ولد فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود – رحمه الله - في 2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ
الموافق 12من مايو1910م بقرية أبو الحمد مركز بلبيس بمحافظة الشرقية، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكر، ثم التحق بالأزهر سنة 1923 م وحصل على العالمية سنة 1932 م.

سافر على نفقته الخاصة إلى فرنسا لاستكمال تعليمه العالي، حيث حصل على درجة الدكتوراة في التصوف الإسلامي، وكان موضوع رسالته عن "الحارث المحاسبي" وذلك في عام 1359هـ الموافق 1940م.

وبعد عودته عمل مدرساً بكليات الأزهر، ثم عميداً لكلية أصول الدين سنة 1964 م، وعضواً ثم أميناً عاماً لمجمع البحوث الاسلامية، ثم عُين وكيلا للأزهر سنة 1970 م فوزير للأوقاف وشئون الأزهر حتى مارس 1973م.

ثم صدر القرار بتعيينه في منصب شيخ الأزهر في 22 من صفر 1393هـ الموافق 27 من مارس 1973م.. إلا أنه فوجئ – بعد قرابة العام من ممارسة مهام منصبه – بصدور قرار من رئيس الجمهورية في 7 يوليو 1974 م –– بتنظيم شئون الأزهر وتحديد مسئولياته على أن يكون الأزهر تابعًا لمسئولية وزير شئون الأزهر؛ مما أفقد الأزهر استقلالَه، وجرد شيخ الأزهر من اختصاصاته، فما كان منه إلا أن قام بتقديم استقالته في 1 أغسطس 1974م لرئيس الجمهورية احتجاجاً على هذا القرار الذي اعتبره عائقاً أمام أداء رسالته.

أثارت تلك الاستقالة رد فعل في مصر ومختلف البلدان الإسلامية، وفي مواجهة كل ذلك، لم تجد السلطة سوى معاودة النظر في القرار الذي أصدرته ودراسته من جديد، ومن ثم أصدرت قراراً يضع الأمور في نصابها الصحيح، وهكذا انتهت الأزمة، ليعود الشيخ لممارسة مهام منصبه، تولى الشيخ "عبد الحليم محمود" مشيخة الأزهر في فترة حرجة بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر عام 1381هـ الموافق 1961م والذي نص على التوسع في التعليم المدني على حساب التعليم الديني،

وأثناء فترة توليه منصب وزير الأوقاف (1970 – 1973م)
اهتم بالمساجد فأنشأ الكثير منها، وضم عدداً من المساجد الأهلية للأوقاف،
وسعى لترميم المساجد التاريخية مثل "جامع عمرو بن العاص"
وأسند الخطبة فيه إلى الشيخ "محمد الغزالي" رحمه الله..
كما أنشأ فصولاً للتقوية بالمساجد يستفيد بها طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية
وسعى من خلال ذلك لربطهم بشعائر الدين مثل الصلاة، كما استرد أوقاف الوزارة من الإصلاح الزراعي وأنشأ هيئة كبرى لإدارته.
كما خاض الشيخ "عبد الحليم محمود" معركة كبيرة أثناء توليه مشيخة الأزهر، حيث تصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة "عائشة راتب" إصداره وتمريره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان القانون قد تضمن قيوداً على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.

ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بياناً قوياً حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، ، و نجح الإمام في قتل القانون قبل أن يولد.

كما أثرى الشيخ "عبد الحليم محمود" المكتبة الإسلامية بمجموعة من المؤلفات المهمة والبحوث المفيدة،

يذكر أن البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر كان قد اقترح تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما.

لقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من آذنك بهذا، ومن الذي طلبه منك ؟.. إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت، فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة.

وما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذارا له قائلا له:
إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة.

وكان من أهم دعوات الشيخ رحمه الله دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية،...".

ولم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث،
بل سلك سبيل الجهاد العلمي،

فكون لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار
القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب الأربعة.

وهكذا، كان للأزهر في عهد الشيخ "عبد الحليم محمود" في كل قضية تتعلق بالمسلمين رأي ومقال، فاسترد الأزهر هيبته، واستعاد دوره في خدمة الإسلام والمسلمين.

تُوفي فضيلة الشيخ "عبد الحليم محمود" - رحمه الله – في صباح يوم الثلاثاء الموافق 15 من ذي القعدة 1397هـ الموافق 17من أكتوبر 1978م، تاركاً سيرة عطرة يُقتدى بها، ويسير عليها من يريد الخير والصلاح للأمة.