سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد :
لقد عرف الناس الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي، بالفكر والأدب العربي ولم يعرفوه بما هو أعظم ،، فكان رحمه الله يُرقى به إلى صف الأثري في حسرته على المسلمين اليوم.

قال رحمه الله في كتابه (النظرات الجزء الثاني الطبعة الخامسة - المطبعة الرحمانية بالحرنفش ـ مصر ):

كتب إلي أحد علماء الهند عن مؤلف ظهر بلغة التاميل (لغة أهل ناقور وملحقاتها جنوب مدارس بالهند ) وموضوعه :
سيرة عبد القادر الجيلاني وما يروى عن مناقبه وكراماته وما يوصف به من صفات لا تليق إلا بالله تعالى مثل:
(سيد السموات والأرض، المتصرف في الأكوان، المطلع على أسرار الخليقة، محيي الموتى، ماحي الذنوب، دافع البلاء).

وفي الكتاب بيان لما يجب على زائر قبره:( يتوضأ وضوءً سابغًا، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة ؛ وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول: يا صاحب الثقلين، أغثني وأمدني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي. أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة ).

ويقول الكاتب:(أن في (ناقور) في الهند قبرًا يسمى (شاه الحميد أحد أولاد عبد القادر ـ كما يزعمون ـ وأن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وأن في كل بلد وقرية مزارًا لعبد القادر، هو القبلة التي يتوجه إليها المسلمون والملجأ الذي يلجؤون إليه في حاجاتهم وشدائدهم، وينفقون الأموال العظيمة على سدنته وموالده وحضراته ).

يقول المنفلوطي رحمه الله:( يعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض، وأظلمت الدنيا في عيني، حزنًا وأسفًا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها. أي عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع، فلا تريقها أمام منظر أولئك المسلمين المحزن، وهم ركع سجد على أعتاب قبر. أي قلبٍ يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعًا حينما يرى المسلمين [المنتمين] إلى دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكًا؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة؛ وكثرة المعبودات.
لم ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟
ولم يحملون في صدورهم لهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟
وعلام يحاربونهم؟
وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟
يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبُعده عن العقل، فيتأولون فيه، ويقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة، أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون.


جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين وليعتق رقابهم من رق العبودية [لغير الله وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر العظيم في نفوس المسلمين في العصور الأولى فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيرة، أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن والظاهر فقد ذلت رقابهم وفترت حميتهم فوجد أعداؤهم [من شياطين الجن والإنس] السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم،[من أمر الدين والدنيا].


والله، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد. وإن طلوع الشمس من مغربها، أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله؛ فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر والجذع [والميت ودعوه] قبل أن يذكروا ويدعوا [الحي الذي لا يموت ولا يعجزه شيء].
[ومن يؤمل فيه إنكار هذا المنكر علماء مصر وهم الذين يتهافتون على (يوم الكنسة) تهافت الذباب على الشراب [للتبرك بكنس تراب ضريح الإمام الشافعي أم علماء الآستانة [بقيادة] أبي الهدى الصيادي شيخ الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام؟


يا قادة الأمة [وعلماؤها] لو عذرنا العامة في إشراكها، وفساد عقيدتها، وعجزها عن تصور الألوهية إلا ممثلة في النصب، والمزارات، والأضرحة؛ فما عذركم وأنتم تتلون في كتاب الله:{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله{قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا{قل لله الشفاعة جميعًا{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا{قل لن يجيرني من الله أحد

وما عذركم وأنتم تعلمون أن السلف الصالح لم يرفعوا قبرًا، ولا توسلوا بضريح، ولم يقف أحد منهم عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد من أصحابه أو آل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج كربة، وتعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي ليسوا أكرم عند الله من نبيه وآل بيته وصحبه، وأنه لا فرق بين الأضرحة والمقامات وبين أوثان الجاهلية الأولى ما دام تقديسها يفسد عقيدة التوحيد؟
والله، ما جهلتم شيئًا من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم).

قلت: رحمك الله يا مصطفى المنفلوطي، قليل من أمثالك من تمعر وجهه (أو لسانه أو قلبه أو قلمه) مما يرى بصره وتسمع أذنه من هذه الوثنية التي تقرب بها واستشفع المشركون الجاهليون، والمسلمون إلى الله منذ عاث الفاطميين في الأرض فسادًا. ولعل أوثانهم في المشرق العربي كان أولها المسمى بالحسين بجوار الأزهر فقد بُني هذا الوثن في القرن السادس الهجري، ويلقى من تعظيم العلماء والعوام ما لا تكاد تلقاه الكعبة، فلا عجب من ضلال مسلمي العجم وقد سبقهم العرب إليه. وتعظيم الوثن المسمى بالشافعي لا يقف عن حد التبرك بالكنسة؛ فلقدت شاهدت العمائم الأزهرية أكثر من مرة تطوف حول هذا القبر في سكينة وخشوع لا أجده عند طواف كثيرين منهم بالكعبة.

(وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترت بالنهي عن الصلاة عند القبور مطلقًا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 158).
(قال ابن تيمية: لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنِع منه وكان الحكم للسابق، ذكره ابن القيم في زاد المعاد.)
(قال الإمام النووي في شرح المهذب ص 316: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر).
[في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا].
(نص الحنفية على كراهة صلاة الجنائز في المسجد. وإذا كانت صلاة الجنازة مكروهة كراهة تحريم كما في إحدى الرواتين وهي التي اختارها العلامة قاسم وغيره كان الدفن في المسجد أولى بالحظر).
(المصدر: فتاوى الأزهر المنشورة على الموقع الرسمي للأزهر).
ولا زالت أوثان المقامات والمزارات والمشاهد والأضرحة تملأ الرحب في بلاد المسلمين العرب والعجم .
هدى الله الجميع لأقرب من هذا رشدًا، وأعاذهم من نزعات شياطين الجن والإنس ومن تسويل النفس الأمارة بالسوء ومن غلبة الهوى والتقليد الفاسد.
و صلى الله على نبينا محمد و الحمد لله رب العالمين