في أواسط شهر نوفمبر من هذا العام، زف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وسائل الإعلام خبراً مميزاً لفت الأنظار وأثار العديد من التساؤلات في الأوساط السياسية والعسكرية.. أعلن الرئيس بوتين وهو يرتدي بزته العسكرية وعقب تدشين إطلاق أول صاروخ "مجهول المواصفات والقدرات"، أن "الصواريخ الروسية الجديدة لا مثيل لها في العالم"..
ولم يفصح الرئيس الروسي عن المزايا القتالية والمواصفات الميدانية العسكرية للصاروخ الجديد الذي "لا مثيل له في العالم"، لكن المتابعين لشؤون التسلح علموا لاحقا، أن الصاروخ الجديد يحمل في القاموس العسكري الروسي تسمية (TOPOL-M) ، بينما أطلقت عليه القيادة العسكرية لحلف الأطلسي تسمية "شيطان"، وهي تسمية مستقاة من وحي "المجهول والشرير"..!.
وفي رأي المحللين العسكريين والسياسيين أن كلام الرئيس بوتين، في هذا الوقت بالذات، عن صاروخ روسي "لا مثيل له في العالم" يحمل تفسيرات ورسائل عديدة، داخلية ودولية، أهمها:
-إنذار مبكر إلى دول العالم، بأن روسيا لا زالت لاعبا هاما ورئيسيا على الساحة الدولية، ومن غير المسموح تغييب دورها عن رسم الخريطة الجيو-سياسية للعالم الجديد. ويطالب بعض الخبراء العسكريين الروس، في تحليلات وتعليقات تنشرها مجلة "جيش الشعب" العسكرية، بعدم التنازل عن الحصّة الروسية في مغانم العالم الجديد، والذي تطلق عليه تسمية (PAXA-AMERICANA) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والذي يقام على أنقاض الخريطة البريطانية (PAXA-BRITANICA) ، المرسومة في القرن الماضي لتوزيع مغانم الإستعمار وإستلاب خيرات الدول الفقيرة.
-إعادة الإعتبار والكرامة إلى الجيش الروسي، الذي فقد بريقه مع نهاية الحرب الباردة وسقوط حلف "وارسو"، وخاصة مع زوال "الجيش الأحمر السوفياتي"، الذي كان مدرسة في الإنضباط والذي واكبته صفة "العظيم" والذي حمل مهام التوازن العسكري مع المعسكر الغربي. وفي هذا السياق، وبحسب مصادر أمنية روسية، يستهدف الرئيس فلاديمير بوتين إستنهاض الروح المعنوية والوطنية لدى الجيل الروسي الجديد من الشباب والذي يبتعد تدريجيا عن مهام التطوع في جيش البلاد وينصرف إلى مغريات الدعاية الأميركية، التي تبثّ مناخ التراخي والميوعة والإستسلام..
-الإعلان دوليا بأن روسيا خرجت من عزلتها وتحررت من مرارة هزيمة "الإتحاد السوفياتي"، وأنها الوحيدة صاحبة الحق الشرعي والوحيد في وراثة أمجاد "القوة العسكرية السوفياتية والسيطرة على الفضاء". وفي هذا المجال يقول دبلوماسي روسي يعمل في السفارة الروسية في برلين:"إن روسيا كانت على الدوام المحرك الرئيسي للعظمة والقوة السوفياتية، وفي سبيل تقوية معنويات حلفائنا في الإتحاد أرتضينا على مضض تعبير - الصواريخ البالستيه الروسية والصواريخ العابرة للقارات- مع العلم أننا نملك الإثنين معا!.."
-إن تركيز الرئيس الروسي بوتين على مزايا "الصاروخ الذي لا مثيل له في العالم" من دون سواه من الاسلحة، له دلالات داخلية وخارجية خاصة. من المعروف أن "القطبة المخفية" في هزيمة الإتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، لم تكن في الفذلكة العقائدية السطحية التي حملها الرئيس السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف في ورقتي "البريستوريكا والغلازنوست"، بل كانت في الخلل العسكري الإستراتيجي بين المعسكرين والذي تجلى في إعلان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عن نجاح خطة "الضربة الصاروخية الوقائية" التي تحركها وتوّجهها الأقمار الإصطناعية، والتي تتمكن من تدمير أي صاروخ معاد يستهدف أراضي الولايات المتحدة الأميركية. هذا الإعلان الأميركي وضع القيادتين، العسكرية الاستراتيجيه والسياسية السوفياتية، أمام خيار الهزيمة. ويستخلص من التحليلات العسكرية والسياسية الصادرة في حينه، أن الإعلان الأميركي عن نجاح مخطط "الضربة الصاروخية الوقائية" أصاب القيادة السوفياتية في مقتلين: الأول، هو التكلفة المالية الباهظة لأي برنامج عسكري سوفيتي يوازن الدرع الصاروخي الأميركي الجديد، وذلك بسبب الأوضاع الإقتصادية المتردية في دول المنظومة الإشتراكية، والثاني والأهم، هو سقوط "العقيدة العسكرية" السوفياتية، التي عمادها الصواريخ والمدفعية الثقيلة..!



"شيطان" روسيا الجديد
في حديثه عن الصاروخ "الذي لا مثيل له في العالم" أعاد الرئيس فلاديمير بوتين الإعتبار إلى إمكانية التوازن العسكري الجديد مع الولايات المتحدة الاميركية. وتفيد أول المعلومات الأمنية حول مواصفات الصاروخ "شيطان" الروسي، بأنه يشكّل محاولة إلتفاف على الصواريخ الأميركية الموجهة بواسطة الأقمار الإصطناعية. إن الميزة الرئيسية لصاروخ "شيطان" الروسي أو (TOPOL-M) ، هي، أولا قدرته على "التخفّي والتمويه" بالإضافة إلى تعطيله للرادارات الأميركية المتطورة، وثانيا، سرعته الفائقة، وثالثا، مجاله الذي يتجاوز العشرة آلاف كيلومتر ويجعل جميع المدن الأميركية تحت رحمته، ورابعا، وهذا الأهم، قدرته على حمل عشرة رؤوس نووية دفعة واحدة.."إنه شيطان يملك مفاتيح الجحيم" كما وصفه الجنرال الألماني مايكل بيلز!.

وتفيد المعلومات الأمنية أيضا، أن القدرات والمزايا لصاروخ "شيطان" ليست في محتواه فقط بل أيضا في قاعدة إطلاقه التي تعمل بواسطة الطاقة الذرية ويعمل محرك الصاروخ بواسطة الوقود النووي والذي يسمح بتجاوزه لسرعة فائقة تمكنه من الوصول إلى أي مدينة أميركية، وخاصة نيويورك، في نصف ساعه تقريباً!! هذا الميزة في السرعة الفائقة تساهم إلى جانب ميزة التمويه والمراوغه في شل قدرات الضربة الصاروخية الوقائية الأميركية(الدرع الصاروخي)

منقول