بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ،





أولاً : الأعمال الصالحة للإنسان التي لا تنقطع بوفاته : -

هل من أعمال صالحة تُضاف إلى رصيد الإنسان بعد وفاته , تلحقه في قبره , فتزيد من ميزان حسناته يوم الحساب, يوم تُعرض أعمالُ الإنسان على الله سبحانه وتعالى ؟
الجواب: نعم , فمن فضل الله ونعمته علينا أنه لم يغلق علينا أبواب رحمته, حتى بعد وفاتنا , حيث يقول تعالى في كتابه العزيز: ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْۚ) سورة يس .
أي يكتب الله تعالى لعباده أعمالهم التي باشروها بأنفسهم في حياتهم , كما يكتب لهم آثارهم التي خلّفوها من بعدهم فيجزيهمُ الله خيراً على ذلك أيضا.
وهذا ما أوضحه وبينَّه لنا رسول الله في الحديث الشريف : " إذا ماتَ ابنُ آدم , انقطعَ عمله إلا من ثلاث : صدقةٌ جارية , أو علمٌ ينتفع به, أو ولدٌ صالح يدعو له " . رواه مسلم .
أي أن أجر هذه الأعمال الثلاثة وثوابها يستمر للإنسان بعد وفاته , حيث تأتيه الرحمات والحسنات تلو الحسنات وهو في قبره ما دامت هذه الأعمال الصالحة الثلاثة ( كلّها أو بعضها ) مستمرة , فيزيد بذلك ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة.
وفيما يلي سنلقي مزيداً من الضوء على كل من هذه الأعمال / الآثار الصالحة الثلاثة :
(1) الصدقة الجارية :

المقصود بالصدقة الجارية هنا : الصدقة التي عملها الإنسان في حياته ولا زالت جارية مستمرة بعد مماته، أو أن يكون قد أوصى بعملها في حياته من ماله الخاص (تركته) على أن يتم تنفيذها بعد مماته .
والصدقة الجارية تنفع الميت ويصله ثوابها تباعاً وهو في قبره طالما استمر انتفاع الناس بهذه الصدقة , فيزداد بذلك ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة.
وهناك أمثلة كثيرة من أعمال الصدقة الجارية نذكر هنا بعضها على سبيل المثال لا الحصر :

1.بناء المساجد:

بناء المساجد أو المساهمة في بنائها أو فرشها أو تجهيزها. فعندما يدخل المسجد إنسان ليصلي أو ليتلّقى العلم فيه تكون للعبد حسنة في دنياه وآخرته " ما دام هذا المسجد" .
وتشمل أيضا وضع بعض المصاحف في المساجد, فكلما تمت قراءتها تكون لصاحبها حسنة .

2.بناء المستشفيات :

بناء المستشفيات أو المساهمة في بنائها أو تجهيزها، مثل شراء الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لتشغيلها مثل آلة غسيل الكلى أو جهاز الأشعة أو الكراسي المتحركة وغيرها .
وتشمل أيضا : شراء الأطراف الصناعية للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة . وفي كل مرة ينتفع فيها الناس بالمستشفى أو تستخدم فيها هذه الأجهزة والمعدات تكتب لصاحبها حسنة .

3.حفر بئر مياه :

حفر بئر مياه أو المساهمة في ذلك، فيرتوي من مائها العطشى من إنسان وحيوان ونبات , كما يتوضأ منها المسلمون لأداء صلاتهم، فيكون لصاحبها من كل شرَبة ووضوء حسنة .
قال النبي:
" أفضلُ الصدقةِ سقيُ الماء في موضعٍ يقِّلُ فيه الماء ويكثرُ فيه العطشى" رواه أبو داوود بإسناد حسن .

4.كفالة اليتيم :

اليتيم هو الذي مات أبوه ولمّا يبلغ بعد، فإذا بلغ الصبي الرشد لم يعد يتيماً .
وكفالة اليتيم المالية تتضمن تغطية نفقات اليتيم الأساسية من مأكل وملبس وعلاج وتعليم ونحو ذلك , بحيث يعيش اليتيم حياة كريمة ،لا يشعر فيها بفرق بينه وبين أقرانه ممن ليسوا بأيتام .
وتختلف قيمة كفالة اليتيم من بلد إلى آخر ومن آن لآخر حسب مستوى المعيشة في بلد اليتيم .
وتعتبر كفالة اليتيم من أفضل سبل الخير وباب من أعظم أبواب النفقة في سبيل الله ,وقد جاءت آيات القرآن الكريم والسنة النبوية دالة على بيان فضل رعاية اليتيم وعظم أجر فاعله. قال رسول الله :
" أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بأُصْبعيه السبّابة والوسطى وفرَّج بينهما ". رواه البخاري .
إذاً طوبى لمن ينال هذا الشرف العظيم , أن يكون في صحبة رسول الله في الجنة.

5.تعليم القرآن :

تعليم الأفراد تلاوة القرآن أو التبرع بالمساعدة لأماكن تعليم القرآن الكريم .
تعليم الفقراء والمحتاجين

6.تعليم الفقراء والمحتاجين:

مهنة تجعلهم يكسبون رزقا حلالاً يعينهم على الحياة أفضل من أن يتسوّلوا.
كما تشمل تسديد الرسوم المدرسية والجامعية عن الطلبة المحتاجين في المدارس والجامعات أو شراء الكتب المدرسية والجامعية لهم.
نشر الكتب النافعة

7.عمل مطبوعات دينية أو علمية ونشرها وتوزيعها :

أخي المسلم :
هل فكرت بعمل صدقة جارية لك في الدنيا حتى تكون نوراً لقبرك بعد وفاتك, وتجعل الحسنات تلو الحسنات تنهمر عليك سواء في الحياة الدنيا أو بعد الممات؟
قم بنفسك الآن وبادر بعمل صدقة جارية لنفسك بنفسك قبل رحيلك عن هذه الدنيا، وسوف تستمر هذه الصدقة في إعطائك الحسنات تلو الحسنات التي تزيد من ميزان حسناتك وبالتالي تساعدك على دخول الجنة بسلام, ونجاتك من النار بأذن الله ورحمته .


(2) علمٌ ينتفعُ به :

الإنسان الذي يعلِّم الناس العلم النافع له أجرهُ وثوابه عند الله سبحانه وتعالى. فإذا استمر انتفاع الناس بهذا العلم بعد وفاته فإنه يستمر له الأجر والثواب وهو في قبره ، وتأتيه الحسنات تلو الحسنات تباعاً وهو في قبره طالما استمر الإنتفاع بهذا العلم ، فيزداد بذلك ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة .
ويشمل هذا كل من خلّف وراءه علماً نافعاً ، ينتفع الناس به بعد وفاته ، مثل: المعلمين والمؤلفين والناشرين وغيرهم .
وثواب المعلمين وأجرهم ممتدٌ ، حيث يجزي الله المعلِّم عن التلاميذ الذين تعلّموا على يديه ، وكذلك من تعلموا على يدي هؤلاء التلاميذ ، وهكذا ... ( يا كرم الله ).
فهنيئا لكم أيها المعلمون الذين قضيتم ردحاً طويلاً من الزمن من أعماركم وأَنتم تعلّمون الناس العلم النافع جيلاً بعد آخر، فهؤلاء التلاميذ هم نتاج عملكم وجهدكم في الدنيا، ونسأَل الله أن يلحقكم ثواب وأجر تعليمهم وتربيتهم في حياتكم وبعد وفاتكم .

(3) ولدٌ صالحٌ يدعو له:


الولد هو من عقب الميت (والده/ والدته) , فهو بالتالي من أعماله وآثاره المستمرة التي لا تنقطع بوفاته , والمقصود بالولد هنا : الذكر والأنثى (الولد والبنت ) ويشمل الأبناء والأحفاد وما تلا ذلك من ذريتهم.
والمقصود بالولد الصالح هنا : هو الولد الذي أحسن أبويه تربيته , فنشأ على طاعة الله وطاعة والديه وحبّهما .
والولد الصالح : يدعو لوالديه ويسأل ربَّهُ لهما المغفرة والرحمة والجنة ورفع الدرجات فيها والنجاة من النار.
ودعاء الولد واستغفاره لوالده الميت (الأم والأب) ينفعه ويصله ثوابه تباعاً وهو في قبره طالما استمر الدعاء له , فيزداد بذلك ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة.
قال النبي : " إن الله سبحانه وتعالى يرفعُ الدرجة للعبد في الجنة فيقول يا رب: أَنّى لي هذه , فيقول عزَّ وجل باستغفار ولدك لك " صحيح .
أيها الأبناء الصالحون : أكثروا من الدعاء والاستغفار لوالديكم , وعلموا أولادكم الدعاء والاستغفار لكم ولهم من بعدكم.
بِرُّ الوالدين بعد موتهما:
جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله : هل بقي لي من برِّ أبويّ شيء أَبرهما به بعد موتهما ؟
قال : " نعم ، الصلاة عليهما والاستغفار لهما , وإنفاذ عهدهما من بعدهما , و صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما " رواه بن حبان في صحيحه (حسن).
(المعنى: الصلاة عليهما : الدعاء لهما ، إنفاذ عهدهما : إنفاذ وصيتهما ).



ثانياً : أعمالٌ صالحةٌ أخرى ينتفعُ بها الميت :

تناولنا فيما سبق الأعمال الصالحة الثلاثة المستمرة التي تنفع الميت وقام بها لنفسه بنفسه في حياته ، ونتناول فيما يلي أعمال صالحة أخرى ينتفع بها الميت يقوم بها له غيره ( أبناؤه أو غيرهم من المسلمين خاصّهم وعامهم ) .

1-الحج عن الميت :

من مات وعليه حجة الإسلام أو حجة كان نذرها ، وجب على ولِّيه أن يُجِّهزَ من يَحُجّ عنه من ماله ، ويشترط فيمن يحج عن الميت أن يكون قد حج عن نفسه سابقاً.
ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تَحُجَ فلم تَحُجَ حتى ماتت، أفأحجُ عنها قال : حُجّي عنها , أرأيت لو كان على أمك دين , أكنت قاضيتُه ، اقضوا فالله أحق بالقضاء. رواه البخاري.
وفي الحديث : دليل وجوب قضاء الحج عن الميت. والأفضل أن يَحُجَ عن الميت أَحد أقاربه لأن القرابة لها تأثير في القيام ببعض الواجبات البدنية من الحي عن الميت .

2- الصدقة عن الميت:

الصدقة تنفع الميت ويصله ثوابها سواء كانت من ولده أو غيره من المسلمين خاصّهم وعامّهم .
وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدِّق عليه وكانت دائمة ومستمرة .
أ*-جاء رجل إلى الرسول r فقال : يا رسول الله إن أُمي إفتلتت نفسها , وأراها لو تكلّمت تصدقّت , أفلها أجر, إن تصدقتُ عنها قال : (نعم) متفق عليه .
(ومعنى افتلتت نفسها : أي توفيت فجأة ).
ب - جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله إِنّ أُمي توفيت , أفينفعها إن تصدقتُ عنها : فقال ( نعم ) . قال فإن لي مَخرفاً وإني أشهدك أَني قد تصدقتُ به عنها . رواه الترمذي وقال حسن .
(المعنى : مخرفاً بفتح الميم: الحديقة من النخل والعنب أو غيرهما ) .

3- الدعاء للميت :

يقبل الله الدعاء للميت سواء كان من أولاده أو غيرهم من المسلمين خاصّهم وعامّهم .
وقد اجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل إليهم .
قال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْيَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَابِالْإِيمَانِ). سورة الحشر.
· ويقول النبي : " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة, على رأسهِ ملكٌ موكل ,كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به : آمين , ولك بمثل " رواه مسلم .
وكان رسول الله , عندما يُصلي على جنازة ، كان يدعو للميت ، وكان مما قاله :
" اللهم إغفر له وارحمه وعافه واعف عنه , وأكرم نُزله ووسِّع مُدخله, واغسلهُ بالماء والثلج والبرد, ونقِّه من الخطايا كما نقّيتَ الثوبَ الأبيض من الدنس، وأبدلهُ داراً خيراً من داره , وأهلاً خيراً من أهله, وزوجاً خيراً من زوجه , وادخله الجنة وأعذه من عذاب النار " . صحيح.

ملاحظة : - المراد بالإبدال في الأهل والزوج في الدعاء أعلاه : إبدال في الأوصاف لا الذوات .
فالمرأة في الجنة تكون لزوجها في الدنيا إذا دخل معها الجنة وإن لم يكن في درجتها ، ويراد بإبدالها زوجاً خيراً من زوجها ، أي في صفاته ، بأن يكون خيراً من حيث صفاته وأخلاقه التي كان عليها في الدنيا .

4-قراءة القرآن :

اختلف علماء المسلمين فيما إذا كانت قراءة القرآن تصل إلى الميت وينتفع بها ، فمنهم من قال إنها تصل وينتفع بها ومنهم من قال إنها لا تصل .

والقائلون بوصول ثواب قراءة القرآن للميت يشترطون أن لا يأخذ القارئ عن قراءته أجراً. فإن أخذ القارئ أجراً على قراءته فلا ثواب للميت على قراءته .
وعند قراءة القارئ بدون أجر يقول القارئ بعد فراغه: اللّهم أصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان .

ثالثاً: رحمات وبشائر من الله سبحانه وتعالى للميت :


1-ثواب ُمن مات له أولاد صغار:
قال رسول الله : " ما من مسلم يموتُ له ثلاثةٌ لم يبلغوا إلا أدخله اللهُ الجنَّة بفضل رحمته إياهم " متفق عليه .
وفيما كان رسول الله يعظ مجموعة من النسوة ويُعلِّمهن مما علَّمه الله تعالى , قال : " ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد , إلا كانوا لها حجاباً من النار) " فقالت امرأة واثنين ؟ فقال (واثنين ) متفق عليه .
فالأطفال الصغار الموتى يشفعون لآبائهم يوم القيامة في دخول الجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " يُقال لهم : ادخلوا الجنة ، فيقولون : حتى يدخل آباؤنا ، فيقال : ادخلوا الجنة انتم وآباؤكم " رواء النسائي وغيره .
2-ثواب المريض :
من فضل الله ورحمته بالناس أن جعل المرض كفارة لذنوب المؤمن ، ويثيب المريض على مرضه ، رحمة منه عزّ وجل ، فعندما يمرض الإنسان يمحو الله عنه السيئات ويزيدُ له الحسنات ويرفع له الدرجات .
قال رسول الله :
·" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب و لا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَر الله بها عنه من خطاياه " متفق عليه.
(المعنى : النصب هو التعب ، الوصب هو المرض).
·" إذا مرض المسلم , كتب الله له كأحسن ما كان يعمل في صحته , وتساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر " . ورد في الصحيحين.
·" لا يصيب المؤمنُ شوكةً فما فوقها إلا رفعهُ الله بها درجة وحطَّ عنه خطيئة " صحيح مسلم.
3-التئآم شمل أسرة الميت معه في الجنة :
من فضل الله على عبده المؤمن الذي استحق الجنة ، إنه يلحقُ به أفراد أسرته معه في الجنة ، لتقرّ بهم عينه , وتتم فرحته بلقائهم في الجنة كما كان حالهم في الدنيا.
قال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْذُرِّيَّتَهُمْ) سورة الطور.
وقال رسول الله :
" إنَّ الله يَرفعُ ذريةَ المؤمن إليه في درجتِه وإن كانوا دونهُ في العمل لتقرَّ بهم عينه " رواه الطبري.
يخبرنا الله تعالى ورسوله : أن المؤمن إذا كانت ذريته مؤمنة وصالحة , فان الله يلحقهم به في المنزلة والدرجة في الجنة, وإن لم يبلغوا عمله ودرجته في الجنة, لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم في الجنة , ويلتئم شمل الأسرة كما كانت عليها حالهم في الدنيا .


رابعاً: وصيَّة الميت :

الوصية أمر مشروع , ومأمور بها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله r .
قال رسول الله : " لا يبيتنَّ أحدكم ليلةً أو ليلتين إلاّ وصيتهُ مكتوبة عند رأسه " متفق عليه .
والمُوصي عندما يوصي ببعض ماله / تركته للإنفاق منها في سبيل الله تعالى بعد مماته فانه يبغي من وراء ذلك أن تزدان بها صحيفة أعماله , وبالتالي تزداد حسناته وترتفع درجاته في الجنة إن شاء الله , والموصي إنما يؤجل إنفاق الوصية بعد مماته خوفا من أن تطول حياته فيحتاج إلى المال في حياته فلا يجده فيصبح عالة على غيره . وهو أيضاً يريد أن ينتفع بماله بعد موته فيوصي بالإنفاق منه في سبيل الله (صدقة جارية وغيرها) , فيلحقه ثواب هذا العمل وبركته وخيره وهو في قبره .
روى البخاري ومسلم وأصحاب السنة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال :
قلت يا رسول الله : هل أُوصي بمالي كله ؟
قال : لا
قلت : فالشطر ؟ (الشطر يعني النصف).
قال : لا
قلت : الثلث ؟
قال : " فالثلث , والثلث كثير " .
والرسول صلى الله عليه وسلم أراد بذلك من سعد أن يترك شيئا لأولاده بحيث لا يصبحوا عالة يتكففون الناس.
وإذا كان الموصي قد أوصى بأكثر من الثلث فإنّ هذا يتم بموافقة الورثة وإجازتهم لها .

كما لا يجوز الوصية لوارث إلا بموافقة الورثة , كأن يكون الميت قد أوصى بشيء لبنت ضعيفة أو مطلقة أو أرملة أو نحو ذلك .

هذا ويتم توزيع الميراث على الورثة بعد إخراج الوصّية وسداد الدين عن الميت لقوله تعالى :
﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ سورة النساء.
سواء كان هذا الدين لله تعالى (زكاة, نذر ... الخ) أو للعباد.

ويذهب بعض العلماء إلى وجوب التعجيل في سداد الدين للعباد قبل دفن الميت لقوله صلى الله عليه وسلم : " نفسُ المؤمن معلقةٌ بِدَينِهِ حتى يُقضى عنه " . رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن.

خامساً: أهل الميت :


1-البكاءُ على الميت :
أجمع العلماء على أنه يجوز البكاء على الميت إذا خلا من الصراخ والنوح.
ورد في الصحيح: أن رسول الله قال:
" أن الله لا يعذِّب بدمعِ العينِ ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه " متفق عليه.
وبكى صلى الله عليه و سلم لموت ابنه إبراهيم وقال :
" إن العينَ تدمعُ ، والقلبُ يحزنُ ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " رواه البخاري.
وسُئل : أتبكي يا رسول الله ؟ فقال:
" إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " متفق عليه.
والمعنى أن الميت يُعَذّب بِنواحِ أهله ، يعني أنه يتألم ويسوءه نَوْحُ أهله عليه, فإنه يسمع بكاءهم. وليس معنى الحديث انه يُعَذّب ويعاقبُ بسبب بكاء أهله عليه ، فانه لا تزر وازرة وزر أخرى.
2-ثواب صبر أهل الميت:
الصبر خلق عظيم ، تردد ذكره وبيان فضله والحثّ عليه في الكتاب والسنة ، مع بيان ما أعدّه الله للصابرين من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة.

قال تعالى :
( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَالأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِۗوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـاإِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْوَرَحْمَةٌۖوَأُ ولَـئِكَ هُمُالْمُهْتَدُونَ ) سورة البقرة.

عن أبي هريرة , أن رسول , قال: يقول تعالى :
" ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ ، إذا قَبِضَتُ صَفِّيهُ من أهل الدنيا، ثم إحتسبه إلا الجنة " صحيح البخاري.


سادساً: زيارة القبور:

زيارة القبور مستحبة للرجال ، عن النبي , أنه قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها فإنها تذكّركم بالآخرة " رواه مسلم.
وكان النبي , يزور القبور للدعاء لأهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم، وكان مما يقوله :
" السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية " صحيح.
وعليه فإنه عند قيامكم بزيارة موتاكم، عليكم إذا دخلتم المقبرة أن تُسلّموا على أهلها وتدعوا لهم، كما جاء في قول رسول الله .
وعندما يصل الزائر إلى قبر الميت، يستقبل وجه الميت ويُسلّم عليه (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ويدعو له بما شاء ، ويمكن الدعاء له بما كان يدعو رسول الله للميت أثناء الصلاة على الجنازة كما سبق بيانه.
وقد دلّت الأحاديث النبوية وأقوال المفسرين من السلف الصالح على أن الميت يُحِّسُ بزواره ويسمَع كَلامهم ويستأنس بهم.

قال رسول الله :
·" ما من رجل يَمُرُّ بقبر رجلٍ كان يعرفهُ في الدنيا ، فيسلِّم عليه ، إلا ردَّ الله عليه روحه حتى يردَّ عليه السلام " ورد في الصحيحين.

·" ما من رجلٍ يزورُ قبر أخيه ويجلسُ عنده إلا استأنس به وردّ عليه حتى يقوم " أخرجه ابن أبي الدنيا .