تكلم .. افتقدت صوتك .. متى كانت آخر مرة تجاذبنا فيها أطراف الحديث؟ .. أعنى حديث آخر بخلاف مصروف البيت ونوع طعام الغذاء .. متى تحولت إلى ماكينة صماء لا عمل لها سوى إخراج النقود عند الحاجة وتناول الطعام والنوم؟ .. متى دخلت تلك الميكنة إلى حياتنا .. وأدارتها برتابة قاتلة .. متى سرقتنا من أنفسنا؟ .. وسرقت إحساسنا كبشر ..


أنظر إلى وجهك الجامد الملامح .. إلى عينيك المحدقة فى الفراغ أو فى الجريدة أو فى شاشة التلفاز .. وكأن لا شىء آخر يستحق نظرتها .. إلى شفتيك التى تلوك الصمت كما تلوك الطعام فى أوقاته كسيارة تتزود بالبنزين .. بلا شهية .. بلا كلمة ثناء .. بلا ابتسامة رضا .. أظنها نسيت الابتسام أيضا .. كما نسيت الكلمات ..

أوقاتنا باتت ثقيلة .. نحدق ببلاهة فى شاشة التلفاز كل مساء .. والصمت بيننا يتسع ويتسع ويطبق على أنفاسى .. وكأن اللغة قد توقفت بنا .. ومُحيت الكلمات من قاموسنا .. أفكر فى شىء أقطع به خيوط الصمت التى تكبلنى وتخنق الكلمات قبل أن تُقال .. أفكر وأفكر حتى يتجمد عقلى .. دون فائدة .. لم يعد بيننا شىء مشترك .. ليس لدى ما يجذب انتباهك .. تحولت بدورى إلى ماكينة .. يبدأ يومى وينتهى بذات الرتابة .. وذات الجمود .. وذات الصمت .. حتى أننى أتحسس جلدى كل يوم لأتأكد أنه لم يتحول إلى سطح معدنى بارد .. ببرودة الحياة من حولى ..

اشتقت إلينا .. فقد أيقنت أن هذين الجسدين غريبان عنا .. لا يحويان روحينا .. ولا يعرفانا .. من سجننا بداخلهما؟ .. وكيف الخروج؟ .. حاول أن تساعدنى .. فقد أرهقنى التفكير وحدى .. حاولت الهروب كثيرا من سجنى البارد .. حاولت تحطيم أسواره .. حاولت أن أغافل حارسه الرهيب .. ولكنه يعيدنى كل مرة .. إلى جدران باردة لا تشفق علىّ .. أصرخ بدون صوت .. زنزانتى لا تعرف غير الصمت .. الصمت فقط .. وفيها تعلمت ميكنة الصمت .. كيف تدير حياتك دون شعور .. كيف تنزع الإحساس من قطعة المعدن الصدئ التى كانت تُدعى قلب .. كيف تؤدى مهامك بمنتهى الدقة .. ولا تنتظر كلمة شكر .. ولا تفكر فى ابتسامة .. عالمى لا يعترف بها .. تلك هى القوانين .. وقد خضعت لها منذ زمن طويل .. مللت محاولات الهروب الفاشلة .. واستسلمت للصمت .. واعتدته .. أصبح الصخب خارج زنزانتى يضايقنى .. يثير بداخلى ذكريات لا أريدها .. يذكرنى بحياة البشر التى نسيتها .. ونسيتنى .. فقد تجمد كل شىء فى حياتى .. لا أفرح ولا أحزن .. لا أضحك ولا أبكى .. لا أحلم ولا أشعر .. وسأمضى هكذا ..


ولكن .. عجبا .. مازال هناك ما يجذبنى لعالم البشر ويربطنى به .. داخل هذا الجسد البارد .. داخل تلك الأحشاء المتجمدة .. نبض خافت .. قطعة دافئة .. أمل جديد .. نور سيأتى لينير عالمى المظلم .. ويدفئ حياتى الباردة .. ما زال هناك أمل .. يوما بعد يوم انتظره .. أترقبه .. احسب له دقات الزمن مع دقات قلبه .. سيأتى يوما ويملأ الدنيا صخبا .. سيمزق خيوط الصمت ويحررنى منه .. لاحت منى التفاته له .. مازال يحدق فى الفراغ .. ابتسمت لأملى القادم وأنا أفكر .. يوما ما سنجبره على مشاركتنا الحديث وسنعلمه أبجدية جديدة بدلا من تلك التى نسيها .. انتظر هذا اليوم ..

إمضاء
زوجة صامتة