عن عائشة رضى الله عنها قالت :
" سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول فى بعض صلاته : اللهم حاسبنى حساباً يسيراً، فلمَّا انصـرف قلت : يا رسـول الله ما الحسـاب اليسير ؟ فقال رســول الله صلى الله عليـه و سلم : أن ينظر فى كتابه فيتجاوز عنه إنَّه من نُوقِشَ الحسابَ يومئذٍ يا عائشة هلك ، وكلُّ ما يُصِيبُ المسلمَ يكفِّرُ الله عز و جل عنه به، حتَّى الشَّوكة تشوكه"

رواه أحمد ، والحاكم ، وهو فى صفة صلاة النَّبىِّ للألبانى 184

لغة الحديث
(1) فى بعض صلاته : أى من الفرائض ، أو من النوافل أو فى بعض أجزائها من أول القيـام ، أو الركوع ، أو القومة ، أو السجود ، أو القعود ، أو بعد التشهد .
(2) حساباً يسيراً : اليسير هو السهل الخفيف .
(3) فيتجاوز عنه : التجاوز هو التساهل و التسامح .
(4) من نوقش الحساب : نوقش من المناقشة ، وأصلها من الإستخراج ، ومنه نَقَشَ الشوكة إذا استخرجها، والمراد من المناقشة المبالغة فى الإستيفاء ، والإستقصاء فى المحاسبة ، والمطالبة بالجليل والحقير ، وعدم المسامحة .
(5) هلك : وذلك لأنَّ تحرير الحساب يفضى إلى استحقاق العذاب، لأنَّ حسنات العبد موقوفة على القبول، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النَّجاة . وفى رواية [ عُذِّبَ] قال القاضى عياض رحمه الله : " وله معنيان :
الأول : أن نفس المناقشة و عرض الذنوب ، و التوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ .
الثانى : أنَّه مفضٍ إلى العذاب بالنَّار "


قال النَّووىُّ رحمه الله :
" هذا الثانى هو الصحيح، ومعناه : أنَّ التقصير غالب فى العباد ، فمن استُقْصِى عليه ولم يسامح هلك و دخل النار ، ولكن الله يعفوا و يغفر ما دون الشرك لمن يشاء "
مسلم بشرح النُّووى 9 / 255

(6) يكفِّر الله به عنه : أى يغفر الله للعبد الذنوب ، و الخطايا بسبب البلاء الذى يصيبه .
(7) حتى الشوكة تشوكه : أى تدخل فى جسده .


من فوائد الحديث
(1) ما كانت عليه عائشة رضى الله عنها من تفهُّم معانى الحديث .
(2) عدم تضجُّر الشيخ من مراجعة تلاميذه له فى مسائل العلم .
(3) جواز مراجعة المتعلِّم للعالم ، و سؤاله عما يشكل عليه من المسائل ليفهمه .
(4) إثبات البعث ، والحساب . قال تعالى :
{ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } ( الغاشية 25 : 26 )

والإِياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيه قبل ذلك . والمراد به هنا : الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء .
أى : فإنَّ إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد سوانا ، ثم إن علينا وحدنا - أيضاً - حسابهم على أعمالهم ، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى نراه مناسبا لهم .

(5) أنَّ الناس يوم القيامة متفاوتون فى الحساب ، فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً كما فى قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) } ( سورة الإنشقاق )
، ومنهم من يحاسب حساباً شديداً كما فى قوله تعالى : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} [الطلاق : 8] ، ومنهم من يدخل الجنَّة بغير حساب و لا عذاب .كما ورد فى حديث أبى أمامة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بلا حساب عليهم و لا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا و ثلاث حثيات من حثيات ربي ."
رواه أحمد ، و الترمذى ، و هو فى صحيح الجامع 7111

(6) أنَّ من حصلت له المناقشة فى الحساب يوم القيامة يهلك .
(7) أنَّ كل من لم يناقش الحساب يوم القيامة فهو ناجٍ من الهلاك و العذاب .
(8) تفضُّل الله عزوجلَّ وامتنانه على عباده، وإحسانه إليهم يوم القيامة وذلك بعفوه عنهم بعد تقريرهم بذنوبهم ، وإقرارهم بها بين يدى الله عزَّوجلَّ ووجه الدلالة من الحديث قول النبى صلى الله عليه و سلم : (فيتجاوز عنه ) و مما يدل على ذلك و يؤيده حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ الله عزّ وجلًّ إنِّى سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم )

رواه البخارى فى كتاب المظالم [ باب قول الله : ألا لعنة الله على الظالمين ]

ورواه مسلم فى كتـــاب التوبــة [بَاب قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ ]
(9) أن البلاء الذى يصيب المؤمن مهما كان قليلاً يكون سبباً لتكفير السيئات ، و محـو الذنوب و الخطايا ومما يؤيد ذلك حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليــــه و سلم :
" مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ "

رواه البخارى فى كتاب المرضى [بَاب مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ]

وروا مسلم فى كتاب البر و الصلة و الأداب [ باب ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ]
(10) فى الحديث تفسير لقول الله تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً(8) } و هـــــو أن الحساب اليسير فى الآية هــو مجرد عرض الذنـــوب على العبــد و تقريره بها و اعتراف العبد بها ثم يتجاوز الله عنه ويستره كما ستره فى الدنيا ويغفرها له يوم القيامة و يؤيد هذا حديث عائشة رضى الله عنها قالت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ فَقُلْتُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } فَقَالَ : لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ "
رواه البخارى فى كتاب العلم [باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ ]

ورواه مسلم فــى كتــــاب الجــــنة و صفـــة نعيمــــها و أهلها [بَاب إِثْبَاتِ الْحِسَابِ ]

ففى هذا الحديث بين النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الحساب الذي يكون صاحبه هالكاً هو الحساب مع المناقشة، وذلك بعد أن استشكلته عائشة مع قوله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } حيث أن الآية أثبتت الحساب مع النجاة، وبهذا البيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبين أنه لا منافاة بين الآية والحديث، فالهلاك الذي يكون لمن حوسب فيما إذا نوقش الحساب، والنجاة التي تكون لمن حوسب حساباً يسيراً فيمن لم يناقش الحساب، وهذا هو وجه الجمع بين الآية والحديث.
(11) أنَّ كل إنسان له كتاب يُكْتَبُ فيه عَملُه من الخير ، و الشرِّ ، ، و الصغير ، و الكبير ، و أن الإنسان يلقى كتابه يوم القيامة ، و يقرأ ما فيه ، و يؤيد ذلك من القرآن ما يلى :

أولاً : قال تعالى :

{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } ( الإسراء 13 : 14 )
ثانياً : قال تعالى :
{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } ( الكهف49 )
(12) تواضع النبى صلى الله عليه و سلم ، و هضمه لحق نفسه حيث أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنب و ما تأخر ، و مع ذلك يسأل ربه أن يحاسبه حساباً يسيراً ، و هو بلا شك أول من يدخل الجنة بغير حساب و لا عذاب .
(13) إذا كان النبى صلى الله عليه و سلم ، و هو من هـــــو فى تقواه لربه ، و أداءً لحـــق ربـــه ، و غفران لذنوبه ما تقدم منها و ما تأخر يسأل ربه أن يحاسبه حساباً يسيراً . فغير النبى صلى الله عليه و سلم ممن كثرت ذنوبهم ، و زادت خطاياهم أن يسأل الله عز و جل ، و يبتهل إليه أن يحاسبه حساباً يسيراً .


مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ