هل يجوز أن نقوم بحرق الإنجيل كما أحرقوا المصحف؟ نرجو منكم التفصيل، وجزاكم الله عنا كل خير.



بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..




فالإسلام قد أرسى منهجية – قمة في الرقي الحضاري- في معاملة المخالفين له



بصفة عامة، وفي معاملة أهل الكتاب بصفة خاصة،



هذه المنهجية تقوم على: البر، والقسط، والاحترام، وعدم الازدراء، والمعاملة بالحسنى والجدال بالتي أحسن.




وحسبنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن بيننا وبين أهل الكتاب رحم وقربى، ففي الحديث الذي رواه البخاري قال صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات،

أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" فالدين واحد وهو الإسلام وإن اختلفت الشرائع.



وأعود إلى سؤال السائل فأقول إن فكرة حرق الإنجيل ردا على سفاهة من دعا إلى حرق المصحف، وسفه من قاموا بحرقه، فكرة غير مطروحة وليست محلا للنقاش، وهذا الأمر لا تجري فيه المعاملة بالمثل؛ لما يلي:



أولا: لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان بكتبه ورسله شرطا لصحة الإيمان، وآخر آية في سورة البقرة تبين ذلك " آمَنَ الرسولُ بما أُنزِلَ إليه مِن رَبِّه والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ باللهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه لا نُفرِّقُ بين أَحَدٍ مِن رُسُله" –البقرة: 285-.

ويوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس الإيمان، والتي لا يقبل إيمان عبد إذا اخلت واحدة منها فيقول: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ‏ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيرهوشره".



فالله سبحانه وتعالى قد تعبدنا بالإيمان بما أنزله من كتب على رسله السابقين، كما تعبدنا بالإيمان بالقرآن، ومن ضمن هذه الكتب الإنجيل الذي أنزله على عيسى –عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم-، قال تعالى: "وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَفِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىًوَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" –المائدة: 46-.




فنحن مطالبون بالإيمان بالإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى –عليه السلام.



ثانيا: أيضا مما يدل على تأكيد حرمة حرق الإنجيل، قوله سبحانه

"وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ" –الأنعام: 108-.



قال القرطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه الجامع لأحكام القرآن: "قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية". انتهى.



ثالثا: بالإضافة إلى ما سبق، فإن الإسلام يحرص على أن تكون الشخصية الإسلامية شخصية فريدة ، متميزة في أخلاقها كما هي متميزة في عقيدتها وشريعتها، فيؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى في الحديث الذي رواه الترمذي عن حذيفة –رضي الله عنها- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا،ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا".



واجب عملي:


إذا ثبت لدينا حرمة حرق الإنجيل فلا أقل من أن يقوم كل بدوره وواجبه، فالسياسي في المحافل الدولية، والإعلامي في ميدانه، مقروءا كان أو مرئيا أو مسموعا، بل يجب على عموم الأمة أن تقابل هذه الجريمة النكراء، بالتنديد والشجب، وبيان الوجه القميء لهذه الحضارة الزائفة، وأن نستثمر هذا الحدث في التعريف بالإسلام حتى نكون بحق شهداء على الناس.



بشارة: وختاما أبشر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخبرنا بقوله "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِ عزيزٍ أو بذلِ ذليلٍ، عزاً يُعز الله به الإسلام وذلاً يُذل الله به الكفر). رواه أحمد وصححه الألباني في السلسة الصحيحة.



الله أعلم.



عصام الشعار – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين