أعجبتني هذه المقالة جداً فنقلتها لكم

ب قلم د / أسامة عبد العظيم

ها قد آذن وفد الرحمن بالرحيل ..
وها هي جموع الحجيج قد حزمت حقائبها ، وقامت مهاجرة إلى الله تعالى فى رحلة قدسية مباركة .. أفواج تلو أفواج
تنسل من بين الأهل والأحباب مولية وجه

ها شطر المسجد الحرام ..
قد خلفوا الدنيا وراء ظهورهم ،
وانخلعوا عن زينتهم متهيئين للقاء المولى تبارك وتعالى .

انظر إليهم أخي الحبيب ..
وقد خرجوا ملبين أمر الله تعالى : لبيك اللهم لبيك " ما أطهر القلوب حين تتخفف من أثقال الدنيا محلقة فى سماء الطاعة .. وما أرق الأرواح حين تقتبس من أنوار الكعبة المشرفة قبسات وقبسات ..

أخي الحبيب .. أراك تنظر إليهم
كاسف البال حزيناً ،
وقد حرمت من رفقتهم فى أطهر رحلات العمر ..
وكأني بك تتوق شوقاً لأن تزور بيت الله الحرام ،
ولكن أنى لشاب مثلى ومثلك أن يملك الزاد والراحلة ،
وهو ما زال فى أوائل حياته يصارع الدنيا وتصارعه ..
نعم .. أشعر بك أخي الحبيب ..
وأقرأ ما بداخلك من حسرة وألم ..
أرى الحزن بادياً على قسمات وجهك ..
وأسمع زفرات الأسى تتصاعد من جوفك ..
كم – والله – أشفق عليك –
وأكبر فيك حرصك على اغتنام فرص الخير ،
والتعرض لنفحات المولى عز وجل ..
فهل تريد حقاً أن تنال شرف الحج إلى بيت الله الحرام ؟!

وهل ترجو أن تنال أجر الحجيج وأنت قاعد فى مكانك ؟!

إن أردت ذلك فاسمع منى تلك البشرى ..
إنها لأمثالك ممن حبسهم عذر ضيق ذات اليد ،
ومنعهم عدم الإستطاعة من رفقة الوافدين على
الرحمن تبارك وتعالى
لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم –
من غزوة تبوك قال لأصحابه ..
إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ،
ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم
( أي شاركوك فى الأجر ) حبسهم العذر "

إنها النية الصادقة ،
والعزم المخلص الأكيد ..
فلئن كان العذر قد حبسنا ،
ولئن كان فقدان الزاد والراحلة قد أقعدنا ..
فإن هناك جواداً
لا يكبو ,.. ومطية لا تعجز ..
إنها صدق النية مع الله عز وجل ..
ولئن كان الحجيج قد أمتطوا رواحلهم ،
وسافروا بأبدانهم ..
فهلم أخي الشاب نسابقهم فى تلك الرحلة النورانية
بأرواحنا وهممنا وقلوبنا ..
أوما علمت أن الطريق إلى الله تعالى
تقطع بالقلوب لا بالابدان ؟!

رأى بعض الصالحين فى منامه ليلة عرفه
قائلاً يقول له : ترى هذا الزحام بالموقف على عرفة ؟!
قال : نعم قال :
ما حج منهم إلا رجل واحد تخلف عن الموقف ،
فحج بهمته ، فوهب الله له أهل الموقف جميعاً

أخي الحبيب ...
لئن عجزت عن بلوغ البيت المطهر ..
فلا تنسى أن لله بين جنبيك بيتاً لو طهرته
لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح ..
ولئن حبست هذا العام عن الحج ..
فارجع إلى جهاد نفسك لا يحبسنك عنه الشيطان ..
ولئن كان البيت الحرام بعيداً عنك ..
فاقصد رب البيت الحرام ..
فهو أقرب إليك من حبل الوريد ..
وعش مع الحجيج بقلبك وروحك
فى كل منسك من مناسك الحج .
فإذا أحرم الحجيج من الميقات ..
فليحرم قلبك عن كل ما يغضب الله تعالى
من حسد وحقد وغل ورياء ،
واخلع مع الحجيج ثياب الزور والغش والمعصية ،
وتحل بلباس التقوى وطاعة الرحمن
" ولباس التقوى ذلك خير "
وحين يطوف الحجيج بالبيت ..
فليعرج قلبك وروحك لتطوف مع الملائكة الكرام
حول البيت المعمور
مستعلية على سفاسف الدنيا وحقارتها .
وحين يسعى الحجيج بين الصفا والمروة ،
لا يكف قلبك عن السعي على أمر الله تعالى ،
والقيام بحق عبوديته ،
متنقلاً من طاعة إلى طاعة ومن قربة إلى أخرى .

وحين يقف الحجيج على عرفات
رافعين أكف الضراعة إلى الله عز وجل ،
يصعد قلبك على أبواب السماء ،
ويخر ساجداً لله سجدة انكسار
وفقر وتذلل لا يرفع منها إلى يوم القيامة .
وحين يتزاحم الحجيج لرمي الجمرات ..
يرمي قلبك كل ما علق به
من وساوس الشيطان وهو احبسه ..
وتطرد روحك كل ما يطاردها من همزه ونفخه ونفثه .

أخي الحبيب ..
أراك الآن وقد تهلل وجهك ،
وانفرجت أساريرك .. وبرقت عيناك فرحة وسروراً .
وكأني بروحك قامت تسابق الحجيج فى أداء المناسك ،

وتزاحمهم فى كل مشعر من المشاعر ..
كأنى بك هناك أتخيل شبحك بين الوافدين ،
أشعر بروحك تتجول فى الطرقات والميادين ..
أتنسم عبير أنفاسك الطاهرة
فى كل موقف من مواقف الزائرين .
أسمع صوتك يعلو منادياً أفواج الحجيج :
يا سائرين إلى الحبيب ترفقوا :

يا سائرين إلى البيت العتيق لقد ** سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ** ومن أقام على عذر فقد راحا
رزقنى الله وإياك حجة مبرورة إلى بيته الحرام ..
اللهم أمين