السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

جاء القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد للناس أجمعين، { قَد جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } (المائدة:15)،
بيَّن فيه سبحانه لعباده طريق الخير والشر، وطريق الفلاح والنجاح وطريق الخسران والضلال، { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ } (الأنعام:153)،
وأمر الإنسان أن يعمل ما فيه خير وفلاح له، وأن يترك ويتجنب ما فيه شر له، { فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ * وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ } (الزلزلة:7-8)،
فمن الناس من وُفق للطريق الأول، ومنهم من ضل عن سواء السبيل، { فَمِنهُم مَّن هَدَى اللهُ وَمِنهُم مَّن حَقَت عَلَيهِ الضَّلَالَةُ } (النحل:36).
ومن الآيات الكريمة التي أرشدت العباد إلى سلوك طريق الرشاد، قوله تعالى: { وَاللهُ يَدعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ } (يونس:25)،
فالآية تدعو بمنطوقها إلى التوجه تلقاء دار السلام، وهي تدعو بمفهومها إلى تجنب السير في طريق الضلال. فما هي { دار السلام ومن الداعي إليها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نلاحظ أن الآية جاءت عقيب آيات تبين حقيقة الحياة الدنيا، وأنها حياة فانية لا قرار لها ولا استقرار، وذلك قوله تعالى: { إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنيَا كَمَاءٍ أَنزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرضِ مِمَّا َيأكُلُ النَّاسُ وَالأَنعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرضُ زُخرُفَهَا وَازَّيَّنَت وَظَنَّ أَهلُهَا أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيهَا أَتَاهَا أَمرُنَا لَيلاً أَو نَهَارَاً فَجَعَلنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّّم تَغنَ بِالأَمِس }
(يونس:24)،
فحقيقة الحياة الدنيا أنها حياة اختبار وامتحان، فمن الناس من يتجاوز الامتحان بنجاح وسلام، ويفوز في الدنيا والآخرة، ومنهم من يسقط ويفشل، ويخسر الدنيا والآخرة.
ثم إن الله بعد أن بين حقيقة هذه الحياة، أتبع ذلك بالدعوة إلى الحياة الحقيقية، التي ينبغي على الناس أن يشدوا إليها الرحال، وأن يعدوا لها العدة، ويشمروا عن سواعد الجد، ويَحثُّوا الخُطا من أجل الوصول إليها والفوز بها.
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد من { دار السلام } الجنة، بدليل قوله سبحانه: { لَهُم دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِم } (الأنعام:127)، قال ابن كثير وغيره: هي الجنة.
وقد ذكر المفسرون ثلاثة أسباب لتسمية الجنة داراً للسلام: فقال بعضهم: إنها سميت بذلك؛ لأن السلام هو الله تعالى، والجنة داره. وهذا مروي عن قتادة وغيره.
وقال آخرون: سميت بذلك؛ لأن من دخلها سَلِمَ من الآفات. فالسلام - بحسب هذا - بمعنى السلامة، كالرضاع بمعنى الرضاعة. فإن الإنسان هناك يسلم من كل الآفات، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب.
وثمة قول ثالث يرى أن الجنة سميت بـ { دار السلام لأنه تعالى يُسلِّم على أهلها، كما قال تعالى: { سَلَامٌ قَوُلاٌ مِن رَبٍ رَحِيم } (يس:58)،
والملائكة يسلمون عليهم أيضا، كما قال تعالى: { وَالمَلَائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم }
(الرعد:23-24)،
وأهل الجنة أيضاً يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله: { تَحِيَتُهُم فِيهَا سَلَامٌ } (يونس:10)،
ويصل سلامهم إلى السعداء من أهل الدنيا، كما قال تعالى: {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ *فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } (الواقعة: 90-91).
وجاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه، قال: "جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم...فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها...فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله"، رواه البخاري معلقاً.
وجدير بنا - ونحن في ظلال هذه الآية - أن ننبه إلى أمرين، لا يليق تجاوزهما:
أحدهما: أن دعوته سبحانه العباد إلى { دار السلام يدل على أن { دار السلام } ليست كغيرها من ديار الناس، بل هي دار تفارق ديار الدنيا من كل وجه؛ إذ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ أرشد لهذا، أن العظيم إذا استعظم شيئاً، ورغَّب فيه، وبالغ في ذلك الترغيب، دلَّّ على كمال حال ذلك الشيء، ولا سيما وقد ملأ الله قرآنه من وصف الجنة، كقوله سبحانه: { فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } (الواقعة:89).
ثانيهما: أن حذف مفعول الفعل { يدعو لإفادة عموم المأمورين، فلم يقل سبحانه: (والله يدعو المؤمنين...أو المسلمين)، بل حذف مفعول الفعل؛ لينبه على أن الدعوة موجهة لكل أحد. والدعوة هي: الطلب والتحريض. وهي في الآية هنا أوامر التكليف ونواهيه. فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر الناس كلهم بكل خير وصلاح، فيدخل في هذا العموم المشركون دخولاً أوليًّا؛ لأنهم سبب الأمر بهذا العموم.
والأمر المهم هنا، بيان ذلك البون الشاسع بين دار الدنيا الفانية، ودار السلام الباقية، بين دار المرور والغرور، ودار القرار والحبور، بين دار تتلاشى في لحظة، وتزول على حين غفلة، فإذا هي حصيد، كأن لم تكن شيئاً مذكوراً، وبين دار قارة مستقرة لا زوال لها ولا فناء، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } (هود:108)، فشتان ما بينهما، وشتان بين من كانت وجهته الدار الأولى الفانية، ومن كانت وجهته الدار الآخرة الباقية.
وقد أرشد ختام الآية { وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرِاطٍ مُستَقِيم إلى أن الله سبحانه يهدي من يشاء من خلقه، فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جنانه ورضوانه

متقول للفائده