فسر الأنسان المصري القديم نشأة الكون طبقاًُ لما كان يلاحظة من مظاهر الطبيعية التي تتغير وتختل طوال العام ، فتختفي حقول مصر في المياة مرّة عام ولا تلبث أن أنحسرت عنها رويداً رويداً ، فأعتقد المصري أن الأرض قد برزت من الماء ، وتصوروا أن مكاناً عالياً من الأرض كان أول ما ظهر على سطح ذلك الخضم القديم الذي سموه "نون" ، وكان هذا المكان بمثابة بدء العالم ، فهو التل الموغل في القدم أو كما قالوا : (التل المزدهر الذي ظهر في أول العصور) وحددوا مكانه في مواقع مختلفة من مصر .
وفوق هذا التل القديم ظهرت المعالم الأولى للحياة ، إذ سكنت فيه الضفادع والثعابين وهي من الكائنات التي تتفق مع ما يغمر هذا المكان من ظلام ورطوبة ، وسميت هذه الكائنات بأسماء أستمدت من طبيعة هذا المكان : (اليل ، الظلام ، الأختفاء ، الذبذبة ، وغير ذلك ...) وكان عددها ثمانية ، ومدينة شمون تحمل أسماءها فأسمها يعني "الثمانية" ، وكان هناك شئ أخر فوق هذا الطمي ، شئ يتناسب مع طبيعة هذا العالم الطيني الجدب ، هذا الشئ هو بيضة طائر مائي خرجت منها أوزة أستحال بخروجها الظلام الدامس إلى نهار واضح فهي الشمس التي طارت صائحة فوق سطح الماء ، ومن أجل ذلك سميت الصائحة الكبيرة ، فكان ذلك بمثابة الضوء الأول والصوت الأول الذي أضاء الظلام الدامس ، وأنطلق في ذلك الصمت الأزلي الذي خيم فوق العالم .

وهناك أسطورة أخرى تقول بأن زهرة اللوتس نبتت من الماء الأول وكان يجلس فيها طفل الشمس ، ثم تضيف أسطورة ثالثة على ذلك فتقول إن بقرة كانت تسبح في الماء وجلس فوق ظهرها الطفل ، وهذه كلها تخيلات أستمدها المصري من بيئته أثناء الفيضان .


وفي هليوبوليس ظهرت تلك الأسطورة التي تقول بأن الشمس ظهرت هناك على الحجر المسمى بالبنين ، ولقد كان العالم الذي برز من الماء الأزلي لا يزال مضطربًا إذ لم تكن السماء قد أنفصلت عن الأرض وكانت إلهة السماء نوت مستلقية فوق زوجها إله الأرض "جب" ولكن أباهما "شو" إله الهواء زجّ بنفسه بينهما ورفع السماء إلى أعلى ورفع معها كل حي خلق ، أي كل إله "ومعه سفينته" فاستحوذت عليها نوت وقامت بتعدادها وجعلت منها نجوم السماء ولم تستثن منها الشمس وأصبحت جميعاً يجبن بسفنهن جسم "نوت" .
وهكذا كانت نشأة العالم ، إذ أنه منذ أنفصال السماء عن الأرض أتخذ الكون وكائناته الشكل المعروف ، ولم يكن هناك من أتصال بين العالم العلوي والآخر السفلي سوى "عظام شو الذي تحمل ذراعاه الجميلتان نوت".

وهناك أسطورة أخرى عن نشأة الكون وكائناته بالشكل المعروف وهي أن الإله العجوز رع قد حفظ بني الإنسان من الهلاك إلا أنه لم يرغب في البقاء سيداً على هذه المخلوقات الناكرة للمعروف ولقد قال متململاً "وبحياتي لقد تعب قلبي من وجودي معهم" وهنا تدخل نون العجوز في الأمر ونادى على أبنته "نوت" التي على شكل بقرة وجلس رع على ظهرها فرفعته إلى أعلى وتكوّنت بذلك السماء ، ولكن عندما ألقت نوت بنظرها إلى أسفل "أرتعشت من شاهق الارتفاع" فنادى رع الإله "شو" وقال له : (أبني "شو" ضع نفسك تحت أبنتي "نوت" وخذها فوق رأسك) فنفذ "شو" ما أمر به وسند منذ ذلك الحين بقرة السماء التي تلمع النجوم على بطنها وتتحرك الشمس فوقها في قاربها هنا وهناك