اغـتيال شـخصية‏!‏











أنا شاب في الثلاثين من عمري من عائلة ميسورة الحال والدي رجل عصامي بدأ من تحت الصفر وحفر في الصخر حتي وصل بنا الي المستوي الذي نحن فيه الآن كان دائما يحكي لي كيف كان يعمل وهو صغير حتي يجلب مصاريف تعليمه‏.‏

فقد كان يتيم الاب من صغره وهو الوحيد من اخوته الذي صمم علي ان يكمل تعليمه حتي يرتقي بنفسه ويعيش حياة ميسورة‏,‏ وكانت له حكايات ومواقف كنت ابكي عند سماعها وافخر بأن لي ابا كهذا‏,‏ امي ايضا لها نفس ظروفه وكانت تعمل ايضا منذ صغرها ولم تكمل تعليمها لكنها مثقفة الي ابعد درجة‏.‏
تزوج ابي وامي في شقة صغيرة في حي شعبي متواضع حتي وصلا بنا الي العيش في حي من ارقي احياء القاهرة‏.‏ لي اخ واخت انا اصغرهما اتمتع والحمد لله بحب كل من حولي‏,‏ مطيع لابعد الحدود بعكس أخوي‏,‏ ومن هنا تبدأ المشكلة الكبري الطاعة‏..‏ الطاعة‏..‏ الطاعة‏!!‏
لا اتذكر يوما اني قد خالفت ابي او امي في اي امر طلباه مني سواء كنت مقتنعا او غير مقتنع ليس خوفا منهما وانما احترام لهذين الشخصين‏,‏ بدأت اشعر بالمشكلة الحقيقية مع دخولي الثانوية العامة فقد كانت ميولي ادبية‏,‏ وكنت اكره المواد العلمية وبعد نجاحي في اولي ثانوي تحدثت معهما في اني سأختار القسم الادبي لكن ابي رفض رفضا شديدا وصمم علي أنني يجب ان اختار القسم العلمي‏,‏ وقال لي انه مستعد لأن يصرف كل ما يملك حتي يري ابنه مهندسا‏.‏
وكان يقول لي مش عايز منك غير‏50%‏ وهدخلك جامعة خاصة بس انسي موضوع الادبي خالص‏,‏ وبالفعل دخلت القسم العلمي وفشلت فشلا ذريعا واضعت من عمري سنتين في موال الثانوية العامة حتي تدخل احد اقاربي لدي ابي لاقناعه بتحويلي الي ادبي وبالفعل وافق علي مضض ولكن بشرط ان اتفوق وادخل احدي كليات القمة‏,‏ وبالطبع لم اتمكن بسبب الحالة النفسية السيئة بعد هذه التجربة وقس علي ذلك بعض المواقف مثل‏:‏ لا تصاحب فلانا لا تذهب الي المكان الفلاني لا تتأخر لا تقد السيارة الآن وقد وصل الحال بامي وابي إلي انهما كانا يختاران لي ملابسي علي ذوقهما‏,‏ وكان هذا مجال سخرية كبيرة من زملائي‏,‏ الغريب ان اخوي كان يحدث معهما المواقف نفسها لكن بنسب اقل مني بكثير فهما كانا يعترضان ويصران علي رأيهما اما انا فكنت لا اجرؤ علي ذلك واثناء دراستي بالكلية تعرفت علي انسانة جميلة من بيت طيب معي بنفس الكلية بصراحة اعجبت بها من اول نظرة واستمرت علاقتنا نحو سنتين وعرف ابي وامي ان لي حبيبة‏,‏ وبدأت الاسئلة مين دي؟؟ تعرفها من امتي؟؟ اهلها مين؟؟ ساكنة فين؟؟ اخذا كل المعلومات مني وطلبا مني الانصراف وبعد فترة عرفت خلالها ان ابي سأل علي هذه العائلة وجاء ابي وامي وطلبا مني ان انسي تماما هذه الفتاة فهي ليست من مستوانا المادي الآن ولا الاجتماعي ونحن نريد لك حياة افضل من ذلك انت كده بتهد كل اللي بنيناه‏.‏
وانهيت دراستي الجامعية في احدي الكليات النظرية الشعبية كما يقال عنها‏,‏ وفكرت في عمل مشروع صغير حتي ابدأ حياتي العملية‏,‏ درست المشروع جيدا وكنت متحمسا جدا وكنت منتظرا ان يفرح والدي بالفكرة ويدعمها ولم لا الفلوس موجودة والحمدلله الا انني صدمت الصدمة الثالثة‏,‏ عندما استقبل مني الشرح بكل استهزاء وتهكم وعدم ثقة بقدرتي علي ادارة مشروع بنفسي وطلب مني صرف النظر عن هذا المشروع فالاولي ان اساعده في ادارة مكتبه لانه بعد عمر طويل المال كله لك ولاخويك‏,‏ قبلت بالامر الواقع وبالفعل عملت مع ابي في مجال عمله ولكني فوجئت بطريقة معاملته لي فقد كنت مجرد تابع ليس اكثر‏,‏ استمر هذا الوضع قرابة سنة حتي هز البيت زلزال كبير فقد تعرضت اختي لمرض خبيث اقعدها في الفراش‏,‏ وقد صدم هذا الخبر كل من في البيت وزاد الأمور تعقيدا عندما عرفنا ان هذا المرض سيستمر علاجه سنين طويلة‏,‏ وبعد عام في هذا العذاب الذي تحملت فيه امي العبء الاكبر فوجئت باكبر صدمة تلقيتها في حياتي والتي لم اكن اتوقعها علي الاطلاق والتي جعلتني اكتب لك الآن ففي احد الايام زارتنا احدي صديقات والدتي من ايام الطفولة جاءت لتطمئن علي اختي بعد ان علمت بخبر مرضها‏,‏ وكانت معها ابنتها ففوجئت بامي علي غير العادة تطلب مني ان اسلم علي صديقتها وابنتها وان اجلس معهم وبالفعل جلست ولم انطق بكلمة كما هي عادتي حتي انتهت الزيارة‏,‏ بعدها بيومين وجدت امي تقول لي ما رأيك في هذه البنت فقلت لها رأيي فيها بخصوص ايه؟ فجاء الرد الصاعقة اصل انا طلبت ايدها من امها قلت لها لمين فجاء التأكيد لك انت‏,‏ لاول مرة وجدت نفسي اصرخ في وجهها بكلمة لا‏..‏ ازاي تعملي كده؟ وانتوا لحد امتي هاتختارولي كل حاجة دا مستقبلي وانا حر فيه مش هاتجوز دلوقتي ولاول مرة ايضا اري نظرة الذهول علي وجه امي وكانها تري شخصا آخر لم تنطق بكلمة‏,‏ وقالت لي انها ستبلغ ابي بقلة ذوقي وردي عليها‏.‏
جاء ابي وعرف بما حدث واستدعاني كعادته وتحدث معي في الموضوع سألني عن سبب اعتراضي؟ قلت له انا لا افكر في الزواج الآن انا مازلت صغيرا واريد ان ابني مستقبلي بنفسي مثلك فارجوكم اعطوني الفرصة انا لااشعر بكياني وقلت له انظر الي حالي انا لم اختر اي شئ‏,‏ كله من اختياركم وانفجرت باكيا وانا اتحدث معه‏,‏ وبالفعل شعرت منه بتعاطف مع حالي ولكنه طلب مني ان اوافق حتي ادخل البهجة علي امي واختي وعلي البيت فطلبت منه مهلة للتفكير ورد علي بأنه من حقي طبعا ان افكر ولكن فوجئت خلال فترة المهلة بأن والدتي دائما تتحدث مع صديقتها علي انني موافق والموضوع منتهي ووجدت ابي يقول لي لاتعتقد ان طاعتك لنا ضعف منك انك بذلك ابن بار بأهله وبالفعل تزوجت من هذه الفتاة بدون فترة خطوبة بناء علي رأي العائلتين‏,‏ وفوجئت بالمستوي الاجتماعي والفكري لها ولعائلتها فالاب والام اميان ويسكنان بمنطقة شعبية وبالرغم من ان زوجتي جامعية الا انها ذات تفكير سطحي وغير مثقفة علي الاطلاق ودهشتي الكبري انهما رفضا فتاتي الاولي لنفس السبب وعندما تحدثت مع امي في هذا الموضوع كانت تقول لي انها تعرفهم من زمان وتعرف اصلهم وهم ناس من اصل طيب وما الي ذلك والجملة الشهيرة وبعدين انت هاتتجوزها مش هاتتجوز اهلها والتي اري انها افشل جملة في التاريخ فعندما تتزوج فانت تتزوج عائلة بأكملها بافكارها بعادتها بكل عيوبها ومميزاتها‏.‏
وبالفعل سارت بنا الحياة وسط كمية مشاكل وصدامات كثيرة‏,‏ خلال هذه الفترة رزقني الله بطفلين آية في الجمال وخفة الظل هما اغلي شئ لي الآن لكني اخاف عليهما جدا فانا لا أريدهما ان يختلطا باهل زوجتي وانا كنت ارفض هذا الوضع وفي اوقات كثيرة عندما كنت اذهب لاخذهم كي نرجع الي بيتنا كنت اجد ولدي في الشارع مع اقاربهما او مع احد اخوتها والذي رأيته في يوم من الايام يدخن المخدرات امام منزلهم وعلي مقربة من ابني‏,‏ ووصلت المشكلات بيننا الي انها تركت المنزل اكثر من مرة وذهبت لاهلها مما كان يزيد الضغط علي حيث إنني اكون في غاية التوتر والغضب لمجرد معرفتي بأن طفلي بين هذه العائلة‏,‏ وكنت اضعف علي الرغم من انها مخطئة واقبل رجوعها البيت ليس من اجلها ولكن من اجل اولادي حتي حصل صدام بين اهلي واهلها حدث فيه بعض التجاوزات من الطرفين وصلت الي حد القطيعة بين العائلتين‏.‏
فجأة وجدت نفسي وحيدا امام هذه المشكلة حتي اهلي السبب‏,‏ فيما انا فيه رفعوا ايديهم من الموضوع واعترفوا لاول مرة بأن اختيارهم كان خاطئا بل واعتذرت لي امي في يوم من الايام وطلبت مني ان اسامحها علي هذه الزيجة ولكن ماذا افعل انا كيف اواجه هذه المشكلة؟ لم اعد قادرا علي التفكير واستسلمت للامر الواقع وحاولت التعايش مع الوضع ولكن علي مضض‏,‏ وشغلت نفسي بعملي وكنت اقضي فيه وقتي الاطول فكنت اذهب الي مكتبي مبكرا جدا واكون آخر شخص يغادره واذهب متأخرا للمنزل اقضي ساعة او ساعتين مع طفلي حتي ميعاد نومهما ثم انام وهكذا علي هذه الوتيرة اياما طوالا حتي ظهرت في حياتي انسانة وجدت بها كل ما حلمت به فهي انسانة من عائلة طيبة ومثقفة تعمل في وظيفة مرموقة تعرفت عليها من خلال عملي‏,‏ وجدت نفسي منجذبا اليها بصورة غريبة كنت لا احتمل ان يمر يوم دون ان اسمع فيه صوتها تطورت علاقتنا وصرنا اصدقاء بشكل سريع حتي جاء يوم واعترفت لها بحقيقة شعوري تجاهها اعترضت في البداية فهي لاتريد ان تكون سببا في تدمير اسرتي وكانت تشك في ان حبي لها هو رد فعل للنقص الذي اعانيه في حياتي‏,‏ اختارت البعد عني فترة كنت خلالها كالمجنون لا اتخيل الحياة بدونها حتي قابلتها في يوم خلال العمل وتحدثت معها مرة اخري في الموضوع وجدتها تبكي وتعترف لي بأنها كانت تبادلني الشعور نفسه منذ اليوم الاول وانها اختارت البعد عني رغما عنها وانها تتمني ان تظل بجانبي طول العمر‏,‏ ولكن الظروف اقوي منها وقالت لي انها تحدثت مع والدتها عني وعن ظروفي وطبعا والدتها رفضت رفضا شديدا وهددتها بابلاغ والدها الذي لايمكن ان يوافق علي ان تكون ابنته زوجة ثانية وحتي لو انفصل عن زوجته فلن يوافق عليه‏..‏ ساءت حالتي النفسية بشكل كبير حتي شعر كل من حولي بهذا التغيير ومنهم زوجتي التي شكت في الامر وسألتني عما بي فاذا بي اقول لها انني افكر في الزواج ولك ان تتخيل طبعا رد فعلها وقالت لي انها لاترفض زواجي ولكنها لن ترضي علي ان تكون زوجة ثانية‏,‏ لو اردت الزواج يجب ان ننفصل اولا‏..‏
انا الآن في حيرة من امري لا استطيع التفكير‏,‏ فكرة الانفصال تعني ان ولدي سيعيشان بعيدا عني وفي بيئة سيئة لا اطيق وجودهما فيها يوما واحدا فما بالك بعمرهما كله او علي الاقل حتي يبلغا الثانية عشرة من عمرهما واهل حبيبتي لا يمكن ان يوافقوا علي في هذه الظروف وانا وحبيبتي لايمكن ان نقدم علي فعل من وراء اهلها او نتزوج في السر فأنا لا ارضي لها هذا الوضع وهي لاتستحق مني ذلك‏.‏
ارجوك انا لا اعرف ماذا افعل ارجوك ساعدني علي اتخاذ قرار‏..‏ هل انا مخطئ هل انا فعلا مفتر؟ هل اتزوج الانسانة التي احبها ام اتركها لتعيش حياتها مع شخص آخر يسعدها ويكون افضل لها مني؟ هل ارضي بوضعي الحالي من اجل تربية ولدي امامي ولايضيع مستقبلهما ارجوكم افيدوني‏.‏





‏*‏ سيدي‏...‏ كثير من الآباء يعتقدون أنهم يعرفون مصلحة أبنائهم أفضل منهم‏,‏ فلا يثقون باختياراتهم‏,‏ ولا يراعون قدراتهم الخاصة وميزاتهم ورغباتهم‏,‏ فيختارون لهم أصدقاءهم ودراساتهم وملابسهم وصولا إلي أزواجهم‏,‏ معتقدين انهم بذلك يضمنون لهم السعادة‏,‏ بينما هم يغتالون شخصياتهم دون أن يدروا ويشقون لهم أنهار الشقاء‏.‏
أخطأ والداك ياصديقي‏,‏ عندما اعتقدا بعد نجاحهما في الحياة وتحولهما من طبقة مادية الي اخري‏,‏ ان الخطأ لايصيبهما مع الرغبة في تجنيبك وشقيقيك أي فرصة للشقاء‏,‏ وتكبد ما عانياه في حياتهما‏.‏
بالحب وبقصور الرؤية تعاملا معك‏,‏ ففرضا عليك دراسة وكلية لا تحبهما‏.‏ وصادرا حقك في اختيار شريكة حياتك‏,‏ ومنعك والدك من محاولة النجاح في مشروعك الخاص‏,‏ واكتمل جرمهما في حقك بتزويجك ممن لم تختر أو تهوي‏,‏ والنتيجة شخصية مهزوزة ممزقة بين قدراتها ورغباتها وبين طاعة الوالدين‏,‏ هذا الإلغاء للشخصية فسره الأب بأنه طاعة لا ضعف‏,‏ فيما يبدو انه كان ضعفا متراكما بفعل التربية لم يتح لك الاعتراض وعدم قبول مالا تحب ولا ترضي دون الخروج علي طاعة والديك‏.‏ من حق الآباء ان يوجهوا أو ينصحوا أبناءهم‏,‏ ولكن عندما يكبر الأبناء يجب ان يكون لهم الاختيار النهائي لمستقبلهم حتي لو رفضوا النصيحة أو اعترضوا عليها‏,‏ فهم كيانات مستقلة‏,‏ ليس بالضرورة ان تتشابه مع الاباء أو تكون امتدادا أو تحقيقا لذواتهم وأحلامهم المحبطة علي مدي العمر‏.‏
سيدي‏..‏ اعتقد أنك الآن في طريقك لاستعادة نفسك والتصالح مع شخصيتك التي تحبها وتتمناها‏,‏ وهذه هي الخطوة الأولي للخروج من أزمتك‏.‏
قرارك ـ الذي تسألني عنه ـ سيكون هذه المرة بكامل ارادتك‏,‏ فالتمس مخاوفك علي ابنيك ووعيك بما قد يتعرضان له في حالة انفصالك عن والدتهما‏,‏ خاصة ان من تحب ظروفها لن تسمح لكما بالزواج‏..‏ اذن الانفصال سيكون من أجل التعبير عن رفضك للاختيار الخاطئ منذ البداية‏..‏ ولأني استشعر ان هناك مساحة ما طيبة‏,‏ وبتعبير أدق‏,‏ لا أجد بداخلك رفضا كاملا لزوجتك وانما تحفظات عديدة إذا استطعت بالحوار وبالرغبة في الاستمرار تغييرها الي الافضل وجذبها الي المستوي والمكانة والطبقة التي تحبها وترضاها‏,‏ فسيكون هذا أفضل بكثير لأولادك‏,‏ فلتمنح نفسك وزوجتك هذه الفرصة دون ضغوط من أحد علي ان تتذكر ان الانسان لا يحصل علي كل شيء في الحياة‏,‏ فربما تجد السعادة مع من تحب أو تختار ويأتيك الشقاء من شقاء وتعاسة أطفالك‏,‏ والحياة في النهاية خيارات وعليك ان تختار وتتحمل مسئولية ما اخترته‏.‏ أما أبغض الحلال فهو القرار الصعب الذي أفضل ألا اناقشه معك‏,‏ وأتمني أن تجعله قرارك الأخير اذا استحالت الحياة مع أم الأولاد ووجدت في الاستمرار ما قد يضر بك وبطفليك وبأمهما التي أرجو ان تلتمس لها الأعذار لانها ابنة بيئتها التي لم تختر‏,‏ وإن كان عليها بذل المزيد من الجهد والحب حتي تحافظ علي استقرار بيتكما‏..‏ متعكما الله بالحب والخير وراحة البال والي لقاء بإذن الله‏.‏