آدم عليه السلام بين القرآن والتوراة

إن أهمية دراسة قصة سيدنا آدم ترجع لكونه أول نبي وأول مخلوق خلقه الله .. و الإنسان مجبول بفطرته
على الفخار بنسبه – بخاصة إذا كان نسبا شريفا - وكون آدم عليه السلام هو أبو البشر جميعا يجعل الإهتمام متضاعف بحياته وتعبه وحمله للرسالة… فلننظر كيف ذكرت التوراة حال آدم عليه السلام .. ومعها نرى إن شاء الله الفارق بينها وبين القرآن وما نتيجة هذا الفارق

1- في سفر التكوين 1 عدد 27 : " وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا " وتلك هى أول وقفة لنا مع أول ذكر للإنسان في التوراة … فمن سياق التوراة نجد أن الله خلق الإنسان كشبهه .. كشبه من؟؟ كشبه الله .. على صورة الله … دلالة هذا الكلام أن الإنسان
لو نظر إلى صورته عرف صورة الله … فأين التمييز بين المخلوق و الخالق؟؟؟ بل من أين تأتي الخشية
ناحية الخالق إن كان خلق الخالق كالخالق نفسه؟؟ ثم أضف إلى هذا ما هو أشد خطورة ,,, إذ أن للإنسان
أعضاء يخجل من ذكر اسمها فهل نتخيل وجودها في
الله - حاشاه سبحانه

الآن فكيف النظرة الإسلامية بخصوص هذه النقطة؟
إن أول قاعدة أن الله سبحانه وتعالى قال عن نفسه : " ليس كمثله شئ " إذن هو نفى المثلية فهنا تبدو على الفور ملامح التمييز بين المخلوق و الخالق .. فلا يظن المخلوق بنفسه الأهمية .. بل هو مخلوق من آلاف الملايين من المخلوقات… ولا تبدو أهميته عن غيره
إلا بمقدار طاعته لله .. يقول تعالى : " وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون " .. فإن عبد فهو عابد مطيع .. وإن لم يعبد فعليه اثمه .. - و هذا أول اختلاف … التوراة تقول بتشابه سيدنا آدم في الخلقة
لله والقرآن ينفي المثلية لله - في نفس العدد في سفر التكوين : " فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض " وتلك نقطة تتفق
مع العقيدة الإسلامية إذ أن الله سبحانه وتعالى يقول
في كتابه : "( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا
هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (لقمان:20)

2- في التكوين 3 عدد 20 : " فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية".. ها
هو ذا النص يبين لنا أن سيدنا آدم قد تعلم أسماء
البهائم والطيور حيوانات البرية جميعها … فهل هذه هى النظرة الإسلامية ؟؟؟
لا .. بل النظرة الإسلامية أشمل … يقول تعالى : "( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:31) فلفظة ( كلها ) أشمل وأكبر من تحديد بعض الأسماء
كما فعلت التوراة .. وإلا فهل علم آدم عليه السلام
أسماء الملائكة والجن ؟؟ في نص التوراة لا .. وفي القرآن نعم .. وهذا تكريم لسيدنا آدم لم تخبر به التوراة .. تكريم يزيد الإنسان فخارا بنسبه

3- وفي التكوين 3 عدد 25: " وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان " ثم لما فعلا المعصية : نقرأ في تكوين 3 عدد 7 : " فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان .. فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر " فما هى نظرة الإسلام في هذا - و تلك هى أخطر نقطة-؟

يقول تعالى : "( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا
أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (لأعراف:27) فالفارق هنا كبير وجوهري جدا .. فسيدنا آدم والسيدة حواء كانا أصلا مستوران ولكن الشيطان عراهما بالمعصية فسقطت ملابسهما من عليهما . ثم سارعا
في البحث عن الستر الذي كان يسترهما : " فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " . إذن الأصل في المسلم الموحد الستر والأصل عند أهل التوراة العري .. وزد على هذا أن آدم كان جاهلا في التوراة برغم علمه بأسماء الحيوانات والمخلوقات التي ذكرت في النص التوراتي أنه كان عريانا .. إذن الأصل فيه الجهل بنفسه .. وفي القرآن الأصل فيه العلم والستر .. وفي التوراة جاء العلم الأهم مع المعصية وفي القرآن جاء العقاب مع المعصية

4- كذلك فالقرآن يذكر توبة سيدنا آدم على الفور بعكس التوراة التي لم تذكر له توبة على الإطلاق .. يقول
تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:37) والفاء للسرعة والتعقيب

5- وكذلك فالقرآن يذكر أنه خليفة الله في الأرض .." ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ
مَا لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:30) والتوراة لا تذكر هذا على الإطلاق .. والفخار أن يكون الإنسان خليفة لله عز وجل أكبر بمراحل من أن يكون سيد ومتسلط على المخلوقات فقط هو السيد فى البيت وهو الذى يتحمل عبء المسئولية ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة:35) فقدمه سبحانه على زوجته
لكي يبين لنا من المسئول الأول ولا تختلط الأمور
فيحدث التفكك الأسري الذي نراه الآن ونزيد تشريفا لسيدنا آدم من القرآن أن الله أسجد له الملائكة في حين التوراة لا تأتي بهذا اطلاقا .. فأي فخار أحسه حين
أعلم أنني من نسل انسان علم أسماء كل شئ .. مستور .. سريع التوبة والندم .. فهل لعاقل بعد هذا
أن يدعي اقتباس القرآن من التوراة ؟؟؟ وهل تكون الصورة أفضل من الأصل لغة و معنى ؟؟؟ لغة لبديع النص القرآني بعكس ركاكة النص التوراتي ومعنى
لسمو المعنى القرآني في وصف خصال سيدنا آدم



فالحمد لله على نعمة الإسلام


منقول