قال تعالى (« يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 1 ) الأنفال )

وقد أورد الطبري في سبب نزولها آراء هي
___________

أولا" رأي بأنّ السبب خلاف بين المقاتلة والمتخلفين في الخطوط الخلفيّة معه عليه الصلاة والسلام حول الأنفال

فقال بعضهم: نـزلت في غنائم بدر، لأن النبي كان نفَّل أقوامًا على بلاء, فأبلى أقوام، وتخلف آخرون مع رسول الله , فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب, فأنـزل الله هذه الآية على رسوله, يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله , فماضٍ جائزٌ.

_________
ثمّ ذكر من قال ذلك:

# حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، سمعت داود بن أبي هند يحدث, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن النبيّ قال: « من أتى مكان كذا وكذا, فله كذا وكذا, أو فعل كذا وكذا, فله كذا وكذا » ، فتسارع إليه الشبان, وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح الله عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي , فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا! فأنـزل الله عليه الآية فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ .


#حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر, قال رسول الله : « من صنع كذا وكذا, فله كذا وكذا » ، قال: فتسارع في ذلك شبان الرجال, وبقيت الشيوخ تحت الرايات. فلما كان الغنائم, جاءوا يطلبون الذي جعُل لهم, فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا, فإنا كنا رِدْءًا لكم, وكنا تحت الرايات, ولو انكشفتم انكشفتم إلينا! فتنازعوا, فأنـزل الله: « يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » .


# حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر, قال رسول الله : « من فعل كذا فله كذا وكذا من النفل » . قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخةُ الراياتِ, فلم يبرحوا. فلما فُتح عليهم, قالت المشيخة: كنا ردءًا لكم, فلو انهزمتم انحزتم إلينا, لا تذهبوا بالمغنم دوننا! فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله لنا***************************!*** فأنـزل الله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » . قال: فكان ذلك خيرًا لهم, وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلم.


# حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عكرمة في هذه الآية: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: لما كان يوم بدر، قال النبي : « من صنع كذا فله من النفل كذا » ***! فخرج شبان من الرجال، فجعلوا يصنعونه, فلما كان عند القسمة, قال الشيوخ: نحن أصحاب الرايات, وقد كنا رِدْءًا لكم! فأنـزل الله في ذلك: « قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » .


# حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب الزهري قال، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن سليمان بن موسى, عن مكحول مولى هذيل, عن أبي سلام, عن أبي أمامة الباهلي, عن عبادة بن الصامت قال، أنـزل الله حين اختلف القوم في الغنائم يوم بدر: « يسألونك عن الأنفال » إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فقسمه رسول الله بينهم، عن بَوَاء.
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد قال، حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا, عن سليمان بن موسى الأشدق, عن مكحول, عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن « الأنفال » , فقال: فينا معشرَ أصحاب بدر نـزلت، حين اختلفنا في النَّفَل, وساءت فيه أخلاقنا, فنـزعه الله من أيدينا, فجعله إلى رسول الله , وقسمه رسول الله بين المسلمين عن بَوَاء يقول: على السواء فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ، وصلاحُ ذاتِ البين .

_________

ثانيا " رأي بكون السبب سؤال أحدهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعطيه سيفا من الأنفال "

وقال آخرون: بل إنما أنـزلت هذه الآية، لأن بعض أصحاب رسول الله سأله من المغنم شيئًا قبل قسمتها, فلم يعطه إياه, إذ كان شِرْكًا بين الجيش, فجعل الله جميعَ ذلك لرسول الله .
***************

ثم ذكر من قال ذلك:


# حدثني إسماعيل بن موسى السدي قال، حدثنا أبو الأحوص, عن عاصم, عن مصعب بن سعد, عن سعد قال: أتيت النبي يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله، هذا السيف قد شَفَى الله به من المشركين! فسألته إياه, فقال: ليس هذا لي ولا لك! قال: فلما وليت, قلت: أخاف أن يعطيه من لم يُبْلِ بلائي! فإذا رسول الله خلفي, قال فقلت: أخاف أن يكون نـزل في شيء! قال: إن السيف قد صارَ لي! قال: فأعطانيه, ونـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .


# حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عاصم, عن مصعب بن سعد, عن سعد بن مالك قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف. قال: فقلت: يا رسول الله, إن الله قد شفي صَدري من المشركين أو نحو هذا فهبْ لي هذا السيف! فقال لي: هذا ليس لي ولا لك! فرجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا من لم يُبْلِ بلائي! فجاءني الرسول, فقلت: حدث فِيَّ حدثٌ ! فلما انتهيت قال: يا سعد إنك، سألتني السيف وليس لي, وإنه قد صار لي، فهو لك! ونـزلت: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » .


# حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن سماك بن حرب, عن مصعب بن سعد, عن أبيه قال: أصبت سيفًا يوم بدر فأعجبني, فقلت: يا رسول الله، هبه لي! فأنـزل الله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » .


# حدثنا ابن المثنى وابن وكيع قال ابن المثنى: حدثني أبو معاوية وقال ابن وكيع: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الشيباني, عن محمد بن عبيد الله, عن سعد بن أبي وقاص قال: فلما كان يوم بدر، قتل أخي عُمَيْر، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه, وكان يسمى « ذا الكتيفة » , فجئت به إلى النبي ، فقال: اذهب فاطرحه في القبض! فطرحته ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سَلَبي! قال: فما جاوزت إلا قريبًا، حتى نـزلت عليه « سورة الأنفال » , فقال: اذهب فخذ سيفك! ولفظ الحديث لابن المثنى.


# حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة جميعًا, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر, عن قيس بن ساعدة قال: سمعت أبا أسَيْد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائد يوم بدر, وكان السيف يدعى « المرْزُبان » ، فلما أمر رسول الله أن يردُّوا ما في أيديهم من النفل, أقبلت به فألقيته في النفل, وكان رسول الله لا يمنع شيئًا يُسْأله, فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي, فسأله رسول الله , فأعطاه إياه.

# - حدثني يحيى بن جعفر قال، حدثنا أحمد بن أبي بكر, عن يحيى بن عمران, عن جده عثمان بن الأرقم وعن عمه, عن جده قال: قال رسول الله يوم بدر: ردُّوا ما كان من الأنفال! فوضع أبو أسيد الساعديّ سيف ابن عائذ « المرزبان » , فعرفه الأرقم فقال: هبه لي، يا رسول الله! قال: فأعطاه إياه.


# حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سماك بن حرب, عن مصعب بن سعد, عن أبيه قال: أصبت سيفا قال: فأتى به رسول الله فقال: يا رسول الله، نفلنيه! فقال: ضعه! ثم قام فقال: يا رسول الله، نفلنيه! قال: ضعه! قال: ثم قام فقال: يا رسول، الله نفلنيه! أجعل كمن لا غَنَاء له؟ فقال النبي : ضعه من حيث أخذته! فنـزلت هذه الآية: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول .


# حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن مصعب بن سعد, عن سعد قال: أخذت سيفًا من المغنم فقلت: يا رسول الله، هب لي هذا! فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .


# حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: قال سعد: كنت أخذت سيفَ سعيد بن العاص بن أمية, فأتيت رسول الله , فقلت: أعطني هذا السيف يا رسول الله! فسكت, فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » ، إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، قال: فأعطانيه رسول الله .

_______________

ثالثا " رأيّ بأنّ السب هو سؤال المسلمين الرسول عليه الصلاة والسلام بمجموعهم عن الأنفال

وقال آخرون: بل نـزلت: لأن أصحاب رسول الله سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر، فأعلمهم الله أنّ ذلك لله ولرسوله دونهم، ليس لهم فيه شيء. وقالوا: معنى « عن » في هذا الموضع « من » ، وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعود يقرؤه: « يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ » على هذا التأويل.

___________
ثمّ ذكر من قال ذلك:


# حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: « الأنفال » ، المغانم كانت لرسول الله خالصة، ليس لأحد منها شيء, ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به, فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها, قال الله: يسألونك عن الأنفال، قل: الأنفال لي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيء « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » , ثم أنـزل الله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ سورة الأنفال: 41 ] . ثم قسم ذلك الخُمس لرسول الله ، ولمن سمي في الآية.


# حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: نـزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا، فكانوا أثلاثًا. قال: فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، وملَّكه الله رَسوله, يقسمه كما أراه الله.


# حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام, عن الحجاج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده: أن الناس سألوا النبي الغنائم يوم بدر, فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .
. . . . قال: حدثنا عباد بن العوّام, عن جويبر, عن الضحاك: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: يسألونك أن تنفِّلهم.


# حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا أيوب, عن عكرمة في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: يسألونك الأنفال.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى أخبرَ في هذه الآية عن قوم سألوا رَسول الله الأنفال أن يُعطيهموها, فأخبرهم الله أنها لله، وأنه جعلها لرسوله.

____________

ثمّ تبنّى الطبري رحمه الله رأيا فيه تجميع لكافة ماذكر فقال "

(وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكون نـزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله فيها وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك بين الجيش. )

______________________

ونحن نرى بأنّ السبب كان الخلاف بين المقاتلة من الشباب وبين خطّ الإسناد من الشيوخ --حيث رأى الشباب أنّهم أحقّ بالأنفال منهم فاختلف الطرفان فنزلت الآية لتفهم الطرفين بأنّ حكم الأنفال للرسول يضعها حيث شاء --أي حكمها لأمير المؤمنين أي لرئاسة الدولة في أي وقت آخر بعد وفاته عليه الصلاة والسلام --

والدليل على ذلك قوله "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 1 ) الأنفال

فهي دالة على وجود خلاف في شأن الأنفال --ولا تدل على أنّ فلانا سأل الرسول عليه الصلاة وسلم سيفا فانتظر الوحي حتّى أعطاه إيّاه --ولا تدلّ على أنّ المسلمين بمجموعهم سألوه أن يعطيهم من الأنفال --لأنّ سؤال المجموع له عليه الصلاة والسلام لا يشير إلى خلاف كما دلّ نصّ الآية عليه --

إذن فنحن نرى بأنّ السبب هو ما روي عن عكرمة وغيره وهو

(حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عكرمة في هذه الآية: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: لما كان يوم بدر، قال النبي : « من صنع كذا فله من النفل كذا » ***! فخرج شبان من الرجال، فجعلوا يصنعونه, فلما كان عند القسمة, قال الشيوخ: نحن أصحاب الرايات, وقد كنا رِدْءًا لكم! فأنـزل الله في ذلك: « قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » . )




منقول