قال لي: لقد تعبت من البحث عن زوجة لي تتطابق مع صفاتي وميولي.
قلت: إنك تبحث عن مستحيل.
قال: ولِمَ؟! أليست السعادة الزوجية تكمن في تطابق الزوجين في الصفات والأخلاق، والثقافة والبيئة؟!
قلت: أكرر لك ما قلت.. إنك تبحث عن مستحيل!!
قال: لماذا؟
قلت: لأن الله تعالى وضع سنناً في الكون، ومن هذه السنن التعدد والاختلاف في المخلوقات وخص نفسه جل وعلا بالوحدانية.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: قال تعالى: )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ...( أي (وللاختلاف خلقهم) كما يقول المفسرون.
قال: إن هذا المعنى عظيم.
قلت: تأمل في الكون وما فيه، وانظر إلى الأرض فيها الجبال والأنهار (المالحة والعذبة) والبحار كذلك، وتأمل السماء وفيها سبع سماوات والكواكب والنجوم والمجرات، وتأمل الماء وأنواعه وكل ما في الكون، ثم تأمل البشر وألوانهم وأجناسهم وطباعهم ولغاتهم وحتى نبرة صوتهم، لا تكاد تجد اثنين متطابقين، فكيف تبحث عن زوجة تتطابق في صفاتها معك؟!
قال: إذن ماذا أفعل؟
قلت: ابحث عن زوجة تناسبك، ولكن أريدك أن تقدر هذه السنة الكونية، لأن الله تعالى لم يوجدها عبثاً، فإن الاختلاف بين الزوجين له منافع كثيرة، منها: أن يتعلم كل واحد من الآخر ويستفيد منه، وكذلك يستمتع كل واحد منهما باختلافه مع الآخرين، ويستفيد الأبناء من هذا الاختلاف فينشئوا متوازنين فالاختلاف رحمة وجمال.

قال: إذن أبحث عن زوجة مختلفة عني؟
قلت: أنا لم أقل ذلك، وإنما أريدك وأنت تبحث عن زوجة أن تعرف سنة الله في الخلق، فلا تصدم بعد المعاشرة الزوجية، بأنها تختلف عنك، وإنما أعطانا الله تعالى نعمة "التكيف"، ونعمة "التفاهم"، ونعمة "الحوار"، لكي نتعايش مع من نختلف معهم، ونستفيد من هذا الاختلاف في تحسين علاقاتنا، وهذه هي ميزة التربية الإسلامية والمنهج القرآني؛ لأن كل الحضارات التي جاءت على الأرض تحطم الواحدة منها سابقتها، إلا الإسلام فإنه احترم الجميع وتعامل معهم، وهذا هو الفكر الإسلامي الذي جاء لنطبقه على المجتمع، كذلك ينبغي أن نطبقه على الحياة الزوجية.
قال: إنه لمعنى جميل.
قلت: وإن اختلف الزوجان في أمر فمرده إلى الله ورسوله.
قال: إن ما تذكره يختلف عما في أذهان الشباب والفتيات.
قلت: وهذا ما لاحظته فعلاً، فكل خاطب ومخطوبة في أيامهما الأولى يعتقدان أن كل واحد منهما هدية من الله للآخر، فإذا ما استمرت الحياة الزوجية بدأت تظهر الخلافات والاختلافات، ولو كان يعلمان بهذه السنة الكونية لقَلَّت الخلافات الزوجية، وتلاشت الاختلافات العائلية.
قال: (إن الاختلاف والتعددية سنة كونية وفهمها يذهب الخلافات الزوجية) سأكتب هذه العبارة على أول هدية أقدمها لخطيبتي.
فابتسمت لحديثه ثم قلت له: دعني أقل لك طرفة نختم بها حوارنا: (قال الزوج لزوجته في أول يوم من حياتهما الزوجية: "ما رأيك أن ينزع كل واحد منا ثوبه ويلبسه الآخر، فاستغربت الزوجة من قوله، ثم ابتسم، وقال بلطف: أردت أن أعلمك درساً أن لكل واحد منا مهامه ووظائفه في الأسرة، ولو حاولنا تبادل الوظائف كما نتبادل اللباس لفسدت الأسرة").

أ.جاسم المطوع**