الأسطورة في الفن الآشوري

بواسطة الياسمين » 11 سبتمبر 2006 10:44
لعبت الأسطورة دوراً مهماً في حياة الشعوب عبر عصور التاريخ وتكشفت في مختلف الحضارات على شكل قصة، نحت، شعر، تصوير.. وحين نقول مختلف الحضارات فإننا نعني بالتحديد ما نقول، ذلك أن العديد من الباحثين الأوربيين اعتبروا اليونان الموطن الأصلي والمصدر الوحيد لأساطير العالم متجاهلين عن قصد أو غير قصد الأساطير المصرية، البابلية، الآشورية..وغيرها من أساطير العالم رغم أن الحفريات يؤكد بالأدلة العلمية الدامغة أن أرض وادي الرافدين قد شهدت موطن أقدم حضارة عرفها الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ. من جهة أخرى تكشف متاحف العالم عن مئات الأعمال الفنية من نحت وتصوير ورسم وتلوين.. التي تناول أصحابها الأساطير بالتعبير الفني وبأساليب متنوعة تتلاءم مع جمالية كل مرحلة التي تكشف عن قضية على غاية من الأهمية وهي استخدام الأسطورة في شتى قنوات الفن الشعبي والرسمي واستمرارها إلى يومنا هذا. فهذا ما يؤكد أصالتها وجذورها العريقة في حياتنا.

وحين نتحدث عن الأسطورة علينا أن نميز بين الأسطورة والخرافة. فالواقع كان دائماً مصدر الأسطورة التي هي الترجمة الإبداعية لصراع الإنسان مع الطبيعة وعندما تفوق الإنسان مادياً أو وجد مبرراً علمياً لظواهر الطبيعة نرى بأن الأسطورة تختفي وهذا ما يفسر انقراض الأسطورة في عصرنا الحالي.

لكن العلاقات الإنسانية الأسطورية التي نراها في كثير من الحالات أكثر واقعية من مظاهر الواقع والخيال الشعبي ما زال مصدر صناعة الأسطورة في العصور القديمة وفي عصر الديانات وأخيراً عصر العلم.

لذلك لا يمكن البحث عن الأسطورة بمعزل عن الواقع ومصدرها الواقعي وصناعتها في الفكر الشعبي وارتباطها بالواقع الجغرافي. فالأساطير على سبيل المثال التي ترتبط بالأرض الصحراوية والجفاف والمطر لها جذورها التاريخية الأسطورية نستخدمها في عصرنا الراهن (زراعة بعل) التي ترتبط بالأمطار وعبارة بعل كانت في يوم الأيام تطلق على أسطورة بعل التي وراءه خلفية واقعية صراع الإنسان مع الطبيعة وبعل اعتقاد قديم مفادها أن انحباس ماء السماء ناتج عن موت إله المطر بعل أو حدد وينعكس هذا الموت أو المرض الطويل الشبيه بالموت على الطبيعة مباشرةً فيصفر العشب وتيبس الأشجار وتهزل الحيوانات ويزداد الجوع والعش. ولا شفاء لها إلا بالماء السماوي المطهر ولا ينقذ بعل الذي نزل إلى العالم السفلي إلا عشتار (إنانا) بالسومرية تبحث عنه من أجل استمرار الخصب على الأرض وعودة الحياة إليها. وما طقوس الاستسقاء والضروع إلى الله تعالى لأجل المطر في وقتنا الحالي سوى استمرار لأسطورة بعل ولكن بطريقة العصرنة ممزوجة بروح طقسية دينية.

وفي أقدم نص من (أوغاريت) يتحدث عن زواج إلهة القمر المغازلة اللعوب وإله الصيف (نينكال) تظهر فيه إلهة القمر (ابنة بعل) صورة عن عشتار تهتم بطقوس الخصب أكثر من اهتمامها بالزواج التقليدي فتقيم نصباً للذكورة تضاجعه ومعها مجموعة النجوم تدعى (الساهرات) و (والحارسات) و (والطاهرات) و (بنات المدائح) أي المغنيات. وكثرة الإشارات إلى نصب الذكورة في العهد القديم تؤكد سعة انتشار هذه الطقوس واستمرارها إلى ما بعد انتشار اليهودية بكثير. وتشكل بنات بعل الثلاث بدرية (البدر) وطلّية (الطل) وأرضية (الأرض) مجموعة من الإلهات التي تمنح الخصب وإتمام العرس في مكان مكشوف يجعله في أحضان الطبيعة مباشرة وتحت أعين القمر والنجوم مشمولاً بطراء الندى.

إن هذا ما يؤكد على استمرار الأساطير إلى يومنا الحالي مع إضفاء روح الجمالية عليها وإبقاء معناها التاريخي والاجتماعي كفكر. ولكن نحن لم نعد نعترف بالأساطير لأن الظواهر والأحداث يمتزج بعضها ببعض وتحتل مكانها حسب أهميتها في نطاق مداركنا العقلية لكننا في الوقت نفسه أصبحنا نشعر بوطأة بعض مواقفنا تجاه أشياء لم نجد لها تفسيراً أو تبريراً.

وهذا ما يفتح المجال لانبعاث أساطير جديدة من نوع آخر مثل أسطورة الفقر والجوع في آسيا وأفريقيا رغم امتلاكها للموارد الطبيعية وأسطورة المرض في الشعوب الفقيرة التي تروى في المجالات السياسية والاجتماعية وكلها أساطير بلا أبطال.

كذلك لن يغيب عن بالنا حكايا الأجداد والجدات في أماسي الشتاء المروية والتي تمثل شكلاً من أشكال الخلاص والتفوق على الطبيعة والقوى الشريرة وستظل رمزاً للبطولة وللخير والحب والعطاء والعشق والتضحية عبر علاقات خاصة لا واقعية في تكوينها رغم جذورها وأهدافها الواقعية إذا كانت خرق لما هو طبيعي وتحد لما هو علمي وفق تصوراتنا للعلاقات العلوية ولهذا تترجم مرحلة ما قبل العلم..

ويقول الأستاذ خليل صفية: "أن بين الأسطوري والحقيقي علاقة جدلية تكشف الشيء الأسطوري الحقيقي أحياناً وتكون الحقيقة كالأسطورة لأنها تخالف ما ألفناه واعتدنا عليه في حياتنا ومهما تطور الإنسان وتقدم في معارضته لما هو أسطوري أو اتخذ موقف العالم الذي يرفض كل خرق للقانون الطبيعي فإن الطفولة الإنسانية متغلغلة في حياتنا تحمل إلينا الأسطورة دوماً".

وهذا يعني أن غياب الأسطورة في الفكر العلمي الذي يسود هذا العصر (عصر العلم) وسيطرة الإنسان على الطبيعة لا يعني غيابها عن الفن. فالفنان مستودع انفعالات تأتيه من شتى الأرجاء كالسماء والأرض أو طيف عابر يكون الفنان، لأنه هناك فرق بين أن يكون الفنان مبدعاً عقلانياً خالصاً فإنه يتحول إلى مجرد صفة وبين أن يكون الفنان مبدعاً عقلانياً مشحوناً بانفعالات تجعله يتأثر من أي طيف عابر أو مشهد يشاهده. وهذا يوقفنا عند حالة إنسانية فنية يتحلى بها الفنان موسى ملكي تجلت واضحة في لوحة (نيسان الفرح) حيث يكشف من خلالها الأساطير وبالتحديد الأساطير الآشورية بجمالياتها الفنية والتي هي صراع بين الخير والشر والمأساة والفرح والحياة والموت.

إن هذا الفن هو من فنون ما بين النهرين ذو التراث العظيم للشعب الآشوري. ولو تسنى لدارس إمعان النظر في أعمال هذا الفن لوجد أن الفنان موسى العظيم من الحياة الحية وليس من التراث الميت أي من مفاهيم واقعية بنيت من جديد وتكونت تكويناً أسطورياً فنياً منح ثمرات خياله صفات الألوهية. وحدد بوسائل فنه صور الأساطير في إطار ما هو موجود على الأرض. وبذلك بقي الفنان ضمن حدود الإبداع العقلاني المشبع بانفعالات جياشة مكنته من الاستفادة في صياغة العناصر الأسطورية صياغة جمالية تراثية مصادرها آشورية تاريخية ـ شعبية معاصرة.

وهذا التنوع في الجماليات والأساليب الفنية التعبيرية جعلته من أن يرفع الواقع الشعبي إلى مستوى الأسطورة وتارةً أخرى بالعكس حيث يسقط الأسطورة القديمة على الواقع حيث قام بدراسة عناصر الأسطورة (الإنسان ـ الأزياء ـ الأدوات..) دراسة واقعية ليصور بمنتهى الدقة، فقد حافظ على الملامح الفلكلورية في تصويره الشخصيات مستخدماً الزي الشعبي بألوانها المعروفة مع إضفاء روح العصرنة والتجديد عليها.

إن هذه التجربة الفنية تؤكد حقيقة الدور المتميز الذي لعبته الأسطورة في الفن الآشوري المعاصر على اختلاف أساليبه واتجاهاته وجمالياته وستبقى الأسطورة ذلك الجسد الحي الإبداعي المستمر مع استمرارية الحياة