يقول المثل العامي: "قالوا للبغل مين أبوك؟.. قللون الحصان خالي!"

وما وراء هذا المثل أمرٌ لا يخفى على أحد.



إنه يُضرب بكل من لا يجدُ في نفسـِه ما يستطيع أن يفتخرَ به بين الناس، فيبحث عمن يجعل من انتسابِه إليه فخراً له.

البغلُ حين يدّعي الانتسابَ إلى الحصان ويتباهى به، فإنه يبني قوله هذا على الإنسايكلوبيديا بريتانيكا وعلى مراجع علمية أخرى يثق بهـا كل الوثوق. لكنَّ هذا الأمر بالتأكيد، لا يشـرِّف الحصان أو يسعده أبداً، لأنه لا يرى في انتساب البغل إليه مدعاة للفخر!.. فالحصان يحب أن يكون أولاده كلهم أحصنة، وكذلك أولاد أولاده وأبناء إخوته وأخواته أو أبناء عمه.. إنه يريدهم جميعاً أحصنةً لا بغالاً.



ومن ناحيةٍ أخرى، يخشى الحصان عواقب هذا الانتماء، وله في ذلك وجهة نظر!.. فإذا كان البغل يفخر بانتمائه إلى الحصان، فماذا يمنع الحمار من أن يفخر بانتمائـه إلى البغل أيضاً؟.. ألا يصبح تفاخر الحمار بالحصان آنذاك، تلويثاً أكبر لسمعته؟.. لا بل ألا يخشى الحصانُ أن لا يستغربَ أحدٌ بعد ذلك، أن تقف بعوضةٌ على منبرٍ وتخطبَ في الناس وتقول: أيها الناس.. لقد وقفت اليوم على ذنب الحمار ابن أخت البغل ابن أخت الحصان، وامتصصت بعض دمه فأصبح بيني وبين الحصان قرابة دمٍ!



طبعاً، إن مثلنا هذا، لا يُقصَدُ منه النيل من البغل أو الحمار أو الحصان أو البعوضة؛ لأن هذه المخلوقات لا تفهم بلغة الأمثال التي يتعامل بها بنو البشـر.. إنها تفهـم بالتدريب أو الضرب (البعوضة بالضربة القاضية فقط)، لا بل ربمـا كانت هذه المخلوقات في هذا المجال، أفضل بكثير من بعض بني البشـر الذين لا يفيدهم لا تعليمٌ ولا ضرب.



هذا المثل، يقوله الناس في أولئك الذين لا يرون في حاضرهم ما يستطيعون أن يرفعوا رؤوسهم به، فيلجأوا إلى نبش تاريخهم أو تاريخ جيرانهم أو جيران جيرانهم، علهم يجدون فيه شيئاً، يجعلون به من هوانهم عزةً ومن تأخرهم حضارة.. وطبعاً، بما أن المثل عربي، فلا بد أن يكون العربُ همُ فيه بيتَ القصيد.



ألسنا في كل مرة يعيرنا أحد بما نحن عليه من تخلف، ننتفض ونقول: ذاك ابن سـينا خالُنا، وذاك الفارابي عمُّنا.. مِنّـا الخوارزمي ومنا صلاح الدين ومنا الأصفهاني ومنا ومنا!..

لكن إذا كنَّـا نرى في أبناء أوزبكستان وتركستان وخراسان وكردستان وإيران فخراً لنا، فماذا يمنعنا غداً، من أن نضم إلى تاريخ أمجادنا، آبا إيبان وموشي دايان؟.. أفليس أحفاد موسى أبناء عمنا أقـرب إلينا وأحق بفخرنا؟

إذا كان السلام يجر السلام والكلام يجر الكلام فإن المثل يجر المثل أيضاً، ولذلك فإن مثلاً آخر ينطبق علينا في هذا الخصوص، ويقول: "مثل أكابر الديماس.. كبار بعين حالهم، صغار بعيون الناس".

===============
بسام درويش، من كتابه، لا حياة لمن تنادي، طبع سنة 1997