الغرفة المظلمة
19 ديسمبر 2008




أكتب لك يا سيدي وقد تكون قصتي مكررة‏,‏ وآسفة علي الإطالة‏,‏ ولكن أرجو منك يا سيدي أن تقرأها حتي النهاية‏,‏ وأتوسل إليك أن تنشرها حتي تكون عبرة وعظة لكل الزوجات‏.‏

أكتب لك يا سيدي بعد أن تراجعت عدة مرات عن الكتابة‏,‏ ولكن هناك ضيقا شديدا في صدري بسبب ما مر بي من أحداث كثيرة مؤلمة‏,‏ فأنا امرأة جميلة‏,‏ تعليمي جامعي‏,‏ كنت أعمل لفترة بإحدي الشركات الأجنبية‏,‏ تزوجت منذ عشرين عاما من شاب يعمل في وظيفة مرموقة‏,‏ بنينا حياتنا معا‏,‏ حتي أصبح لدينا كل شئ‏(‏ شقة كبيرة ـ سيارة حديثة ـ حساب في البنك‏)‏ ورزقنا الله ببنت وولد ربيتهما أنا ووالدهما أحسن تربية‏,‏ وأنا امرأة عيبي الوحيد أنني عنيدة جدا مع أنني كنت أظهر دائما عكس ذلك‏,‏ لأنني كنت أكره هذه الصفة في‏,‏ ويعتبر زوجي مثاليا‏,‏ فهو رجل يعيش لبيته وأولاده وعمله‏,‏ ولكن للأسف يا سيدي مر زوجي بأزمة منتصف العمر كما يقولون‏,‏ وإن كنت سابقا من أشد المعارضين لاستخدام هذا المصطلح‏,‏ ولكن يا سيدي هي فعلا أزمة يجب علي المرأة الحكيمة الذكية الواعية أن تتعامل مع هذه الأزمة بمنتهي الحكمة والعقل‏,‏ وعدم تحكيم العواطف مهما تعرضت لآلام أو إهانات‏,‏ فكرامة الزوجة من كرامة زوجها‏.‏

تعرف زوجي علي فتاة جامعية تصغره بكثير‏,‏ وعلي مدي عدة سنوات حاولت جاهدة إبعاده عنها‏,‏ ولم أفلح‏,‏ وبالرغم من وعوده الكثيرة بالابتعاد كان يخلف وعده دائما‏,‏ وأخيرا قررت رفع الراية البيضاء والاستسلام والانسحاب والانفصال عنه مهما كانت العواقب‏,‏ وبالرغم من أن زوجي هذه المرة كان صادقا جدا في وعده وأنا أعلم ذلك من داخلي‏,‏ وبالرغم من قيامه بتوسط الكثير‏(‏ والده ـ والدته ـ إخوته ـ أقربائه ـ بعض رجال الدين‏),‏ ولكن يا سيدي هذه المرة تملكني العند ووجدت لنفسي جميع الأعذار لتنفيذ قراري بطلب الطلاق والانفصال‏,‏ ولم أرحم توسلات زوجي ودموعه عندما بكي أكثر من مرة أمامي وأمام أولاده‏,‏ وهو الذي كان يقول دائما عبارة دموع الرجالة غالية‏

وكنت أشعر بالنشوة وأنا أراه يبكي وبداخلي شئ يقول كم بكيت ولم يشعر بك‏,‏ وأصررت علي الطلاق بحجة أنني فقدت الثقة به‏,‏ والإحساس بالأمان والإهانة عندما قام بسبي وضربي مرات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة‏,‏ والذي اعتبرته شيئا لا يغتفر بالرغم من استفزازي له خلال هذه المرات‏,‏ لكل هذه الأسباب قلت له أنت رجل لا تطاق ولا تستحق أن أعيش معك‏,‏ وطلقني زوجي وهو يبكي أمام المأذون ويتوسل لي للمرة الأخيرة ألا أهدم البيت حتي ولو من أجل الأولاد‏,‏ وليس من أجله خصوصا أن بنتنا كبرت وعلي وش جواز‏.‏

وبعد أن حصلت علي الطلاق كنت أبحث عن رجل يطبطب علي وأشعر معه بالأمان وأثق به‏,‏ وأدي ذلك الي تعرضي الي كثير من المضايقات من الرجال‏,‏ متزوجين ومطلقين وأرامل وللأسف الشديد يا سيدي منهم من كان من داخل العائلة‏,‏ الكل يتعامل معي علي انني امرأة لقيطة بلا هوية مستباحة‏,‏ وإن أرادوا الزواج ليس إلا الزواج العرفي‏,‏ وأخيرا يا سيدي جاءتني هدية السماء ــ كما اعتقدت خطأ ــ عندما تعرفت عن طريق ابنة عمتي المطلقة ايضا علي رجل طبطب علي كما تمنيت‏,‏ وشعرت معه بالأمان والثقة اللذين ابحث عنهما‏,‏ وهو ايضا يحتاج لي لأنه لم يسبق له الزواج بالرغم من كبر سنه بسبب انشغاله بعمله‏

فهو رجل اعمال ناجح وهو علي استعداد لتقديم أي شئ حتي أوافق علي الزواج منه زواجا شرعيا‏,‏ وفعلا تزوجنا‏,‏ وبسبب زواجي تركني ابناي وعادا للعيش مع والدهما الذي تركهما لي تحقيقا لرغبتي ورغبتهما بعد حصولي علي الطلاق‏,‏ وتزوجت يا سيدي من الرجل الذي توهمت انه سيعوضني عن كل ما تعرضت له من آلام وإهانات مع زوجي السابق‏,‏ وبعد ثلاثة أشهر فقط من زواجي عشت خلالها كملكة متوجة علي عرش كل شئ يملكه هذا الرجل بدأ مسلسل الصدمات بعد ان علمت وللأسف عن طريق ابنة عمتي التي كنت اعتقد انها تحب لي الخير ان هذا الرجل لايملك شيئا مما عرفته عنه سوي مظهره الخارجي‏,‏ فكل شئ يا سيدي مزيف فهو رجل فاشل في كل شئ ونصاب تزوج اكثر من مرة وطلقهم جميعا بعد ان نصب عليهن وسرق اموالهن‏

وبدأ مسلسل الإهانات‏..‏ سب بأفظع الشتائم‏,‏ ضربني بشكل جنوني حتي انه كان يقذفني بأي شئ أمامه حتي انني جرحت جروحا عميقة أدت إلي التدخل الجراحي في بعض الأحيان وقمت بطلب الطلاق ولكنه قال لي لا يا هانم أنا مش زي جوزك السابق يطلق بسهولة وفعلا حبسني في غرفة بإحدي الشقق المهجورة بمكان ناء‏,‏ كما قام بتوثيقي بالحبال لمدة طويلة كان خلالها يرسل لي رجلا لا أعرفه لتوصيل الطعام‏,‏ وهنا كانت الطامة الكبري فقد قام الرجل باغتصابي وأخذ صورا لي وأنا عارية تماما‏

وللأسف يا سيدي كل هذا كان بعلم زوجي‏,‏ وأخيرا شعرت ابنة عمتي بالندم علي ما فعلته بي وحصلت علي مفتاح الشقة خلسة وقامت بتهريبي‏,‏ وفعلا ذهبت إلي أمي وأخوتي‏(‏ منهم لله‏)‏ الذين كانوا جميعا ضد زوجي السابق وشجعوني علي طلب الطلاق‏,‏ لأني تحملت منه الكثير والكثير‏,‏ وأنا الآن يا سيدي أعيش كامرأة محطمة في إحدي الغرف المظلمة‏(‏ لأني لا أطيق النور‏)‏ بمنزل أحد أفراد أسرتي مصابة بحالة من الاكتئاب الشديد مذعورة من ان يصل زوجي الحالي إلي مكاني فيفتك بي كما توعدني كثيرا‏,‏ ولقد علمت يا سيدي ان زوجي السابق تزوج من تلك الفتاة الذي تعرف عليها وهي التي تقوم بتربية ابني اللذين حاولت الاتصال بهما ولم يستجيبا وعندما استجابا قالا لي منك لله يا ماما هدمت البيت وأقسم لك يا سيدي أنني شعرت بمرارة فظيعة لم أشعر بها مع كل ما مر بي من عذابات

حتي مرارة الاغتصاب كانت أهون علي من ان يرفض ابناي رؤيتي أو حتي سماع صوتي‏,‏ والآن يا سيدي أنا أحيا بقايا امرأة بداخلي خليط من الأحاسيس المفزعة‏(‏ ندم‏,‏ خوف‏,‏ ولوم‏)‏ وأصبحت ثقيلة علي الكل ولا أشتاق لرؤية أي شئ حتي الطعام‏,‏ والشئ الوحيد الذي اشتاق لرؤيته هو والدي رحمة الله عليه الذي توفي بعد زواجي بعدة سنوات والذي كان سندا لي‏,‏ ولو أطال الله في عمره ما كان يوافقني علي الانفصال عن زوجي السابق وأبو أولادي‏,‏ وأخيرا ياسيدي أرجو المشورة‏,‏ وقل لي ماذا أفعل لأني أثق دائما في رأيك وسوف استرشد به حتي لا أكره الحياة وأتمني الموت‏.‏




رد الكاتب :


*‏ سيدتي‏..‏ مأ أحلي الحكمة عندما تأتينا في وقتها المناسب‏,‏ فتواجه بقوة وصلابة شياطين العناد‏,‏ وتنير لنا طرق التصالح والتسامح‏,‏ وما أقساها عندما تأتي متأخرة‏,‏ فتنغرس في ماضينا‏,‏ كالخنجر المسموم‏,‏ وبدلا من مداواتها لواقعنا المؤلم‏,‏ تبكينا علي ما فعلناه بأنفسنا‏.‏

تعترفين بخطئك عندما سيطر عليك عنادك‏,‏ ولم تلتفتي إلي دموع زوجك وتوسلاته وأنت تعلمين من داخلك صدق ندمه وتوبته وحرصه علي عدم هدم البيت‏,‏ ولكنك كنت تثأرين لنفسك‏,‏ ودائما نخطئ ـ سيدتي ـ عندما نغضب لأنفسنا ونثأر لها‏,‏ فيما تقتضي الحكمة في هذه الأحوال أن نغضب لله ولمصلحة الآخرين الذين نحبهم‏,‏ حتي لو كان معنا الحق‏,‏ فالتسامح والعفو وردة تتفتح في القلب‏,‏ بينما يتحول الغضب والانتقام إلي نار تحرقنا‏,‏ وهي تحرق الآخرين‏,‏ ما فعلته لم يكن فيه رابح‏,‏ فكلكم خاسرون‏.‏

كلماتي لا تعني تبرئة والد ابنتك وابنك‏,‏ فهو يتحمل قدرا كبيرا من المسئولية فيما وصلت إليه‏,‏ فهو الآخر لم تسعفه حكمته في تجاوز أزمة منتصف العمر‏,‏ فاندفع في علاقة حب‏,‏ ولم يف بوعده بقطع علاقته بتلك الفتاة‏,‏ فطعنك في أنوثتك وتركك فريسة لعنادك‏,‏ واعتذر في وقت لا يجدي فيه الاعتذار‏,‏ فما أصعب المرأة وأقساها ـ ومغفرة للتعبير ـ وأحمقها عندما تنتقم ممن أهان أنوثتها‏.‏

أنت الآن تلتمسين له الأعذار وتبررين قبولك لضربه وإهاناته لك بسبب استفزازك المستمر له‏,‏ وبعد أن ذقت الهوان والذل والعذاب مع هذ النصاب ـ وما أكثر النصابين الآن ـ الذي كان ينتظر واحدة مثلك‏,‏ من الهاربات من نزف أنوثتهن‏,‏ ممن يبحثن عن اهتمام أو كلمات حب أو طبطبة حتي لو كان كل هذا زائفا‏.‏ كان عليك أن تتمهلي‏,‏ وتمنحي نفسك فرصة لالتقاط الأنفاس ومداواة أنوثتك‏,‏ وإعطاء فرصة للم شمل الأسرة التي انهارت‏,‏ ولكنك أسرعت للارتماء في أحضان هذا النصاب المحترف‏,‏ وللأسف لم تجدي أحدا من أفراد أسرتك ليردك عن تعنتك‏,‏ فتلقفتك ابنة عمتك لتسلمك إلي مجرم يجب محاكمته‏.‏

سيدتي‏..‏ لن يجدي الآن إغلاق نوافذ غرفتك المظلمة‏,‏ فالأسوأ حدث‏,‏ وعليك الآن أن تخرجي للحياة‏,‏ اطلبي لقاء والد ابنيك‏,‏ أحكي له ما حدث معك‏,‏ اطلبي مساعدته في استعادة حقك‏,‏ ذكريه بأنه عليه واجب تجاهك‏,‏ وأنا بدوري أذكره بمسئوليته الكاملة فيما وصلت إليه‏,‏ وبأنك قبل وبعد كل شئ أم ابنيه‏,‏ ولا اعتقد أن رجولته ستقبل أن يتركك فريسة لمثل هذا النصاب‏,‏ وعليه أيضا أن يصل ما انقطع بينك وبين ابنيك‏,‏ فليس من العدل أن تدفعي ثمن خطئك طوال عمرك‏,‏ فإذا لم يستجب زوجك السابق ولم يؤلمه ضميره‏,‏ فأرجو أن تتصلي بي أو تتفضلي بزيارتي لمساعدتك في اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة زوجك النصاب‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏