العلاقة الزوجية و فن احتواء الآخر






إن الزواج رابط مقدس يعتمد على المودة أولا و التراحم و التكامل بين الطرفين في جميع جوانب هذه العلاقة سواء كانت جسدية أو عاطفية أو اجتماعية أو روحية , و لتوضيح هذا التكامل قال تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة و جعل منها زوجها ليسكن إليها" و يقول بعض المفسرين أن النفس التي خَلق منها الرجل و المرأة واحدة في طبيعتها و تكوينها إلا أن الاختلاف يكمن في وظيفتها لذلك خلقت المرأة سكنا للرجل و مكملا له و العكس صحيح.

الاختلاف
يعتبر السعي إلى احتواء الشريك فنا قائما بذاته يجب أن يتقنه كلا الزوجين ليقفا معا في مواجهة مصاعب الحياة بجميع أنواعها مع مراعاة الفروق الفردية و اختلاف وجهات النظر فتقبل الاختلاف لا يعتبر هزيمة طرف وانتصار آخر بل هو طريقة فعالة لإرساء الإحساس بالاحترام المتبادل مع الإبقاء على الاختلافات و عدم الانصهار في شخصية الآخر فقد يتمسك أحد الزوجين بآرائه و أفكاره مع تقديره و تفهمه لآراء الطرف الآخر و نظرته للأمور.

التنازل
كما يعتبر التنازل من أهم الوسائل المتاحة لمواصلة الحياة الزوجية بأمان و لا يجب اعتبار التنازل انتقاصا أو ضعفا في الشخصية بل بالعكس فهو يعبر عن إرادة قوية و شخصية صلبة تسعى لكسب ود الأخر ضمانا لسير مركب الزواج في الطريق الصحيح. و يعتبر التنازل أحيانا و في بعض المواقف قرارا شجاعا يعبر عن إرادة فذة و حب لا يفتر فالمتنازل بعيد كل البعد عن الأنانية و الجمود الفكري بل يريد أن يخلق مرونة و تناغما داخل الأسرة و يظن الكثيرون و الكثيرات أن التنازل يورث الشعور بالنقص و المهانة فيحرصون على التمسك بآرائهم و ليكن ما يكون وهو ما يعتبر دليلا على عدم النضج الفكري و العاطفي و من المحتمل أن يسير بمركب الزواج إلى هاوية الانفصال. إلا أن التنازل لا بد أن يتم بعد حوار و مناقشة و محاولة لتقريب وجهات النظر والوصول إلى حل وسط يرضي كلا الطرفين و بذلك يكون كلا الزوجين قد أوصل فكرته للآخر ثم رضي بالقرار النهائي المشترك.

شجاعة الاعتذار

وهي خصلة يفتقدها الكثيرون (إناثا و ذكورا) حتى بعد التيقن من ارتكاب الخطأ و يعتبر بعض الأشخاص تقديم الاعتذار نوعا من الضعف و في الحقيقة هو الشجاعة بعينها فحال التأكد من الخطأ وجب تقديم الاعتذار سعيا إلى عدم تراكم المشاكل مهما كانت ضئيلة. وتعتبر طبيعة الرجل الشرقي من هذه الناحية حساسة جدا فهو لا يقبل تقديم الاعتذار بطريقة مباشرة لظنه أنه تقليل من هيبته لكن يجب على الرجل في هذه الحالات أن يبتكر وسائل مميزة و غير مباشرة لتقديم اعتذاره كتقديم هدية أو حتى بإرسالية قصيرة المهم نيته في تبديد الخلاف و الحرص على تخطي الخلافات و عدم تراكمها و الحسم فيها كل في أوان حدوثه كي لا تتفجر الأمور فجأة و لسبب تافه وفي هذه الحالة يجب على الطرف الآخر قبول الاعتذار بصدر رحب و عدم التعنت و المبالغة في التمنع.

الصبرعلى الآخر

لعل الحب المتبادل بين الزوجين هو وحده الكفيل بتبديد كل الغيوم العابرة في علاقتهما و حتى إن مرّا بفترات من الركود وجب عليهما إعادة إشعال جذوة الحب بينهما بشتى الوسائل و استيعاب الزوج أو الزوجة أمر يستحق المحاولة فعلا لما له من نتائج مذهلة على سير الحياة الزوجية و إليكم مثالا من بيت النبوة الطاهر: كان صلى الله عليه و سلم في بيته مع بعض أصحابه حين دخلت عليهم أم سلمة رضي الله عنها بإناء فيه طعام للرسول فجاءت عائشة رضي الله عنها فكسرت الإناء إلى نصفين و النبي ينظر هو و أصحابه. فما كان رده صلى الله عليه وسلم هل غضب أو ثار أو نهرها أو فعل أي شيء من هذا القبيل؟ بل قام وجمع طرفي الإناء و ضحك قائلا: "كلوا , غارت أمكم" هل يستطيع رجل في زمننا هذا أن يصبر على مثل هذا الفعل الذي قامت به زوجته وأمام أصحابه و مهما كانت أخلاق هذا الزوج و مهما كانت خصاله؟؟ في هذا االموقف نجح النبي صلى الله عليه و سلم في استيعاب غضب أم المؤمنين وصبر على ما قامت به علما منه بطبيعة المرأة و غيرتها. فيا له من مثال.