لا حول ولا قوة إلا بالله
استهزأ كاتبٌ صحفي مصري بآية من كتاب الله تعالى، وحديثٍ شريف صحيح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كلاهما ورد في "دعاء السفر" الذي تستهل به شركةُ مصر للطيران رحلاتها قبيل الإقلاع، وطالب وزير الطيران المصري بتغيير الدعاء.
وكتب الصحفي سليمان جودة في مقال له نشرته صحيفة "المصري اليوم" يقول: "الذين أخذوا طائرة مصر للطيران، إلى أى مكان فى العالم، لابد أنهم قد لاحظوا، أن نداء ينطلق بالصوت والصورة داخل الطائرة، بمجرد استقرار كل راكب على مقعده، وهو نداء يتضمن آية من آيات القرآن الكريم، تقال فى العادة عند السفر، ومع الآية دعاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام، يوصف بأنه دعاء السفر!".
وحاول الكاتب تجميل موقفه بالزعم أنه "لا اعتراض أبداً على الآية، ولا اعتراض مطلقاً، على الدعاء المرفق بها"، قبل أن يواصل حديثه بالقول: "ولكن الاعتراض على اختيار هذه الآية، بالذات، من بين ٦٢٣٦ آية فى القرآن الكريم، ثم يبقى الاعتراض بقوة أيضاً، على اختيار هذا الدعاء على وجه الخصوص، من بين آلاف الأدعية، عن الرسول الكريم!".
ومضى يقول :"نقول هذا دون حرج، لأنه ليس معقولاً أن يسمع الراكب، بمجرد وصوله إلى المقعد، عبارات من قبيل: «كآبة المنظر» و«سوء المنقلب»!.. وقبل ذلك، يكون الراكب نفسه، قد أحس قطعاً بخوف فى داخله، وهو يسمع النداء يقول: وإنا إلى ربنا لمنقلبون!".
ويشير الكاتب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم المخرَّج في صحيح الإمام مسلم عن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ:{ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
مبررات عقلية شخصية:
وحاول الكاتب أن يسوق مبررات عقلية محضة من وجهة نظر شخصية ليجمّل معارضته وتجرؤه على حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويبدو أنه يدرك جيدًا فداحة ما يسطره بقلمه حيث كرر مجددًا قوله "لا اعتراض، مرة أخرى، على الآية، ولا على الدعاء"، وهي العبارة التي ينقضها في كل كلمة من مقاله.
وواصل الكاتب يقول: "ولكن راكب الطائرة، يريد بطبيعته أن يتفاءل، وهو لايزال فى أول خطوة من رحلته، ويريد أن يستبشر، وهو مقبل على رحلة طويلة كانت أو قصيرة، سوف يكون معلقاً خلالها فى السماء، ولابد أنه، سوف لا يتفاءل، ولا يستبشر، والحال هكذا، حين يكون لايزال يرتب أمتعته، فى طائرته، ثم تخترق أذنيه، كلمات عن «كآبة المنظر» و«سوء المنقلب» وغيرهما!" على حد قوله.
وأقحم عقله مجددًا في اختيار آية أخرى غير التي أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى قولها عند السفر، وكتب يقول: "ماذا سوف يحدث - مثلاً - لو أن ختام الآية الكريمة فى سورة يوسف، الذى يقول «فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين» قد جاء فى مكان الآية التى يقول ختامها «وإنا إلى ربنا لمنقلبون»؟!..".
وسعى إلى إقناع القراء بما ذهب إليه بتخليط عجيب عند قوله: "فالعبارة فى الحالة الثانية جزءٌ من آية فى القرآن الكريم، والعبارة فى الحالة الأولى جزء أيضاً من آية فى القرآن الكريم، ولكن ما أبعد ما سوف يترسب فى نفس الراكب، فى الحالة الأولى، من مشاعر وأحاسيس عنه فى الحالة الثانية، وما أشد إحساس الراكب ذاته، بالأمن، والطمأنينة، والسكينة، وهو يسمع «فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين» ثم ما أشد إحساسه هو نفسه، بالفزع، وهو يسمع «وإنا إلى ربنا لمنقلبون».. مع أن هذا قرآن وهذا قرآن!"، كما قال.
وعلى النحو ذاته، مضى الكاتب يقول: "ثم ماذا سوف يحدث، أيضاً، لو أن العبارة المأثورة عن الرسول الكريم، التى تقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. توكلت على الله» قد جاءت فى مكان «كآبة المنظر» و«سوء المنقلب».. فهذا كلام الرسول، وذاك كلامه - عليه الصلاة والسلام - أيضاً، ولكن ما أبعد المسافة بين أثر الأول فى النفس، وبين أثر الثانى!".
غفلة .. أو تغافل!!
وختم مقاله الذي يحمل عنوان "يد الفريق شفيق" بمطالبة وزير الطيران المصري الفريق شفيق أن يغير دعاء السفر الذي يرى الكاتب أنه يبعث التشاؤم ولا يحض على التفاؤل - وفق كذبه - فقال :"وإذا كانت يد التطوير لدى الرجل (وزير الطيران) تمتد يومياً، فى كل اتجاه، من مواقع مسؤوليته، فأغلب الظن أن هذا التسجيل على طائرات مصر للطيران فى حاجة منه إلى إعادة نظر عاجلة، وإلى تطوير أيضاً، لأن القصد عند بداية كل رحلة، إنما هو طمأنة الناس إلى أنهم سوف يصلون إلى مقاصدهم، بسلامة الله، وليس القصد، ما هو حاصل حالياً، تأبين كل واحد فيهم، بمجرد صعوده إلى الطائرة!" على حد زعمه.
ويغفل الكاتب أو يتغافل عن أمر عظيم هو أحد ركائز دين الإسلام وأساسياته، بل هو من مُسلمات الشريعة والأمور المعلومة منها بالضرورة، ألا هو "اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-" الذي استفاضت النصوص الشرعية الصحيحة في بيانه والتأكيد عليه، ومن ذلك قوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7]، وقوله -عز وجل-: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء: 80] ... وغيرها كثير. إلا أن ذلك لم يمنع بعض منحرفي العقول والأفهام من أن يتجرأوا على هذا الأصل ويقدموا فهمهم الضيق وتفكيرهم المحدود على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم
ولا حول ولا قوة إلا بالله

منقول