هربرت ريد ، العين الجريئه

من أروع السير الذاتية باللغة الإنكليزية

: سيرة هربت ريد READ الذاتية: "العين البريئة" أصغر ما كُتِبَ في هذا الباب باللغة الأنكليزية (أقل من ثمانين صفحة متوسطة الحجم، مع ذلك فقد وضعها النقاد في مصاف أعلى ما كُتِبَ من سير ذاتية. إنها تحفة بين التحف. ولكنّها مختلفة – كل الآختلاف – عن أية سيرة سواها. يقول الناقد جون Naughton: هربرت ريد أصبح كاتباً مشهوراً عن علم الجمال والفلسفة في الفن، ومفسّراً متبحراً لحركة الحداثة. لكن وبمعنى ما، فإن هربرت ريد أعظم مخلفاته سيرته الذاتية الصغيرة التي كتبها عام 1933 (وأعيد نشرها هذا العام)، وفيها يسترجع معالم الطفولة الريفية وأصواتها وروائحها ومشاعرها. إن العين البريئة أكبر وصف مثير للطفولة لم أقرأ شيئاً شبيهاً له.
ويقول الناقد كومبتون Makenzie: استُقبلت العين البريئة كإحدى تحف هربرت ريد. هي استكشاف لأصول منابع الخيال، وسبر تأثير حياته الأولى عليه، دون ميوعةٍ حادّة. لقد أسرت أيام الطفولة كما يبدو باتقان، شأنها شأن كل الشتاء حين يؤسر في بلّورة ثلج.
لكن لماذا كلّ هذا الاهتمام بهذه السيرة الذاتية القصيرة؟ وما أهميتها للقارئ العربي؟ وهل يمكن اعتبارها نموذجاً لكتّاب السير الذاتية؟
أولاً، إن السيرة الذاتية تأخذ أهميتها من أهمية صاحبها. وهربرت ريد غني عن التعريف حقاً. فهو شاعر وناقد وروائي (رغم أنه لم يكتب إلاّ رواية شاعرية واحدة هي الطفلة الخضراء، وكتبه كما يقول أحد النقّاد يقرأها كل تلميذ في الفن بإنكلترا وأمريكا. مهّدت هذه الكتب الطريق إلى زيادة الاهتمام في الفنون البصرية في الخمسينات والستينات، كماأدّت إلى تحرير للشكل لم يُسمع به من قبل.
يعلّق النحّات الإنكليزي الشهير هنري Moore على كتاب التعليم من خلال الفن لهربرت ريد: إنه غيّر كل موازين نظامنا التعليمي وساعد بصورة غير مباشرة في العدد الأكبر من الفنانين الموهوبين الذين وضعوا إنكلترا في المشهد العالمي. في الحقيقة، لولا كتابات ريد النقدية، لما قّبلت بإنكلترا – في الأقل – مدارس الرسم الحديثة التكعيبية والتعبيرية والسريالية والتجريدية والبنيوية.
أما أهم كتب هربرت ريد فهي: "معنى الفن"، و "الفن في الوقت الحاضر"، و "سجل وقائع براءة وتجربة"، و" التجربة المضادة"، و" مقالات في النقد الأدبي" و" مع معطف بألوان كثيرة" ومجموعة شعرية ورواية" الطفلة الخضراء."
رغم أن هربرت ريد لم يكمل دراسته الجامعية، إلاّ أنه اصبح أستاذ الفنون التشكيلية في جامعة أدنبرة باسكتلندا، وعُيّن بمناصب أكاديمية في جامعة كيمبردج وليفربول في إنكلترا، وجامعة هارفرد بالولايات المتحدة. وحصل على جائزة "إيراسموم" الهولندية عام 1966 لإسهاماته في الثقافة الأوربية.
لكنّ "العين البرئية" لا تتحدث عن كل هذا، لا تتحدث عن عمله في أحد المصارف، ولا عن التحاقه بالجيش أثناء الحرب العالمية الأولى، ولا عن أصدقائه من الأدباء والشعراء والرسّامين، ولا عن زوجتيه، ولا عن أطفاله. ذلك أن هذه السيرة الغريبة من شتى الوجوه، معنية بالطفولة، أو بتعبير أدق، بالسنوات التسع الأولى من طفولته. آمن هربرت ريد أن الحياة جميعها صدى لمشاعرنا الأولى، ونحن نبني وعينا وكل وجودنا الثقافي على تنويعات تلك المشاعر الأولية وتراكيبها.
تخلو هذه السيرة من أي حوار من أي نوع بين أفراد العائلة. إنها مكتوبة بصمت المختبرات. بدأب أجنحة النحل. كلماتها مثل حبوب الفيتامينات بالمقارنة إلى الموائد الدسمة المغثية. من أقانيمها، النظام واتقان العمل الكادّ لديمومة العيش، بعرق الجبين.
لا تعود أهمية هذه السيرة إلى استرجاع أدقّ الأصوات، ولا إلى استحضار فصول الطبيعة، ولا إلى أسلوبها الصافي، فحسب، بل إلى موازاة مراحل تلك السيرة بالتطور البشري. بكلمات أخرى، فإن السنوات التسع الأولى من حياة الطفل، ما هي إلاّ الأدوار التي مرّت بها البشرية – كما يبدو -، وهذا هو سّر عمقها، وسّر عبقرية هذا الكاتب.
قسّم هربرت ريد، سيرته إلى ثلاثة عشر جزءاً صغيراً (لا بدّ أن لهذا الرقم دلالة). قد يوحي هذا التقسيم بالمراحل التي أشرنا إليها قبل قليل.
نتوقف بتأمل عند الجزء الأول حيث يصف ريد الوادي الذي كانوا يعيشون فيه. يقول ريد: "حينما ذهبت إلى المدرسة علمت أن الوادي الذي كنا نعيش فيه، كان في يومٍ ما بحيرة، لكن منذ زمن بعيد أخذ البحر ينخر في التلال إلى الشرق، فأطلق الماء العذب مخلفاً سهلاً خصيباً. بيد أن فكرة كهذه، كانت ستبدو غريبة على عقلي البريء. كان بعيداً جداً هذا البحر المرعب".
هذه المعلومة عن الوادي، لم تأتِهِ من البيت، ولكن من المدرسة، وفي ذلك أكثر من دلالة. فمن ناحية، يمكن اعتبار المدرسة الوعاء الذي كانت تصب فيه التجارب والأساطير والخرافات، ومن ناحية تربط الإنسان القديم وكأنه في العصر الجليدي بالإنسان الحديث. بهذه البداية يكون الكاتب قد مهّد لعمق تاريخي سحيق، لا سيّما في تعبيره: كان بعيداً جداً هذا البحر المرعب. ولكن لماذا هذا ولماذا المرعب؟ ثم إن حركة البحر مدّاً وانحساراً ضد التلال وتمكنه من فتح فجوة في التلال وانهمار الماء العذب الذي لا بد له من رغوة في هذه الحالة، توحي بحركة حسيّة مخصبة.
بعد أن يوصل الكاتب الماضي المنقطع بالحاضر، يبدأ بتجذير المكان وتعيين موقع مزرعتهم في الوادي في الجانب الغربي منه:
"ولأن كل أرضنا كانت مستوية استواء سطح البحيرة التي كانت، فإننا كنا نرى حوالينا التلال الضبابية والأهوار إلى الشمال، والصحارى إلى الجنون فهي تلتقي في صورة ملغزة في الشرق، حيث كانت بعيدة أكثر. هذه السلسلة من التلال كانت الأقرب إلى الجنوب، في الأقل من حيث التأثير، لأنه حينما تنحدر الشمس في الغرب، فإن نوافذ مزرعة ستامبر في الجنوب تمسك الأشعة المتقدة وترميها علينا، لافتة عيوننا دائماً في ذلك الاتجاه. لكننا لم نسافر ألى أبعد من تلك التلال جنوباً، لأن المعبد والسوق وهما المكانان الوحيدان في الخارج اللذان نذهب إليهما يقعان في الشمال على بعد خمسة أو ستة أميال. كنّا – بحكم العادة نواجه الشمال، كان الجنوب إلى الوراء".
ينتقل الكاتب بعد ذلك، من ذلك العالم الجغرافي الواسع نسبياً إلى مكان أكثر حميمية، ومعه ينتقل من" نحن" إلى "أنا":
"بدا لي، على هذا، أنني أسكن في حوض واسع وضحل مثل مغرفةحليب في الملبنة، ولكنّ قعر الحوض كان مرقّشاً بالمراعي وحقول الذرة. كانت إطارات الحوض هي الألوان الزرقاء والبنفسجية الخفية للأراضي البرّية. هذا الحوض كان عالمي، ولم تكن لديّ أية فكرة عن أيّ عالم أوسع، لأن ما من غريب جاء إلينا منه، ولم نذهب نحن إليه قط... يبدو الحوض في بعض الأحيان واسعاً ولا سيما في نهار صيف صاح. لكن ما أن يحلّ الغروب حتى ينكمش فجأة. التلال الضبابية تقترب، مع الليل تطبق علينا: يصبح مركز العالم شمعة تضيء من نافذة المطبخ".
هذه واحدة من مهارات هربرت ريد، أي قدرته العجيبة في استخدام الألوان، ولا سيما النور الصغير في ظلمة غامضة واسعة، حتى لتبدو كل جملة جزءاً من لوحة ولكنه جزء مسكون ونابض. إن ذكره للحليب والحوض واللونين الأزرق والبنفسجي، وكأنما لونا عروق جنين، وجهله التام بالعالم الخارجي، قد يصرف الذهن إلى التكوّن الأصلي للإنسان داخل الرحم.
حين ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى حجرة الجلوس، فكأنما هي انتقالة من الرحم إلى العالم الخارجي، انتقاله من الجنين إلى الطفل، الذي ما يزال في ظلام ما. فالكاتب لا ينتقل إلى حجرة الجلوس إلاّ في الليل:" في الداخل في حجرة الجلوس، حيث نقضي معظم حياتنا، أضيء فانوس بكُمّةٍ زجاجية مدوّرة مثل بدر تامّ أصفر، هناك نغتسل أمام النار، نصلي نركع على سجادة".
هكذا بكلمات بسيطة، مثل: فانوس، نار، نصلي، أصبحت غرفة الجلوس بمثابة كهف، يمارس فيه الإنسان القديم طقوسه. وما إن شبّه الكاتب كُمّة الفانوس ببدرٍ تام أصفر، حتى أعطى للمكان صفة سماوية واسعة وغامضة. حيث يتعتم العالم بالليل، يعود ثانية حينما يستفيق الصباح. إنه عالم جديد كما يقول الكاتب ويشبهه" بمكعب مجوّف مع ضوء يسري في الداخل من إحدى النوافذ إلى أرضية الفراش الواسع. وبتعاقب الليل والنهار على تلك الصورة يولد ثلاثة أطفال بمرور الزمن".
يعود الكاتب مرة أخرى إلى الليل والطفل ليكتشف عالم الأصوات هذه المرة: "في بعض الأحيان يواصل عقل الطفل العيش حتى في أثناء ظلمة الليل، مصغياً إلى سكون الليل المخملي. سكون مدينة نائمة، سكون قرية نائمة، لا شيء بالنسبة إلى سكون مزرعة نائمة، لأن سلام النهار في مكان كهذا حنون جداً لدرجة ان الأذن مدوزنة على أدق الأصوات، وعلى الزمن البطيء. فإذا ما خارت بقرة في الليل بالمصادفة فإن خوارها مثل صرخة مرعبة لبعض الوحوش الشيطانية التي تجلب الويل للعالم. ومَن يدري أية وحوش شيطانية قد تجوس في الليل، لأن في الكهف الذي يبعد خمسة أميال من الكنيسة عثروا مرة على عظام كثيرة من الحيوانات الغريبة، ذئاب، ضباع، وحتى على فيلة شمالية منقرضة".
بهذه المثابة وصل الكاتب – وبمهارة – عن طريق الصوت الليلي، الماضي بالحاضر، صوت البقرة الأليفة بالحيوانات الضارية. لكن تلك الصلة صنعها خيال طفل. غير أن الصوت الأعمق الذي كان محفوراً في رأس الطفل، هو ما سمعه يوم كان جنيناً في رحم أمه: "الصوت الليلي الذي ما يزال يرنّ برأسي، على أيّ حال، ليس من ذلك النوع. إنه أكثر رقة وأكثر موسيقية. صوت حوافر خيول بعيدة على الطريق العام. في البداية غير واضح ومشكوك فيه، ولكنه يزداد، إلى أن يتوقف فجأة. إلى ذلك الصوت البعيد – أدركت ذلك فيما بعد، لا بدّ أنني جئت إلى هذا العالم، لأن الطبيب وصل على صهوة حصان في الساعة الرابعة في صباح أحد أيام ديسمبر، ليجدني ناطقاً صرختي الأولى".
والآن كيف يتسنّي لصوت حوافر الخيول أن ينحفر في ذاكرة جنين لم يولد بعد، في حين أنه ليس متأكداً منها حينما سمعها مرة ثانية وهو في العاشرة من عمره؟ يقول الكاتب:
"أظن أنني سمعت صوت حوافر الحصان ذاك مرة أخرى، ليلة وفاة والدي، ولكنني لست متأكداً من ذلك. ربما سأتذكر حينما أقوم بسرد الحادثة.."لا يمكن تفسير ذلك، إلا بأن الإنسان في سنيّه الأولى، يعيش مراحل التطور البشري – كما سنرى -. فالكاتب في البداية رسم بصورة غامضة العصر الجليدي، والبحر وتكوّن اليابسة، ثم عمّم الظلام، ومصباحي الكون: الشمس والقمر، ثم صوّر الأصوات الليلية المفزعة. مخاض كوني من ناحية موازية لميلاد بشري.
في نهاية الجزء الأول من هذه السيرة الذاتية، يضع الكاتب نظريته الفريدة بأسلوب لا لبس فيه، ذلك أن السنوات التسع من حياتنا الأولى هي الأساس، وما السنون اللاحقة إلا تنويعات عليها.
يقول الكاتب عن تلك السنين الأولى:
"إن اصداء حياتي التي اكتشفتها في طفولتي المبكرة كثيرة جداً، لا يمكن والحالة هذه أن أصرف النظر عنها، على أنها مصادفات عابثة، بل ربما أن حياتي هي تلك التجارب التي عشناها بإدراك بكر – لذا فإننا نسمع لحناً مرة واحدة فقط، نرى لوناً مرة واحدة فقط، نرى، نسمع، نلمس، نتذوق، نشمّ كل شيء مرة واحدة، في المرة الأولى. كلّ الحياة صدى لأحاسيسنا الأولى، ثم نبني وعينا، وكل حياتنا الذهنية بتنويعات وتركيبات تلك الأحاسيس. لكن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، لأن الحواس لا تدرك الألوان والأشكال، بل تدرك كذلك الأطرزة والأجواء، واكتشافنا الأول لها يحدد الأطرزة الأوسع والأجواء الأكثر براعة في وجودنا اللاحق".
في الجزء الثاني من هذه السيرة الذاتية يصف هربرت ريد، الخلية الأولى للمجتمع البشري، أي البيت.
يبتدي الجزء بالجملة التالية" لقد أعطيتُ الانطباع أن المزرعة كانت بعيدة، ولكن ذلك ليس حقيقياً بصورة مضبوطة، فعلى بعد نصف ميل منّا، في الجانب الآخر، يوجد بيت آخر في مزرعة، وتوجد ثلاثة أو أربعة أكواخ متجمعة قربه إلى الشرق..." يحقق الكاتب بهذا المطلع نتيجتين في آن واحد، تواضعه وآعترافه بالخطأ من جهة، وجعل القارئ في موضع الحذر مما يقرأ.
على أية حال، بعد أن يصف الكاتب شبكة الطرقات المحيطة بالبيت، يصف بناء البيت، ثم مدخله، ثم الغرفة وأثاثها، واللحوم المجففة. يأخذ البيت صيغة خلية نحل، فعلاً، لا سيما أنه يقترن بأدق نظام روتيني في العمل. يقول الكاتب عن أوقات العمل اليومي:" في الساعة الخامسة تنزل خادمة المطبخ لإشعال النار، ينزل العمال بأقدام مجوربة، ويلبسون جزماتهم ويشعلون الشموع في فوانيسهم ويخرجون إلى الماشية. الفطور في السابعة، الغداء في الثانية عشر. الشاي في الخامسة. ثم يتبسط الكاتب في ذكر أيام الأسبوع وما العمل الذي يجب أن يقام به في كلّ يوم.
قلنا إن البيت يأخذ صيغة خلية نحل فعلاً. موزّع بتفاهم تام. الفرد من أجل الكلّ والكلّ من أجل الفرد. طريقة مثلى في الحصول على الرزق وديمومة العيش الآمن، وما اللحوم المجففة التي ذكرها الكاتب، إلا الحيطة من الغائلات اللامتوقعة. ليس من الغريب إذن أن يكون للمطبخ أهمية، خاصة في هذا الجزء، أي التركيز على العمل والمعدة.
في القسم الثالث يصف الكاتب بدقّة هندسية، المرجة التي هي امتداد للبيت، ولكنها هي أيضاً الصلة التجارية بالعالم الخارجي، وهي البقعة الوحيدة التي يألفها الغرباء، من ساعي البريد، إلى البائع المتجول، إلى الصيادين بملابسهم القرمزية. هنا في هذا الجزء يكتشف الطفل، المخلوقات الصغيرة تحت الأحجار، ويراقب عملية قطع وكيّ أذناب الخيول وذبح الدواجن وولادات الماشية. ولكن أهم اكتشاف له، هو اكتشاف مفعول النار في تطويع المعادن وهو اكتشاف غيرّ مجرى حياة الإنسان القديم حينما تعلم استخدام النار لأول مرة.
على أية حال، كان الطفل يراقب ذبح الحيوانات والدواجن بسلبية تامة، حتى صراخها لا يثير فيه شيئاً. يقول الكاتب:
"الشفقة وكذلك الرعب عاطفتان تتطوران حينما لم نعد أبرياء، والإنسان العاطفي إلى حدّ الميوعة، الذي يدخل مثل هذه العواطف في عقل الطفل فإنه ربما يكسر الحواجز التي وضعتها الطبيعة، بحكمة، حول دماغ الطفل الغضّ. لدى الطفل حتى تلهّف طبيعي للأشياء المرعبة. إنه يبقى قادراً على العيش لأنه بلا عاطفة، فبهذه الطريقة فقط، يتصلّب قلبه الأخضر بما فيه الكفاية لتحمّل الجراح التي سيعاني منها فيما بعد".
ينتقل الكاتب بعد ذلك من الحيوانات والنبات، إلى المعادن وتذويبها بالنار. فيتحدث بدقة ونشوة كيف كانوا يصنعون بعض القذائف الرصاصية ويطلقون عليها إسم إطلاقات. كانوا مسحورين بصناعتها وبمنظر جمالها المتألق.
لكن المكان الإكثر سحراً، كان ورشة الحداد وهو يصنع حذوات الخيول أو ينعّلها، أو يصلّح العربات أو يصنع بعض الأدوات البسيطة. وهنا لا ينسى الكاتب أن يذكر أن ماء الحوض الذي كانت تبرّد فيه المعادن يمتلك خاصية عجيبة لعلاج الثآليل.
من الطريف، أن يسمي الكاتب هذين المكانين مقامين لهما حرمة. يقول الكاتب مختتماً الجزء الثالث: "في هذين المقامين خبرتُ لأول مرة البهجة في صناعة الأشياء. في كل مكان حولي كانت الأرض تنشط بالنمو والحيوانات تزيد من ذرّيتها. لكنّ تلك العجائب مرّت دون أن ينتبه إليها عقلي الطفوليّ، لم تُسجّل في الذاكرة. إنها تعتمد على قوى فوق تصورنا. غير أن النار كانت حقيقية، وكذلك المهارة التي نطوّع بها المعادن الصلبة وفقاً لتصميمنا ومشيئتنا".
هكذا تتساوق مرة أخرى مراحل الإنسان الأول، بسنيّ طفولة صاحب العين البريئة، حيث وصلنا الآن إلى عصر النار وتطويع المعادن، الذي يدلّ على الاستقرار والإنتاج والتصنيع. ولا أدلّ على ذلك من الحديقة المنزلية التي كانت تجمع بين إنتاج الثمار وبين الزينة، ولكن للحديقة المنزلية مشاكل لا حصر لها. أقلّ ما تتطلّبه هو معرفة سيرة حياة الأشجار المثمرة، دراستها ومداراتها. هذا بالضبط ما يحدث في الجزء الرابع حيث تبدأ المحرمات مع الحديقة. يقول المؤلف مثلاً في مطلع هذا الجزء: "كانت الحديقة الأمامية امتداداً لصالة الاستقبال، وليست جزءاً من عالمنا المعتاد فإذا ذهبنا إلى هناك خلال النهار، فإنما لنرى ما إذا كان المشمش المحرم ناضجاً..." يصف الكاتب في اسطر لاحقة حوض الماء الصخري حيث تتجّمع فيه مياه الأمطار من طنوف السطوح، ويقول:" كان ماء المطر هذا عزيزاً جداً لأغراض الغسل، لذا كان ممنوعاً علينا اللعب به، في ذاكرتي احتفظ بقليل من الذكريات عن صرامة (والدي)، ففي إحدى المرات وجدني منتهكاً حرم ذلك القانون فرفعني وغطّسني جسدياً في الماء. ومن المحرمات الأخرى عدم العبث في الجرس فوق الباب، حيث كان يدقّ في منتصف النهار إيذاناً للعمال بحلول فترة الغداء.
من الحوادث الطريفة التي يذكرها الكاتب في هذا الجزء، ما حدث له يوم ذهب مرة إلى سقيفة البقر يمسّد عجلاً صغيراً، وأغلق الباب وراءه كان العجل الصغير مضطجعاً على قشّ نظيف طري، ولم يتحرك حينما تقدمت إليه. بعد ذلك بساعات، افتقدوني وبعد بحث طويل ومناداة كثيرة في المزرعة والحقول عثروا عليّ نائماً ورأسي على خاصرة العجل الدافئة.
في الجزء الخامس يتحدث الكاتب، عن المملكة الرابعة مملكة الحيوان، كما يسميها. وفيه يختزن الطفل أدقّ الأصوات، ويتعرف إلى حدود إمكانياته، وعلى معاناة فرس حامل أُخذت إلى العمل جهلاً أو عنوة، وعلى عاطفته التي بدت عابثة تجاه الحيوانات التي تآلف معها وهي تباع أمام عينيه.
فمن الأصوات التي اختزنها الطفل مشهد حلب الأبقار. يقول الكاتب:" يحلب البقر في الصباح والليل، وفي معظم الأحيان على ضوء الفانوس، بحميّة ومودّة، هما بالنسبة لي حميّة عيد الميلاد ومودّته. تقف الحيوانات الصبور في مرابطها في الحظيرة، نافثة رائحة رقيقة ومغثية قليلاً. فتاة أو رجل يجلس على كرسي ذي ثلاث أرجل. الخد على الخصر اللمّاع واندفاق الحليب الإبري الدافىء يهسهس في السطول المتلألئة. في البداية يئز الحليب على قعر البرميل الصفيحي المجوّف، ولكن ما إن يمتلىء حتى يكركر بق بق رغويّة".
عانى الطفل في هذه المرحلة أولى إحباطاته من عدم تمكنه من حلب البقر رغم أن أخوته الأصغر منه تمكنوا من ذلك. كما خاب في صنع الصوت بين اللسان وسقف الفم، وهو الصوت المرافق اللازم لجعل البقرة تدرّ الحليب بيسر. يقول الكاتب عن هذه الإحباطات: "هذه الإحباطات في الأشياء التافهة تتضخم في الطفولة، تؤثر فينا تأثيراً أعمق من التخلّف في تعلّم السلوك أو الحقائق لأنها تظهر نقص قابليتنا الجسمانية، وهذه أكثر واقعية في أعيننا من أية قدرة عقلية". ثم ينتقل الكاتب إلى نوع آخر من الحيوانات، إلى خيول جرّ العربات، رغم أنه يصفها بحيوانات ضخمة نبيلة، لكنه كان يخاف منها، لأن بعضها متوحش، وعلى استعداد لأن يعضّ. شهد الطفل هنا يوماً مشهداً مرعباً، حيث أخذ عامل جاهل فرساً حبلى للحراسة، ومن فرط ما أرهقها، تسبب في إجهاضها. صادفناه – أنا وأبي- جالباً الفرس بأحشائها الفظيعة، كانت نوبة انفعال والدي رهيبة لدرجة نسي تماماً وجودي، فكوّم لعناته على الرجل المذنب.
من الطريف أن نذكر، ان الكاتب، لم يأت على ذكر أي حوار دار بين الأفراد لحد الآن. كما أن الأم لم تظهر بأية صورة. وها هو الأب يظهر لأول مرة معنّفاً العامل على فعلته الشنيعة. ورغم أنه لم ينقل من تعنيفه شيئاً، إلا أن الكاتب استغل ظهور الأب على مسرح الأحداث، فاستغّلها فرصة لوصفه وجهاً وشعراً وعيناً، ولإعطاء صورة عن شخصيته: "كان رجلاً ذا عادات صارمة واستقامة شاملة. كان يطلب ودّه أناس معترف بمقامهم الثقافي. مع ذلك فلا أذكر أنه كان يقرأ كثيراً، أو انه كان محباً للكتب بأية صورة".
وما دمنا في مملكة الحيوان، فإن أهمها، وأهم من المزرعة نفسها هي خيول الصيد الأصيلة، و"هي مفخرة الحقل، وهي تعيش بنظافة وراحة مما يضعها بمرتبة منفردة، في المنتصف بين البشر والحيوانات. أظن أن ثروات الحقل تعتمد على تلك المحبوبات المدللات الفاخرات، أكثر من أعتمادها على المحاصيل والماشية، أنه يوم مشهود حينما تستعرض بكامل أبهتها اللامعة، أمام تاجر ما للخيول، وحين تتم الصفقة. لا بد أن الحزن كان يمتزج بالارتياح حينما تغادرنا تلك الخيول، والحقل أي حقل، مشهد كثير من الوداعات بلا شك: خرفان وبطوط أليفة تُسرق وتباع في السوق مع غيرها، تاركة طفلاً مكسور القلب باكياً يومه بعيداً، إلى أن يعثر على مواساة ما".
هكذا بعد أن شرح الكاتب تطور الإنسان من الزراعة والحراثة إلى تربية الحيوانات وتدجينها وتحسينها، وكلها تومئ إلى الاستقرار والتحّضر، وآية ذلك ظهور الطيور الأليفة والفراشات النادرة، الغالية الثمن. وحتى يتحقق نوع من الاكتفاء الذاتي فلا بدّ من استعمال المكائن والآلات. ولأنها مرتبطة بطحن الغلّة، أصبح لها إيقاع الموسيقي.
أما رائحة البخار والزيت الخاصة، فظلّت مع الكاتب حتى وفاته. إن يوم وصول ماكنة الدراسة إلى المزرعة بمثابة مهرجان أو كرنفال يدوم يومين أو ثلاثة. ويذكر الكاتب أن هذا المهرجان هو صلتهم الوحيدة بالماكنة رغم وجود قطار على بعد ستة أميال. وهنا أي في الجزء السادس، تظهر لأول مرة الأحلام والكوابيس مع ظهور الآلة والماكنة اللتين أحبهما الطفل. يصف الكاتب كابوسين متعلقين بالآلة، وأحد هذين الكابوسين أنه كان نائماً وكان في فراش على ضفة غيوم. السماء تعتم ويصبح لونها أسود مزرقّاً. ثم بدأ الظلام يتخذ شكلاً مرئياً، ينفصل إلى دعائم طويلة. تصوّبت تلك الدعائم بعدئذٍ نحوي، واقتربت مني، متضخمة تضخماً كبيراً وهي تقترب أكثر. استيقظت صارخاً، مرتجفاً بهلع، سمعتني أمي وجاءت بسرعة لتهدئتي، ربما لتأخذني معها إلى غرفتها لأتخلص من الرعب المفاجئ".
هكذا تظهر الأم لأول مرة في الكتاب. كذلك نعلم أن الطفل – حسب التقاليد الإنكليزية – كان ينام بعيداً عن الأبوين، كما أن الكاتب لا يتذكر بالضبط هل أخذته امه معها بعد ذلك الكابوس.
إلى هذا الحدّ يكون الكاتب قد رسم بدقّة هندسية، وكأنه أمام لوحة وليس في التشبيه مجاز – البيت والحديقة البيتية والمزرعة، ووصف المهرجانات الجماعية الصغيرة، البهيجية، ومن ثم وصف الصناعة النباتية، منتقلاً بعدها إلى آستخدام المعادن. هنا يبدأ الكاتب بصورة منطقية لتوسيع هذه الخلية إلي خلايا، توسيع هذه البقعة إلى بقع أخرى، فينتقل إلى المراعي حيث لا بد لها من حماية من التخريب وخاصة من الثعالب والأرانب حيث تقتل شرّ قتلة، غير مأسوف عليها بأدنى رحمة.
تتوسع الدائرة من القرية إلى المدينة، ففي الجزء الثامن. وفي كل نوبة مرض، وفي كل ولادة، يرسل الطفل إلى اقاربه في المدينة. وفي المدينة يتعرف إلى بشر مختلفين، وعلى ألوان جديدة، وأصوات نشارة ومعابد وعربات، وعلى أديرة تاريخية وقلاع وحتى على مقابر مختلفة. ومعها تتوسع نظرة الطفل ومن ورائه يقف الكاتب، فيتميزّ هذا الجزء خاصة بأعلى كمية من الشاعرية، بحيث يصبح أسلوب العبارة وإيقاعها عملية استقطار، رقيقة وأنيقة ودقيقة.
ذكرنا أن نظرة الطفل أخذت تتوسع، فلم يعد يصف شجرة بعينها مثلاً، أو جانباً من حديقة أو مزرعة، أو نهراً أو تلاًّ، وإنما أخذت نظرته تعمّ. أي أنه انتقل من الجزء منفرداً، إلى الجزء متداخلاً مع الأجزاء الأخرى، متفاعلاً معها كالنسيج. يقول الكاتب مثلاً: "حينما تقوم ماكنة نشر الأخشاب بالعمل، يرتفع أنين كئيب عالٍ فوق البيوت فيملأني برعب غامض". ويقول: "في بعض الأحيان تمرّ عربة تجرّها ثيران، ببطء، كأنما لإظهار جو أشبه ما يكون بكسلٍ (شرقي)".
عموماً ترتبط القرية بالجغرافية، بينما ترتبط المدينة بالتاريخ. وهكذا يتعرف الطفل في هذا الجزء إلى نوع من التاريخ عن طريق تاريخ الدير وبانيه، وإلى القلعة ومشيّدها. يقول الكاتب:" إنني أرى الآن شيئاً ما أجنبياً في كلّ جانب من هذه المدينة. وليس من باب الصدف أن يعرّفنا الكاتب بجدّه في هذا الجزء:" أتذكر قامة جدّي المعتدلة، وشعره الأشيب، وهو وديع في كرسيّه، بالقرب من نار المطبخ، أتذكر غلاّية الشاي تشدو، والجدائد تسقسق".
لإعطاء نموذج عن دقة الإسلوب وشاعريته في هذا الجزء، نترجم الحادثة التالية التي قد لا تخلو من طرافة:
"كنت أتجوّل مع ابن خالتي، وهو أكبر مني بخمس أو ست سنوات حول دير ريفولكس وخاصة في الوديان الغابيّة الطبيعية الضيقة التي تظهر مثل أشعة خضراء في الظلمة البنفسجية للمستنقعات. كان هاوياً متحمساً لجمع بيض الطيور، والفراشات والأزهار، وكان يتمتع ببراعة كبيرة في تحقيق تلك الأغراض. تعلّمت منه كيف أتعامل مع بيض الطيور، وكيف أفرغها من خلال ثقب واحد ونحشرها في علب ثقاب. كنا نحمل مصايد،ومنه تعلمت ما الطيور التي يجوز لنا صيدها. وكم بيضة يمكن أن توخذ من عشّ، وكيف يمكن سرقة عش دون تدميره، أو دون تسبب نفرة الأم. في يوم ما وعن طريق الخطأ، اصطدت طائراً صغيراً يدعى أبا الحناء، وهي جريمة جعلها ابن خالتي تبدو أكثر رعباً حينما وعد أن يُبقي الأمر سرّاً عن العالم".
في الجزء التاسع، يشهد الطفل الطقوس الدينية في المعابد والمقابر. لكن يبدو أن تلك الطقوس كانت تقام بروتينيّة من نوع ما وكأنما فقدت طرافتها وجدّتها. وفي الظاهر إن المشاهد التي كانت تمرُّ بها عربتهم وترشرش الماء حينما تخوض، عابرة الجداول، هما النشوتان الوحيدتان اللتان تبهجان الطفل. وما عدا ذلك فكل شيء روتيني، بما في ذلك زيارة المقبرة حيث خلت من أيّ حزن. ولكن حين توفيت أخته ماريانا اصبحت الطقوس كئيبة، وكان مشهد دموع أمّه ينقل شعوراً محيّراً بالمصيبة.
يظهر موقف الكاتب من الكنيسة من جانبين. داخلها وخارجها. فرغم أن الكاتب وصف الوصول إليها في فصول مختلفة، إلا أنه لم يصف وجوده فيها حيث كانوا يعانون من برد شديد.أمّا الجانب الأخر، أي الخارجي، فمن الغريب أن الكهنة كانوا يختارون أماكن عبادتهم بعيدة ومنعزلة عن الناس. يقول الكاتب: "ما تزال كنيستنا التي بناها الرهبان لأول مرة في المكان نفسه الذي أرادوه لها قبل اثني عشر قرناً في وادٍ بعيد غير أنيس، قرب جدول جارٍ، رماديّة مثل صقر متوحش يبني عشّه في أشجار داكنة".
عن طريق هذا الجدول بالذات ينتقل الكاتب إلى الجزء العاشر حيث يأخذ الماء مكانة خاصة لا تخلو من غموض، وكأنك أمام ماءٍ مسحور، يُبطئ فجأة ويختفي قسم منه في شق بين الصخور، ثم يظهر ثانية فجأة على بعد ميل ونصف متدفقاً من عمق كبير في رأس حقل يمتلكه خاله الطحّان. يقول الكاتب: "إن هذا الماء الغامض الذي ترك مجراه الخاص ليظهر ثانية في هذه البقعة بالذات، لتقديم خدماته له، ينحدر عميقاً وقوياً في انعطافه على جانبيها شجر صفصاف حول حقل واسع، عازلاً الطاحونة عن الطريق العام. يصبح الجدول في نهاية الحقل سدّاً مسوّراً بجدران وإلى اليمين يتدفق خلال بوابة إلى بحيرة دائرية، هي بمثابة خزان ماء لأيّام الجفاف.
لقد وجد الطفل في بيت خاله وخالته السلام، ووفرة الغذاء. فبالإضافة إلى تربية الدواجن، كانت البحيرة مأوى للبطوط والدجاج المائي البرّي. ولكن لم تدُم الحال، فقد نزلت المصائب على خاله تترى. فمن وفاة ابنه المفضل، إلى إفلاس ابن آخر، إلى رهن ممتلكاته هو، وأخيراً حق تأجيل الديون، و"لكنه بقي خلال هذه المحن أشبه شئ بالملك لير في هذه السهوب مهيباً في الشجاعة والإيمان".
يعود الكاتب في الجزء الحادي عشر، إلى العالم المنزلي، حيث يكون الاتصال بالخارج من طريق الكتب وهو اتصال أعمق بكثير من مشاهداته الشخصية العملية. من هذه الكتب مثلاً أطفال" ميغ الصغار". ففي الفصل الأول وصف لموت والدة ميغ: "أدرات وجهها إلى الجدار، وبآهة عميقة أغمضت جفنيها، ولكن شفتيها بقيتا ترتجفان بصمت من وقت إلى آخر. بكت ميغ بهدوء مع نفسها وهي على الكرسي أمام النار، لكنها سرعان ما غلبها النعاس من جراء كدر القلب، وحلمت أن سفينة والدها جاءت إلى رصيف الميناء، وإنها هي ووالدتها والطفلان ذاهبون عبر الشوارع القذرة لملاقاته. استيقظت فزعة، زاحفة برفق إلى أمها، ووضعت يدها الصغيرة الدافئة على يد أمها، كانت باردة إلى أبعد حدّ، باردة بتثلّج لم تشهد ميغ مثيلاً له من قبل، وحينما لم تتحرك أمها ولم تتكلم جواباً لصرختها المتكررة عرفت أنها ميتة".
يذكر الكاتب أن هذه القصة على بساطتها وأشجانها المروّعة ربما تداخلت في نسيج خياله المتفتح، لتحضيره إلى صدمة الموت التي تنتظره عمّا قريب. ثم يتساءل الكاتب" لماذا يكون للشجن الخيالي في قصة ما، تأثير أكبر فينا؟ إن التشوشات العقلية تشكّل خطراً على القاعدة الغريزية للحياة. فلا عجب إذا ما كانت الطبيعة حكيمة لدرجة، أنها لفّتنا في شرنقة من عدم الحسّ، إلى أن يحين الوقت الذي نمتلك فيه قوة لمقابلة العقل بالفراسة".
يتحدث الكاتب في هذا الجزء كذلك عن ميله الفطري الأول لقراءة الكتب، وبما أنها كانت شبه معدومة في البيت،تحايل على الأمر، وسرّ رغبته إلى ساعي البريد – وهو صلتهم الوحيدة بالعالم الخارجي. إلا أن ساعي البريد، لم يكن على أدنى اطلاع على الأدب، ولكن أتى له بجريدة، البوليس الرسمية. وحينما قرأها لم تترك فيه انطباعاً مخصوصاً، لأن محتوياتها تخلو من واقعية العالم الخيالي. ولكن كيف تطوّر اهتمام الطفل بالكتب في عزلة كهذه؟ لا بدّ أنه ميل فطري. يقول الكاتب:"أقلّ ما يُقال إننا سعداء فقط ما دامت حياتنا تتوسع بدوائر تكبر بلا انقطاع من التدفق الصاعد من حوافزنا الأولى، وحتى الحبّ الذي يكون الطفل غافلاً عنه لا يكون حقيقياً إلا حين يكون تحوّلاً في دور المراهقة، لعلاقتنا الفطرية الأولى".
ينتقل الكاتب بعد ذلك من هواية قراءة الكتب، إلى الموسيقى. بدأت علاقته الأولى، بدمية موسيقية صغيرة جاء بها والده في إحدى سفراته. كانت الدمية تغني ما من حظ في هذا البيت. ولكن الأمّ بعد فترة، فظنت إلى ما سيجلبه هذا اللحن المنحوس من شؤم. خاصة وإن أخته الصغيرة كان اسمها ماريان، وكانت هناك أغنية حزينة وفيها الاسم نفسه. كانت ماريانا تبتسم كلما سمعت الموسيقي، إلاّ أن الطفل يُرسل بعيداً لدى أقاربه، وبعد أيام أخبرنه خالته بأن ماريانا ماتت.
كما رأينا فإن الكتاب الأول الذي أثّر في الطفل، ارتبط بموت والدة ميغ، وها هي الموسيقي ترتبط الآن بموت أخته ماريانا.
أما من الناحية العملية فقد تعرّف إلى الموسيقى وخاصة آلة الكمان عن طريق مروّض للخيول يأتي سنوياً للمزرعة. كان الطفل مأخوذاً بطريقة ترويض الخيول الصغيرة وبطريقةإخراج المروّض للكمان من الصندوق، والصوت الذي يستحضره من الهواء، صوت لم يتصوره الطفل من قبل.
لكن رغم أن الطفل أُعطي دروساً خاصة بالبيانو من قبل معلم هولندي قاسٍ، إلا أنه لم يمل إلى هذه الآله وفترت عزيمته، غير أنه ظلّ متعلقاً بآلة الكمان.
يصل الكاتب قمة أسلوبه الأثيري النقي حينما يصف بعد ذلك بسنوات وكانت أمه قد ماتت في بداية الحرب العالمية الأولى، كيف كان يسير ذات مساء متأخراً، في شارع في أحدى غابات بافاريا وكيف كان القمر يحدّق فيه من خلال أقفاص الأشجار، فوصل إلى قلعة كبيرة، ساعة انتهى الضيوف من العشاء. يدعوه حارس القلعة فيتسلل خلسة إلى صالة العزف. كانت الصالة مظلمة إلاّ من مصباح كهربائي فوق منصة العزف. كانت معزوفة سوناتا للكمان، فينشدّ على الفور، لا بالموسيقى، ولكن بالصورة التي جاءت إلى ذهنه، حينما كان يحدّق بالمرأة التي تعزف الكمان. يقول الكاتب: " كان جسدها الأهيف مثل ساق نبتة، تتمايل عليه، على وقع الموسيقى زهرة عجيبة غريبة. تويج هذه الزهرة وجه بشري، أبيض تماماً تحت طاق شعر أسود فاحم يبدو وكانه يرفّ على تويجاته البنيّة الملتفة، وليحافظ على السكون الكامل في وسط تلك القوة التي حرّكتها".
على أية حال مهما أُعيدت قراءة المقطع فقد لا يصل القارئ إلى قناعة، هل كان الكاتب يصف حلماً، وهماً، أم واقعاً؟ مع ذلك فيمكن مقابلة القمر الذي كان يحدّق فيه من خلال أقفاص الأشجار، وظلمة الغابة، بالوجه البشريّ الأبيض وظلمة الشعر. ويمكن كذلك مقابلة حركة أغصان الأشجار وحفيفها، بحركة الكمان وموسيقاه. إن مقابلات كهذه تحتاج – بلا ريب – إلى مهارة خاصة في صناعة الكتاب وإلى موهبة شاملة ونقية.
تنتهي مشاهد الطفولة تلك فجأة في الجزء الأخير من هذا الكتاب بموت الأب وكان عمر الطفل تسع سنوات، فأصبح البيت أخرس وصامتاً. وحين أُسدلت الستائر، أصبح كل شيء ساكناً ومظلماً تماماً، يقول الطفل: "صُعقتُ ولكنني لم أعِ ما فقدته، كما أنني لم أع حزن هؤلاء القريبين مني. سرتُ بهذا السكون اللاطبيعي، ماشياً في نوم حيّ". ثم يشهد الطفل دفن أبيه، ومع الطفل تشترك الطبيعة في رثاء عميم، وبأصوات ناشجة مسموعة.
حلقات أشجار التنّوب المظلمة ارتفعت في الخلفية، متأوهة في الريح المثلجة. دقّ ناقوس البرج الرمادي نغمته الخالية من النغم. الخيول لم تفك سيورها. حمل ستة من أصدقاء والدي التابوت إلى القبر. سقط التراب بصوت أجوف على التابوت النازل. نشجت أمي على كتف خالي. قيلت آخر آمين في ذلك السكون السحيق، وحين ألقينا النظرة الأخيرة على التابوت البائس، عدنا بسرعة على الطرق الحجرية المتجمدة، حوافر الخيول تقرع بوضوح في الهواء المعدني".
لا بدّ أن القارئ أدرك من المقطع أعلاه، رغم ما اختطمت منه الترجمة من إيقاع نفيس، أن هذا الرثاء الصوتي من أغرب المراثي في الأدب.
على أية حال تبيع العائلة ممتلكاتها – لأنهم مستأجرون للأرض فقط – وترحل للعيش مع بعض الأقرباء في البداية، إلاّ أن الطفل يُرسلُ إلى دار اليتامى.
يقول الكاتب الشهير غراهام غري عن هذه السيرة: "إنها من أروع استحضارات الطفولة في لغتنا". في الواقع إن هذه السيرة، تكاد تسمع حتى ولو قُرِئت بصمت، وكأنها معزوفة لا تمل. وهي إلى ذلك انتقاء للأحداث مدهش، وإيجاز يشبه إيجاز الخرائط حيث تنوب فيها النقطة عن مدينة، والتعرّج الصغير عن نهر، والخط المقوّس عن جبل.