مقابلة مع باني جسر جنداس
والجامع العمري في مدينة اللد

الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري




رسم الفنان توماس عام 1881







الحلقة الأولى:

- السلام عليك يا حضرة السلطان!
- وعليك السلام يا حامل الرسالة.
- بودي أن اطرح عليك بعض الأسئلة لكي نزود قارئي ال"مدينة" ببعض المعلومات عن مؤسس الدولة المملوكية في الشام ومصر، وبالأخص عن أثرك في بلدتنا الصغيرة.
- فليكن!
- سؤالي الأول إليك يا مولاي هو عن موطنك وأصلك؟
- اسمي الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري واتبع لفريق من الجيش يدعا المماليك. يطلق علينا هذا الاسم لأننا مُلِكنا على يد السلاطين والحكام وذوي النفوذ في الدولة الأيوبية، وهي كما تعلم الدولة التي نشأت عل يد القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي. لقد ابتاعني الأيوبيين من أهلي في سن الخامسة عشر، وعلى ما أذكر أني اتبع لعشيرة تركية الأصل من فئة "القبجاق" وهي من منطقة تدعا في أيامك قُزاقستان.
- لقد اشتراني الأمير علاء الدين البندقداري, ومن هنا كنيتي، وربيت وتعلمت تحت رقابة البندقداري حتى انتقلت لخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب، حاكم الديار المصرية والشامية في تلك الأيام, أواخر دولة بني ايوب بالتحديد ما يقارب التلاتينات من القرن الثالث عشر الميلادي. بعد تدريبي على القتال عُيّنت قائداً على جماعة من المماليك الصالحية، نسبة للصالح أيوب ومن هنا بدأت المسيرة.
- قل لي يا مولاي، ما السبب الذي دعا الصالح بان يشكل جيشا من المماليك؟
- إننا المماليك من العرق التركي، نُعرف بالمقاتلين الأشداء, فنحن ماهرين بركوب الخيل والرمي بالقوس، إلى جانب البسالة والشجاعة. إن طبيعة بلادنا جبلية وشديدة البرودة، خلقت فينا مهارات جسدية مميزة، فنحن على الأغلب مصقولي الجسد، قصيري القامة، تلك مميزات سهلت علينا الرماية والقتال أثناء ركوب الخيل، ميزة لها ثقلها في ساحة القتال، آن ذاك قبل اختراع ال"عوزي"!!!.
تلك الأوصاف وغيرها, دعت الملوك لتفضيلنا وتأسيس الجيوش على أكتافنا. ولهذا السبب اختارنا الصالح وأسس فريق أمين وشجاع فيه شكلت وأصدقائي الأمراء: المظفر سيف الدين قطز وقلعون من ابرز قواده، نواة صلبة ومتينة استطاعت حماية الديار المقدسة من الغزوات الصليبية الطامعة، التي هدفت احتلال الساحل الفلسطيني، بالأخص يافا، عسقلان وعكا.

- وما هو ابرز أعمالك قبل بلوغك الحكم يا مولاي؟
- لقد شاركت بمعركة المنصورة ضد الصليبيين في شهر رمضان من عام 1249، في هذه المعركة أسرنا الملك "لويس التاسع" قائد الفرنجة، الذي طمع باحتلال القدس. الطمع الذي قاده لغزو الديار المصرية. أسر لويس هذا, يا بني, دب الرعب بنفوس الإفرنج الذين فرو هاربين كالفئران الهاربة إلى جحورها، ولكن جحورهم لم تحميهم لوقت طويل, فعند اعتلائي العرش حررت البلاد من أيديهم ودمرت جحورهم التي بنيت على شكل قلاع شامخة، فقد قمت بهدم قلعت صفد، عتليت وغيرها وكلما هدمت حصناً صليبياً بنيت مكانه منشآت لراحة أهل البلاد، ففي صفد بنيت المسجد الأحمر وفي يبنا, اظنها قريبة من مدينتكم على الساحل، بنيت مقام الصحابي أبو هريرة، وقد بلغني أن هذا المقام قد حول مكان زيارة على اسم "ربان جملئيل"، سبحان مغير الأحوال ومبدل الأسماء... ما علينا ولقد بنيت غيرها من المنشآت كالجسور، الطرق والآبار.


- من هم أعدائك، يا مولاي؟
- قبل تسلمي زمام الحكم وفي أيام حكم السلطان قطز، قام المغول باجتياح الديار الإسلامية برمتها. وكانت قِمّت الاجتياح قد بلغت أوجها في عام 1258 عند احتلال المغول لبغداد وقلبها عن بكرة أبيها حيث اغتصب العرض ودنست الأرض ودمرت بيوت العلم وأحرقت المكاتب. وقد كان المغول جماعة من القبائل تركمانية الأصل، تجمعت من اجل احتلال العالم، قائدهم الأول يدعى جنكيز خان الأكبر.
لقد نلت من هؤلاء الأوغاد في معركة عين جالوت بالقرب من مدينة بيسان في شمال الغور. ففي فجر يوم الجمعة الثالث من أيلول سنة 1260، قام فريق الحربية بقيادتي بغزو قوات العدو المغولي بقيادة "كاتبغا". حيث انقضت جماعة من الحربية ونزلت من سفح التلال لتلتقي بالجيش المغولي الذي كان يزحف في عمق الغور وبين عيدان البوص الكثيفة. حالفنا الحظ في صباح المواجهة، حيث كانت شمس الصباح في وجههم, الشيء الذي صعب عليهم الرؤية وسهل علينا الرماية، ففي تلك الأثناء انهالت عليهم الأسهم ودبت الرعب في صفوفهم، كما تهطل الأمطار على الأرض الجافة في مطلع الشتاء. الجندي منهم كان يتلقى السهام من شتى الأنحاء فتروح هذه بتمزيق أشلائه وبعثرتها في الفضاء كما تبعثر قطرات الماء ذرة التراب وتشتت كيانها!
اجل يا بني لقد كانت معركة حاسمة وقاسية حيث استمرت أحداثها حتى ساعات الظهر ولاكتنا ظفرنا منهم وأسرنا قائدهم "كاتبغا" ومع أسره انهزم ما تبقى من عسكره. بعد هذه المعركة بحوالي شهر (24 تشرين أول 1260) قتل السلطان قطز واختارني قواد الجيش سلطانا عليهم.
- قل لي يا...
- دعك عن السؤال ألا تترك القارئ ليستريح! إن طاب لي سأحدثك في ما بعد عن أعمالي في فلسطين عامة ومدينتكم اللد خاصة.
- الشكر لك يا مولاي.