم.
*العمل على تنمية هذه الإمكانيات ورعايتها واستثمار جوانب الشخصية وتدعيمها.
يحاول هذا المنهج تحقيق التنمية المناسبة للفرد وتوفير الظروف الملائمة للرقي بالصحة النفسية،وتنمية الأفراد وتوظيف إبداعاتهم فيما يعود عليهم ومجتمعهم بالخير والسعادة والرفاهية.