بريد الجمعة

سيدي‏,‏ أنا لا أجيد الكتابة‏,‏ ولا أجيد التعبير‏,‏ ولكني سأتكلم عن قصة صعبة عشتها‏,‏ بحلوها ومرها‏,‏ وتكمن صعوبة هذه القصة في أن الانسانة التي أحببتها تربطني بها صلة قرابة قوية‏,‏ وهو ما يجعلني الآن في موقف محير‏,‏ وأحتاج إلي نصيحتكم‏.‏




ترجع بداية قصتي لأكثر من ثلاث سنوات‏,‏ عندما كنت في السنة الأخيرة بالجامعة‏,‏ وكانت هي طالبة في كلية أخري‏,‏ وبدأت أذهب لمنزلهم‏,‏ المجاور لمنزلنا بصفة مستمرة‏,‏ لكي أسهر معها وأخواتها‏,‏ فمعظمنا متقارب السن والأفكار‏,‏ كنا نتسلي بلعب الدومينو أو ألعاب الكمبيوتر‏,‏ وساعتها شعرت بأنني أنجذب إليها شيئا فشيئا‏,‏ وأتعلق بها يوما بعد يوم‏,‏ علي الرغم من أن هذه العلاقة كانت بمثابة أول تعامل رسمي بيني وبينها‏,‏ مع أنها ـ كما سبق وقلت لكم ـ قريبة جدا لي‏,‏ وجارة أيضا‏.‏


المهم‏,‏ بعد فترة‏,‏ لاحظت أنها هي الأخري تبادلني نفس المشاعر‏,‏ ويوما بعد يوم تزايدت زياراتي لمنزلهم‏,‏ ووجدت أن هناك ترحيبا كبيرا بي من أهلها‏,‏ وأصبحت شخصا مرغوبا لديهم‏,‏ تفتح أمامي الأبواب علي مصاريعها‏,‏ وبدأت علاقتنا ـ بل حبنا ـ يزداد‏,‏ حتي إنني لم أعد أكتفي بزياراتي لهم شبه اليومية‏,‏ فبمجرد انصرافي من منزلهم‏,‏ كنت أتبادل أنا وهي الحديث علي الانترنت بالساعات‏,‏ حتي الصباح تقريبا‏,‏ إلي أن وصلت إلي درجة الحب الأعمي لهذه الفتاة‏,‏ ونسيت حياتي كلها‏,‏ وصارح كل منا الآخر بحبه‏,‏ وتوطدت علاقتنا كثيرا‏,‏ وأصبحت في انتظار الخطوة الرسمية‏.‏


في هذه الأثناء‏,‏ كنت قد أنهيت دراستي‏,‏ والتحقت للعمل بشركة يتمني الكثيرون العمل بها‏,‏ ولكن كانت المشكلة أن هناك أطرافا في عائلتي يرفضون هذا الارتباط‏,‏ ولا يباركونه‏,‏ علي الرغم من تمسكي بفتاتي لأبعد الحدود‏,‏ حيث كنت أنا وهي نغرق يوميا في عسل الحب دون أي منغصات‏,‏ أو موانع‏,‏ نتبادل الحب في التليفون طوال الليل‏,‏ ونجلس معا ـ في بيتها ـ لساعات طويلة‏,‏ بمفردنا‏,‏ بل كان الجميع حين أذهب اليهم يخلون لنا الجولنكون علي راحتنا‏,‏ فكنت أجلس معها في حجرة الكمبيوتر‏,‏ وكان الشيطان ـ دائما ـ هو ثالثنا‏,‏ حيث حققت حلمي ـ لأول مرة ـ وأمسكت يدها‏,‏ ثم قبلتها‏,‏ بل إنها في بعض حواراتنا علي الإنترنت كانت تقوم بتشغيل الكاميرا وهي تغير ملابسها‏,‏ حتي وصل حبي لها إلي درجة الجنون‏,‏ وأصبحت هي بالنسبة لي أقرب من نفسي‏,‏ كنت أحكي لها كل أسراري الشخصية‏,‏ وكنا في حواراتنا نتطرق لما سنفعله في حياتنا الزوجية‏,‏ وكيف نرسم مستقبلنا معا‏.‏


استمررنا في هذه العلاقة لفترة طويلة‏,‏ فكنت أخرج معها باستمرار‏,‏ وكان كل زملائها ومن يسكنون معنا في المنطقة يعلمون بحبنا‏,‏ وفي هذه الأثناء تقدم لخطبتها شخص من بلد بجوارنا‏,‏ وعند هذه اللحظة انتابني القلق‏,‏ وعلي العكس‏,‏ وجدت منها لا مبالاة غريبة‏,‏ فبدأت أضغط بكل قوتي علي أهلي للموافقة علي الارتباط بها‏,‏ وفي الوقت نفسه كانت إجراءات خطبتها تسبقني بأقصي سرعة‏,‏ لأن المتقدم لها كان يريد السفر للخارج‏,‏ وأخيرا‏,‏ وافق أهلي علي الارتباط بها‏,‏ وكانت لحظة حاسمة بالنسبة لي‏,‏ ولم تسعني الفرحة ساعتها‏,‏ واتصلت بها لأبلغها بأننا سوف نأتي لخطبتها‏,‏ فصدمتني بقولها إن والدها اتفق مع خطيبها علي كل شئ‏,‏ فسألتها‏:‏ وما الحل؟‏..‏ فقالت‏:‏ انت لسه فاكر‏,‏ كل شيء نصيب‏,‏ فأخبرتها بأنني فعلت المستحيل لإقناع أهلي‏,‏ ولكنني وجدتها وكأن الأمر لا يعنيها‏,‏ وهنا أحسست بطعنة كبيرة في قلبي‏,‏ تأكدت بعدما جاء والدها لأهلي‏,‏ وأخبرهم أنه كان يتمني زواجنا‏,‏ فلماذا تأخرنا‏,‏ وبعد ضغط علي والدها من والدتي وافق الرجل‏,‏ ولكن علق موافقته برأي ابنته‏,‏ وكانت الصدمة الكبري أن جاء الرفض منها هي‏,‏ علي الرغم من تعهدها مسبقا لي بأنها لن تكون لأحد سواي‏,‏ وأصبحت في حالة ذهول‏,‏ ودهشة‏,‏ أسأل نفسي‏:‏ ماذا حدث؟‏!‏


أيام قليلة يا سيدي‏,‏ وتمت قراءة فاتحتها‏,‏ وحضر أهلي‏,‏ ثم جاءوا ليحكوا لي عن فرحتها بعريسها‏,‏ وأنها لم تكن تحبني مطلقا‏,‏ فأكل الغيظ قلبي‏,‏ وشعرت بأنها كانت تستغلني‏,‏ بل إن والدها زاد الطين بلة‏,‏ عندما حكي لوالدتي ضغطه عليها لتقبل بخطبتي‏,‏ وتترك العريس الآخر‏,‏ ولكنها رفضت‏,‏ لأن العريس المتقدم هو حلم حياتها‏,‏ فلديه شقة معقولة‏,‏ ويمتلك سيارة‏,‏ بل وأبلغت والدها أنها لم تكن تحبني‏,‏ وكانت تعاملني كأحد أقاربها فقط‏,‏ وأنني صعبان عليها‏,‏ وساعتها انفجر رأسي غيظا‏,‏ كيف لم تكن تحبني‏,‏ ولماذا سمحت بهذه العلاقة بيننا لفترة طويلة‏,‏ إن لم تكن تحبني؟‏!..‏
وحدثتني نفسي بالانتقام منها‏,‏ وهو ما حدث بالفعل‏,‏ فكتبت رسالة ووضعتها علي سيارة خطيبها‏,‏ حكيت له فيها كل ما كان بيني وبين خطيبته‏,‏ بل وأخبرته إن كان يريد معرفة المزيد ان يحادثني علي إيميل خاص وضعته بالرسالة‏,‏ وفعل‏,‏ وأخبرته بكل شئ بالتفصيل‏,‏ دون أن أفصح عن هويتي‏,‏ بل وأرسلت له صورا لها في أوضاع لا تليق‏,‏ ثم نصحته بأنها ليست الزوجة المناسبة له‏,‏ وعليه أن يتركها‏,‏ وعلي الفور ذهب خطيبها إلي والدها‏,‏ وأخبره بكل شئ‏,‏ وعلمت الفتاة أنني من أخبرته بكل هذا‏,‏ وكذبت كل شئ حكيته له‏,‏ وكبر الموضوع‏,‏ وجاء والدها إلي والدتي‏,‏ وضغطت عائلتي علي حتي اعترفت لخطيبها بكذب ما حكيته له‏,‏ وأنا أبكي‏,‏ حتي لا تحدث خصومة بين العائلات‏.‏


كنت آمل سيدي أن يتفهم خطيبها حبي لها‏,‏ وارتباطنا ببعضنا البعض‏,‏ ويتركها لمن أحبها‏,‏ ولكنه ـ للأسف ـ صدقها‏,‏ ووقع تحت تأثير جمالها‏,‏ وأسلوبها الرقيق‏,‏ وجاذبيتها التي لا يستطيع أحد مقاومتها‏,‏ وتم بالفعل شبكتها‏,‏ ومن يومها وأنا حزين في غرفتي علي ما ضاع‏!.‏

سافر خطيبها إلي عمله بالخارج‏,‏ وانتهت الفرحة‏,‏ وبدأ والدها في التفكير مرة أخري‏,‏ هل ما فعله صواب؟‏..‏ وبدأ يجري مقارنة بيني وبين خطيب ابنته‏,‏ فعلي الرغم من وضعه الذي يبدو أفضل مني‏,‏ فإن كفتي ترجح في كل شئ‏,‏ فأنا مؤهل عال‏,‏ وهو مؤهل متوسط‏,‏ وبالنسبة للوضع الاجتماعي أنا أفضل منه بمراحل‏,‏ ولكن طلب العريس إجراء الخطبة بسرعة‏,‏ لم يجعل هناك فرصة للتفكير‏,‏ وبدأ الندم يظهر علي الرجل‏,‏ بل ـ وكما علمت ـ علي ابنته أيضا‏,‏ التي شعرت ـ متأخرا ـ أنها تحبني‏,‏ وأنها تسرعت في هذه الخطبة‏,‏ نظرا لأنها وجدت كل زميلاتها تمت خطبتهن‏,‏ وهي لم تكن خطبت بعد‏,‏ ثم بدأت المناوشات لكي ترجع المياه إلي مجاريها‏,‏ ويصفو ما تعكر بيننا‏,‏ ولكني ـ حتي الآن ـ أرفض ذلك تماما‏,‏ عملا أولا بقول رسول الله‏(‏ ص‏)‏ لا يخطب أحدكم علي خطبة أخيه‏,‏ ولأنني لا أريد أن أخطئ في حق نفسي ثانية‏,‏ بعد الدرس الذي تعلمته‏,‏ وكل ما يدور في ذهني حاليا هو وضع خطيبها وهو يتعرض لما يشبه الخيانة‏,‏ مثلما تعرضت له سابقا‏,‏ فهل أستمر سيدي في موقفي هذا‏,‏ أم أنه القدر أراد أن يصلح ما انكسر؟‏!‏



‏>‏ سيدي‏.. عندما تتراكم أخطاؤنا ونقرر البحث عن نافذة للهروب حتي نستريح‏,‏ نلقي بالمسئولية علي القدر‏,‏ وكأننا لم نختر ونقرر ونعصي ونحوم حول الحمي‏,‏ ثم نقول إننا مسيرون والقدر هو الذي دفعنا إلي ذلك وحدد خطانا‏.‏
ما بني علي خطأ سيدي لن يقود إلا إلي خطأ أكبر‏,‏ ولحظات السعادة المسروقة حتما ستفضي إلي لحظات أطول من الحزن والألم‏.‏
دخلت بيت أقربائك‏,‏ رحبوا بك وائتمنوك علي شرفهم‏,‏ فخنتهم‏..‏ فإذا كنت صغيرا وهي الأخري كذلك‏,‏ فلا أعرف كيف كانت تفكر أسرتها‏,‏ يخلون لكما الجو بالساعات‏,‏ ويفتحون للشيطان كل الأبواب كي يكون ثالثكما‏,‏ فهل كانوا يعتقدون أن هذا هو أفضل أسلوب للزواج؟‏..‏ وكيف يكون البحث عن الحلال علي يد الشيطان‏,‏ وبألعاب الحب والدومينو؟ أين مروءة الأب أو حرص الأم؟ وهل يمكن أن يمنحا الثقة لشابين جاهلين يتحسسان الرغبة والاحتياج والغموض في مهدهما؟‏!.‏
لم تكتف أنت وحبيبتك بذلك‏,‏ بل واصلتما معصيتكما عبر النت‏,‏ تجردتما من الأخلاق مع الملابس أيضا‏,‏ ولأن الشيطان تمكن منكما‏,‏ ارتكبت جرما أكبر وسجلت لها‏,‏ والأهل غافلون‏,‏ لم يلتفتوا إلي كل التحذيرات من ترك جهاز الكمبيوتر آمنا في أحضان الصغار‏,‏ ولا إلي كل الجرائم التي ترتكب باسمه ثم يفيقون متأخرا علي فضيحة أو جريمة يصعب درؤها‏.‏
والخطأ يجلب خطأ‏,‏ فها أنت تستغل لحظات الحب لتصبح وسيلة لإرهاب حبيبتك وابتزازها بعد أن اختارت غيرك عندما تباطأت أسرتك في التقدم إليها‏.‏ حتما لم تكن مشاعرها تجاهك حبا صادقا‏,‏ كانت نزوة وخطيئة وعندما وجدت العريس الجاهز ذهبت إليه وطوت صفحتك‏,‏ وما فعلته أنت لم يكن حبا لها‏,‏ بل ثأرا لكرامتك وإنتقاما منها‏.‏ لم تكن رجلا ولا أمينا ولا شريفا معها‏,‏ مثلما هي لم تكن كذلك مع أسرتها ومعك أو حتي مع خطيبها الحالي‏.‏
سيدي‏..‏ تسألني رأيي الذي أعتقد أنه يوافق هواك‏,‏ ابتعد عن تلك الفتاة‏,‏ اتركها لخطيبها‏,‏ حتي لو لم تكن له‏,‏ فهي لن تكون لك‏,‏ وستظل جراح الماضي تطارد مستقبلكما وستسئ حتما إلي صلة القرابة بين العائلتين‏..‏ فما حدث بينكما من الصعب أن يلتئم‏..‏ عليك أن تتخلص من كل ما بين يديك من رسائل وتسجيلات‏,‏ وتب إلي الله واطلب عفوه ومغفرته حتي يرزقك بزوجة صالحة طيبة‏,‏ ودع هذه الفتاة لاختيارها لعل الله يهديها به‏.‏ أقصد كن رجلا بمعني الكلمة‏,‏ وكن طيبا حتي تكون جديرا بفتاة طيبة فلا نصيب للخبثاء في الطيبات‏.‏ وإلي لقاء قريب بإذن الله‏.‏