قدرة مصر النووية
اسباب الاخفاق وتحديات المستقبل


بدأت اسرائيل برنامجها النووى مبكرا بعد ايام من اعلان دولة اسرائيل سنة 1948
فى حين انشغل المصريون بالعمل على الخلاص من نظام ملكى فاسد حصد الهزيمة فى
حربه على العصابات الصهيونية فى فلسطين واخفق فى تحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات مجتمع كانت تحكمه قلة لا تتجاوز نصف فى المائة واحتكرت الثروة والسلطة والحياة

ثورة يوليو

وعندما جاءت ثورة يوليو سنة 1952 كان هم الضباط الاحرار خلال سنوات الثورة الاولى هو ترسيخ اقدامهم فى حكم مصر
واعلن عبد الناصر سنة 1955 تشكيل لجنة الطاقة النووية وعهد بمسئوليتها العملية الى سكرتيرها العام
د. ابراهيم حلمى عبد الرحمن
وهو عالم مصرى بارز كان الظن انه يستطيع عمل شىء
النكسة
ولكن هزيمة يونيو 1967 اخذت الحلم الى سراب

حرب اكتوبر

وعندما صحا الحلم مرة ثانية بعد حدث العبور العظيم وانتصار اكتوبر 1973 فى عهد الرئيس السادات تكاملت لمصر رؤية مستقبلية تتجسد فى برنامج نووى ضخم يقوم على انشاء 8 محطات نووية تعوض مصر عن نقص احتياطياتها من الغاز والبترول التى لا تكفيها لاكثر من 30 عاما وتعطيها فرصة اللحاق بعصر التكنولوجيا النووية بعد ان فاتها عصر الكهرباء

معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية

وذهب الحلم مرة ثانية الى سراب وكان ذلك نتيجة المعايير الامريكية المزدوجة التى فرضت على مصر ضرورة التصديق على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية فى الوقت الذى رفضت فيه اسرائيل مجرد التوقيع على المعاهدة

انفجار مفاعل تشرنوبيل

ثم جاء حادث انفجار مفاعل تشرنوبيل الذى اثار ذعر العالم ومخاوفه من استخدام مفاعلات الطاقة النووية لاكثر من 20 عاما
علقت مصر خلالها برنامجها النووى الذى لم يكن قد بدأ بعد

عصر مبارك

عندما اعلن الرئيس مبارك هذا العام عزم مصر اعادة النظر فى قرار تعليقها لبرنامجها النووى انتعشت امال المصريين بامكان ان يصحو الحلم من جديد والان يكاد يذهب الحلم الى سراب مرة ثالثة بدواعى البحث عن مكان بديل لموقع الضبعة لانه يصلح لاقامة مشروع سياحى بدلا من المحطات النووية برغم كل الدراسات الوطنية والعالمية التى اكدت ان موقع الضبعة هو اكثر المواقع ملاءمة لانشاء اول محطتين فى برنامج مصر النووى خصوصا ان البحث عن موقع بديل واعادة تجهيزه ربما يستغرق خمسة اعوام قد تطول الى عشرة بما يعنى ضياع الحلم فى غياهب مجاهيل عديدة يحار الانسان فى فهمها ولايستطيع ان يستدل على مستقبلها

البرامج المعاصرة لبرنامج مصر النووى

بدا البرنامج المصرى كمشروع فى الوقت الذى بدأت فيه الهند مشروعها النووى وكان المشروعان الهندى والمصرى بمثابة توءمين ترعاهما علاقة وثيقة بين عبد الناصر ونهرو فلماذا اخفقت مصر ونجحت الهند التى تستطيع الان تصنيع محطة نووية باكملها دون حاجة الى خبرة من الخارج كما تملك ما يزيد على 30 قنبلة نووية الا يستحق هذا السؤال اجابة صريحة؟

لقد بدأ البرنامج المصرى بعد مايقرب من 12 عاما من البرنامج الاسرائيلى ووعد عبد الناصر فى خطاب شهير سنة 1960 بان تلحق مصر بالبرنامج النووى الاسرائيلى حتى وان اقتطعت لقمة الخبز من افواه بنيها

فلماذا ذهب هذا الوعد ادراج الرياح ؟
واين نحن الان من اسرائيل التى يوجد فى حوزة ترسانتها النووية ما يزيد على 200 قنبلة نووية
وهل بعد كل ذلك لا يزال هناك وقت؟

ليس الهدف هو صنع قنبلة نووية فقد فات اوان ذلك ولكن من اجل شعاع ضوء يدخل بيوت احفادنا فى ظل حقيقة زاعقة تقول ان احتياطياتنا من البترول والغاز يمكن ان تنفذ بعد 30 عاما

اسباب الاخفاق

حاولت ثلاث دول عربية هى مصر والعراق وليبيا اقامة برامج نووية تهدف برغم تفاوت جهودها الى اقامة نوع من التوازن مع البرنامج النووى الايرانى الا ان جهود الدول الثلاث كانت جهود فردية لم يربطها اى تنسيق جاد او جهد مشترك بل لعلها كانت جهودا متنافسة يحفزها فى الاغلب صراع الزعامة والرغبة فى التفرد وسعى كل نظام الى تعزيز قدراته الذاتية وقد كان ذلك المرض واحدا من اسباب عديدة لاخفاق البرامج النووية الثلاثة

برنامج مصر

دخل البرنامج النووى المصرى ازمته بعد هزيمة حرب 1967 والتى كان من الممكن ان تكون حافزا على تسريع البرنامج النووى المصرى بدلا من وقفه كما حدث فى باكستان بعد هزيمنها من الهند عام 1971 ولكن مصر فعلت العكس واوقفت الانفاق على مشروعها النووى وتفرغت لازالة اثار العدوان وعندما تهيأت لمصر ظروف جديدة بعد حرب 1973 جاء حادث تفجير المفاعل تشرنوبيل الذى تسبب فى تعليق مصر لبرنامجها النووى

برنامج العراق

اما البرنامج النووى العراقى الذى بدأ قويا بحصول بغداد على مفاعل نووى قدرته 70 ميجاوات يعمل بيورانيوم تفوق درجة خصوبته 95 % فقد قصفه الاسرائيليون ودمروه بالكامل لان نظام صدام حسين لم ينجح فى حمايته على العكس كان سلوكه عاملا اساسيا فى التحريض على ضرورة التخلص منه

برنامج ليبيا

فى التجربة الليبية اثر العقيد القذافى فى تصالحه مع الغرب وامريكا ان يسلم برنامجه النووى الى الولايات المتحدة الامريكية وهو لا يزال فى صناديق شحنه التى لم تفتح بعد

نجاح اسرائيل

وتكاد تكون اسباب نجاح اسرائيل فى برنامجها النووى وتطويره هى الاسباب نفسها التى ادت الى اخفاق القدرة العربية وبرغم الاخفاق العربى لاتزال القدرة النووية تمثل ضرورة نجاح وتقدم اذا احسن العرب التعلم والاستفادة من دروس الاخفاق الثلاثة التى الزمتها وقف الانفاق على تمويل برنامجها النووى والتفرغ لازالة اثار العدوان

القنبلة الاسلامية

هل يمكن ان تعتبر القنبلة النووية الباكستانية التى نقلت دولة باكستان الاسلامية فى سابق تسلحها مع الهند الى دولة نوويو قنبلة اسلامية تزيد قدرة العالم الاسلامى على مواجهة تحدياته بحيث تصبح سندا حقيقيا للعالم الاسلامى ام ان القنبلة الباكستانية ترتبط فقط بالصراع المرير مع الهند منذ انفصالهما عام 1947

وهل يمكن ان تعتبر القنبلة الايرانية التى لا تزال فى حكم الغيب قنبلة اسلامية تشكل اضافة قوة الى العالم الاسلامى ام انها ان وجدت سوف تكون فقط فى خدمة "فارس" التى تسعى منذ عصر الشاه محمد رضا بهلوى الى ان تصبح قوة اقليمية ذات اسنان نووية

ان فحص هاتين المقولتين فى ضوء الوقائع والحقائق المرتبطة بسعى الدولتين الى امتلاك القنبلة يؤكد انه ليس هناك ما يمكن ان نسميه قنبلة اسلامية

من اين جاء هذا المصطلح (القنبلة الاسلامية) الذى يفتقد المنطقية
لماذا؟

لان القنبلة الاسلامية تعنى وجود عالم اسلامى تحكمه ارادة سياسية غالية وتتوحد مصالحه ومخاطره ومصيره وتربطه وحدة الهدف او وحدة الصف وتترابط علاقاته وصلاته بما يجعله كتلة ذات وزن مؤثر فى عالمنا

وليس مع الاسف حال عالمنا الاسلامى الذى يضم اكثر من مليار مسلم موزعين على دول عديدة مختلفة اغلبها يعانى مشكلات التخلف والفقر وضعف علوم المستقبل ومعارفه وغياب الديمقراطية وحقوق الانسان برغم ترابطه فى مؤتمر اسلامى يعقد على مستوى القمة كلما نزلت بالمسلمين كارثة او المت بهم محنة كبرى واغلب الظن ان الغرب هو الذى صك هذا المصطلح وربما تجد فى رؤية بابا روما بنديكت التى تحدث فيها عن المسيحية الغربية وكونها هى الوريثة الشرعية لحضارة اليونان التى قامت على اعلاء العقل

وما يؤكد الهدف التحذيرى من مصطلح القنبلة الاسلامية ان المصطلح تم صكه وشاع استخدامه فى وقت راح فيه الغرب يبحث عن عدو جديد حتى ان اخذ شكل عفريت المآتة



عن كتاب

قدرة مصر النووية
اسباب الاخفاق وتحديات المستقبل

للكاتب الصحفى الاستاذ مكرم محمد احمد
الصادر عن دار الشروق